أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير
شرائط
الكاسيت في مصر: صوت الثورة، الثقافة اليومية، وتاريخ الوجدان
في كل شريط كاسيت يكمن
عالم كامل من الذكريات والطموحات والتمرد . من أغانٍ شعبية تتحدى الذوق العام، إلى
خطب دينية تتجاوز قيود الدولة، شكّلت شرائط الكاسيت نافذة لملايين المصريين على
الحرية الثقافية. هل يمكن لجهاز صغير وصوت مسموع أن يكتب تاريخ أمة؟
تجسد شرائط الكاسيت في مصر
أكثر من مجرد وسيلة لتشغيل الأغاني؛ فهي كانت نافذة على حياة شعب بأكمله، وجسراً
بين الأجيال، ووعاءً للثقافة الشعبية المتعددة الألوان. في السبعينيات
والثمانينيات، كان انتظار صدور شريط جديد لمطرب مثل عمرو دياب أو محمد منير حدثاً
يستحق الاحتفاء، بينما كانت شرائط الفرق الأجنبية تستدعي شغف الشباب بمتابعة
الموسيقى العالمية. وامتدت التجربة لتشمل حفلات أعياد الميلاد، الرحلات الصيفية،
وحتى المصايف، حيث كان جهاز الكاسيت رفيقاً لا غنى عنه.مع
انتشار هذه التكنولوجيا، دخل الكاسيت في نسيج الثقافة الشعبية المصرية، حيث لم
يقتصر دوره على الموسيقى فحسب، بل أصبح وسيلة لتداول الخطاب الديني والسياسي
أيضاً. فالشرائط التي حملت خطباً لدعاة كبار مثل الشيخ الشعراوي أو الشيخ عبد
الحميد كشك، أو الأغاني النقدية للموسيقار الشيخ إمام، شكلت صوتاً مضاداً للروايات
الرسمية، وأتاحت للمصريين إنتاج ثقافة خاصة بهم، بعيداً عن رقابة الدولة وإعلامها
المركزي.
في كتابه "إعلام الجماهير: ثقافة
الكاسيت في مصر", يقدم
الباحث الأميركي أندرو سايمون دراسة معمقة لتأثير الكاسيت على الثقافة الشعبية
المصرية، رافضًا النظرة التقليدية التي تعتبر الكاسيت مجرد وسيط موسيقي أو أداة
ترفيهية. سايمون، الذي شهد أحداث ثورة يناير 2011، وجد في "الثقافة الصوتية
للمصريين" نافذة لفهم التفاعلات الاجتماعية والسياسية، وكيف أصبح الصوت عبر
الكاسيت أداة للتعبير والمقاومة والتجريب الثقافي.
ويشير أندرو سايمون إلى أن الثورة المصرية عام 2011 كانت بمثابة
الشرارة التي جعلته يدرك قوة الصوت وأهمية الثقافة الشعبية. فقد شاهد كيف تردد صدى
الأغاني التي كانت شائعة على شرائط الكاسيت خلال المظاهرات، مثل أغاني الشيخ إمام،
وكيف أصبح الكاسيت وسيطاً ديمقراطياً للإعلام قبل ظهور الإنترنت..
الكتاب يصور الكاسيت ليس فقط
كوسيلة لتشغيل الأغاني، بل كـ “تقنية يومية" غيرت معالم الحياة اليومية، من
الموسيقى الشعبية إلى الخطب الدينية، ومن القرصنة المحلية إلى تداول التسجيلات
الدولية. تمكن الأفراد من إنتاج ثقافة خاصة بهم بعيدًا عن رقابة الدولة، فالأشرطة
لم تعد مجرد محتوى مسموع، بل أصبحت أرشيفًا شعبيًا يمكّن المصريين من سرد
تاريخهم اليومي على نحو لم توفره الوسائط الرسمية.
سايمون يعرض الكتاب من خلال
ستة فصول تغطي الاستهلاك، القانون، التذوق، التوزيع، التاريخ، والأرشيفات، معتمدًا
على "أرشيف الظل" الذي يجمع الصور، والمجلات الشعبية، والتسجيلات
الصوتية، والمراسلات، والأفلام، ليقدم سردًا غنيًا وحيًا للثقافة الشعبية. ويكشف
عن ظاهرة القرصنة التي رافقت انتشار الكاسيت، وكيف ساهمت في إعادة تعريف الملكية
الفكرية وتداول المحتوى الثقافي، فضلاً عن كونها أداة لانتشار أصوات كانت محرومة
من المنابر الرسمية، مثل الشيخ إمام وعبد الحميد كشك.
كما يناقش الكتاب التحولات
الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت حكم السادات ومبارك، من الانفتاح الاقتصادي
وظهور الاستهلاك الفردي إلى دور المصريين المغتربين في الخليج في نشر الكاسيت، ما
جعل الجهاز والشرائط ركيزة أساسية للاتصال بين المصريين في الداخل والخارج. الكتاب
يضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لتقنية يومية بسيطة أن تعيد تشكيل الثقافة وتمنح
الناس القدرة على أن يكونوا منتجين، وليس مجرد مستهلكين؟ بالإضافة إلى الموسيقى،
لعب الكاسيت دوراً محورياً في تاريخ التفكير والفن والفكر السياسي والديني في مصر،
حيث أصبح من الممكن لأي شخص امتلاك صوت وممارسة التأثير الثقافي والاجتماعي. ومن
خلال دراسة أندرو سايمون لتاريخ مصر عبر الكاسيت، نفهم كيف يمكن لتقنية بسيطة أن
تخلق ثقافة جماهيرية قوية، وتعيد تشكيل الوعي الشعبي، وتفتح نوافذ جديدة على تاريخ
لم يروه المؤرخون الرسميون.
في النهاية، يمكن النظر إلى
شرائط الكاسيت ليس فقط كأغاني أو دروس دينية، بل كوثائق حية، تحمل بين شريطيها
ذاكرة شعب كامل، حكاياته، طموحاته، صراعاته، وطريقة تعبيره عن ذاته. إنها شهادة
على قدرة الوسائط اليومية على إعادة تعريف الثقافة، وتحويل المستهلكين إلى منتجين،
وإعادة رسم التاريخ من زاوية الحياة اليومية، حيث يصبح الصوت قوة، والذاكرة قابلة
لإعادة التشكيل عبر كل شريط يُشغل.
سايمون لا يكتفي بسرد
التاريخ، بل يربطه بالحاضر، مشيرًا إلى أن النقاشات حول الموسيقى الشعبية
والمهرجانات الحديثة ليست جديدة، بل امتداد لتجربة الكاسيت، حيث كانت هناك دوماً
معركة حول من له الحق في صنع الثقافة والفن. وهذا يجعل الكتاب أكثر من مجرد دراسة
أكاديمية؛ إنه مرآة للوجدان المصري، حيث تتقاطع الأصوات الفردية مع التاريخ
الجماعي، ويكشف عن قدرة التقنية على كسر المركزية وفتح المجال للتعبير الحر.
في ختام الكتاب، يبدو الكاسيت
وكأنه صوتٌ من الماضي يدعونا للتأمل في قوة الثقافة اليومية، وفي كيف أن الأصوات
الصغيرة – التي لم تعترف بها المؤسسات الرسمية – تستطيع أن تعيد كتابة التاريخ،
وتشكل وجدان أمة، وتجعل من التقنية البسيطة أداة للتغيير الاجتماعي والثقافي.
#ثقافة_مصرية
#الكاسيت #إعلام_الجماهير #أندرو_سايمون #التاريخ_الشعبي #الثقافة_الشعبية
#الموسيقى_الشعبية #الثورة_المصرية #أرشيف_الظل
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق