حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال
حارسة الذاكرة:
سيرة الكتابة عند إبراهيم فرغلي
إبراهيم فرغلي،
كتابة، ذاكرة، أدب عربي، خيال، سرد، رواية، إبداع، حوارات أدبية، نقد أدبي
في كلّ كاتب
جوهرة لا تُرى. جوهرة تحرسها ذاكرة تتشكّل من الوجع والحنين، من الأشياء التي لم تحدث
كما تمنّينا، ومن الأشياء التي حدثت أكثر ممّا نحتمل. وفي حالة إبراهيم فرغلي، لا تأتي
الكتابة كحرفة أو تمرين، بل كنداءٍ داخليّ ينهض من مناطق الظلّ. نداءٌ يشبه ارتجافة
الضوء على حافة ليلٍ كثيف. فالرجل لا يكتب ليصف العالم، بل ليعيد خلقه من جديد؛ ليحفر
في الطبقات الصامتة للذاكرة، وليستخرج من رماد التجارب شرارته الفنيّة.
الكتابة عند
إبراهيم فرغلي ليست مجرّد وسيلة للتعبير، بل طريقة لفهم الزمن، لفهم ما يتسرّب من الروح
في لحظات الانكسار والانخطاف. هو لا يتعامل مع الذاكرة بوصفها صندوقًا مغلقًا، بل ككائنٍ
حيّ يتغيّر ويقاوم وينزف ويضيء. يقول في حديثه: إنّ كل نصّ يبدأ من شرارة مجهولة، من
صورة أو ذكرى أو رغبة معلّقة لا تجد لنفسها مكانًا إلا على الورق. هنا، تتحوّل الذاكرة
إلى حارسة صامتة، إلى بوّابةٍ تُفتح على عوالمه السرديّة الغنية بالتشظّي والأسئلة
والطبقات.
ينطلق فرغلي
من يقين داخليّ بأنّ الكتابة فعل إنقاذ، وأن كل رواية أو قصة هي محاولة لاستعادة شيء
ما فقده في الطريق: لحظة، شخص، إحساس، أو حتى نسخة قديمة من نفسه. فالحياة لا تمنحنا
دائمًا فرصة الفهم، بينما تمنحنا الكتابة ما يُشبه العزاء، ما يُشبه التفسير، أو على
الأقل ما يجعل صخب الداخل قابلًا للعيش. لذلك تبدو نصوصه كحرّاسٍ للهواء، كمحاولات
مستمرة لبناء لغةٍ تحفظ ما يتبدّد.
وفي هذا السياق،
يرفض فرغلي الكتابة السهلة، المباشرة، أو المطمئنة. هو كاتب يُنصت للحوافّ؛ للهوامش،
وللشقوق الدقيقة التي تعبرها الحياة دون ضجيج. شخصياته غالبًا ما تكون مكسورة أو قلقة
أو مطاردة بشيء لا تعرف اسمه. لكنها في تلك الهشاشة تمتلك قدرة سريّة على اكتشاف الضوء.
ذلك الضوء الضئيل الذي يجعل الوجود محتملًا، ويجعل الحكاية ممكنة.
وحين يتحدّث
عن مصادره الإبداعية، لا يتحدّث عن الكتب وحدها، بل عن العتمة التي يقطعها الإنسان
وهو يحاول النجاة من نفسه. يكتب لأنّ في داخله مناطق لا يقدر على شرحها إلا عبر اللغة.
يكتب لأنّ الواقع في كثير من الأحيان يصبح أثقل من أن يُحتمل، ولأنّ الخيال يمنحه مساحة
لتجريب عالمٍ آخر، عالمٍ أكثر خفّة وأكثر صدقًا. لذلك تسكن أعماله تلك الثنائية بين
ما هو واقعي وما هو حلمي، بين الحكاية وبين ما يتخلّلها من إشارات خفية وطبقات رمزية
تمتدّ عميقًا في الوجدان.
يرى فرغلي
أنّ كل كتابة جادّة تحمل القليل من الطفولة؛ تلك البراءة الأولى التي تجعل الأشياء
أكثر توهّجًا، وأكثر عرضة للانكسار. ولذلك يحرص دائمًا على استعادة ذلك الإحساس الطفولي
بالدهشة. الدهشة من اللغة، من الوجوه، من العالم. كأنّه ـ وهو يكتب ـ يمشي فوق خيط
رفيع بين النور والظلام. وكل خطوة تُضيف معنى جديدًا، أو تُضيء ظلمة كانت مختبئة في
زاوية من زوايا الروح.
وفي حواراته،
تبدو نصوصه وكأنها تصدر من كاتب يعيش داخل الكتابة كما لو كانت بيته الأول. يتعامل
مع شخصياته بفضولٍ حميم، يتابعها وهي تتشكّل، ينصت لهمسها، ويتركها أحيانًا تقوده بدل
أن يقودها. يختبر اللغة كما يختبر المرء الماء لأول مرة، يبحث في جريانها عن حقيقة
داخلية لا تُرى بالعين، بل تُحسّ بالقلب.
ولا يتردّد
في الاعتراف بأنّ بعض نصوصه جاءت من لحظات خوف، أو من لحظات فقدٍ كبير، أو من هواجس
ظلّت تطارده لسنوات. لكنه يرى أنّ الخوف في الكتابة ليس ضعفًا، بل طاقة تحثّه على الذهاب
أبعد، على التقاط ما فاته، على مواجهة ما يهرب منه. لذلك تشبه أعماله مرآة مصقولة بأصابع
مرتعشة: صادقة، ناقصة، لكنها مفعمة بالحياة.
على مستوى
الشكل، يميل فرغلي إلى بناء نصّ مشغول بالتفاصيل الدقيقة، بالطبقات الزمنية المتداخلة،
وبالأصوات المتعدّدة التي تتجاور دون أن تتصادم. يكتب كما لو أنّه يعيد تركيب ذاكرة
جماعية، يلتقط ما تفرّق، ويمنح كل جزء مكانه في الحكاية. وفي الخلفية دائمًا سؤال:
ماذا يبقى من الإنسان حين ينساه العالم؟ ماذا يبقى من الروح حين تتآكلها الأيام؟
وفي قلب كل
هذا، تبقى اللغة هي هاجسه الأكبر. لغة لا تكتفي بأن تحكي، بل تصنع موسيقاها الخاصة،
موسيقى فيها حنين، وفيها غضب، وفيها حزن يشبه المطر في ليالٍ باردة. لغة تحفظ ما يتساقط
منا، وتعيد تشكيله بطريقة أكثر جمالًا وأكثر صدقًا.
هكذا تصبح
الكتابة عنده شكلًا من أشكال الوفاء: وفاء للذاكرة، للحكاية، للوجوه التي عبرت ثم غابت،
وللنور الذي يظهر ثم يختفي. فالذاكرة ـ في عالم إبراهيم فرغلي ـ ليست مجرد مخزنٍ للماضي،
بل كائنٌ حيّ يحرس الروح من التلاشي.
يخرج القارئ
من عوالم إبراهيم فرغلي بإحساس غريب: إحساس أنّه حمل قطعة من روحه، وأن تلك القطعة
ستظل تلمع في داخله كجمرة صغيرة لا تنطفئ. فهو كاتب يخلط بين الظلال والضوء، بين الواقع
والحلم، بين ما نعرفه وما نخاف أن نعرفه. وبذلك، تتحوّل كتابته إلى حارسة للذاكرة،
وإلى مرآة يرى فيها القارئ جزءًا من قلقه، من وحدته، ومن بحثه الدائم عن معنى الحياة.
في نصوصه، لا يصبح الحكي هدفًا، بل عبورًا نحو منطقة أكثر عمقًا، منطقة لا يقدر على
الوصول إليها إلا كاتب يعرف كيف يفتح أبواب الذاكرة بتروٍّ، وكيف يترك للقارئ فرصة
أن يرى نفسه في الكلمات.
أدعوكم لقراءة
أعمال إبراهيم فرغلي لأنّه من الكتّاب القلائل القادرين على تحويل الذاكرة إلى فنّ، والوجع إلى
معنى، والعتمة إلى نصّ مضيء. كتابته لا تقدّم حكايات فحسب، بل تمنح القارئ فرصة
نادرة لملامسة قلقه الداخلي ورؤية نفسه في مرآة أكثر صدقًا وعمقًا. في نصوصه
يتجاور الخيال مع الواقع، ويتحوّل الألم إلى جمال، وتصبح اللغة كائنًا ينبض
بالحياة. لهذا نرشّحه ليس ككاتب يُقرأ، بل ككاتب يُرافق القارئ ويغيّر شيئًا في
داخله إلى الأبد.
A lyrical portrait of
Ibrahim Farghali’s writing journey, where memory becomes a guardian of light
and storytelling a form of salvation. The essay explores how his creativity
emerges from silence, fear, longing, and the persistent search for meaning.
.
#إبراهيم_فرغلي
#الكتابة #الأدب_العربي #سرد #رواية #ذاكرة #إبداع #حوار_أدبي #نصوص_عربية #مدونة_أدبية

تعليقات
إرسال تعليق