المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر 19, 2025

محمد خضير: سرد الذاكرة والمدينة والغياب

صورة
    في كل قراءة لمحمد خضير، يشعر القارئ كأنه يدخل مدينة من الحبر، يطلّ عليها الضوء من نوافذ الغياب. إنّ قصصه لا تُروى بقدر ما تُرى، ولا تُحكى بقدر ما تُستعاد. إنه واحد من أولئك الكتّاب الذين جعلوا من القصة القصيرة فنًّا للتأمل الوجودي والجمالي معًا، لا مجرد حكاية أو موقف. في تجربته يتقاطع الحلم مع الوثيقة، الواقع مع الأسطورة، والمكان مع الذاكرة، لتولد كتابة ذات نَفَسٍ فلسفي عميق وجمال لغوي نادر.   1. البدايات: من القصة إلى الرؤية وُلِد محمد خضير في البصرة عام 1942، في مدينةٍ لا تشبه سواها: مدينة الماء والميناء، والضوء الرمادي الذي يتسلل من بين غيوم الخليج، حاملاً معه صدى السفن والغربة. هناك، في تلك التخوم بين اليابسة والماء، تفتحت رؤيته السردية. بدأ نشر قصصه في ستينيات القرن العشرين، في زمن كانت فيه القصة العربية تبحث عن صوت جديد، مختلف عن الواقعية التقليدية.   في مجموعاته الأولى، وعلى رأسها “ المملكة السوداء ” (1972)، تتبدّى ملامح مشروعه الفني بوضوح: عالم داخلي مشحون بالتوتر، وأسلوب لغوي كثيف يكاد يلامس الشعر، وبناء سردي لا يخضع لخطية الزمن بل يلتفّ حول...

سينما من عوالم مختلفة / 3.............. غلاوبر روشا وباري باركلي وفروغ فرخزاد

صورة
  غلاوبر روشا: إله أسود، شيطان أبيض ونار الثورة هناك أفلام تُسلّي، وأخرى تُعزّي، وأخرى تُقلق. ثم هناك أفلام مثل "إله الأسود، شيطان أبيض" (1964) لغلاوبر روشا، التي تشتعل بشراسة لدرجة أنها تبدو أقرب إلى بيانٍ منه إلى ترفيه. كان روشا، زعيم حركة سينما نوفو البرازيلية، يؤمن بأن السينما يجب أن تُوقظ الناس - تُصدمهم وتُجبرهم على رؤية هياكل القمع التي تحكم حياتهم. وصفها بأنها "جمالية الجوع": أفلامٌ قاسية، شرسة، وملحة كالجوع الذي طارد فقراء البرازيل. تبدأ القصة مع مانويل، راعي بقر فقير في سيرتاو ،شمال شرق البرازيل القاحل. بعد أن استغله مالك أرضه ودفعه إلى أحضان اليأس، غلبه الغضب فقد مالك الأرض وهرب مع زوجته روزا. تأخذهم رحلتهم عبر عالمين: أولاً إلى طائفة دينية مسيحية يقودها النبي سيباستياو - "الإله الأسود" - ثم إلى المرتزق القاسي كوريسكو، "الشيطان الأبيض"، قاطع طريق كانغاسيرو. مانويل، الممزق بين الإيمان والعنف، يصبح بيدقًا في قوى أكبر منه. صُوِّر الفيلم بالأبيض والأسود الصارخين، ومناظره الطبيعية قاسية، مجردة من كل شيء: أرض متشققة، وسماء ساطعة، وآفاق...

سينما من عوالم مختلفة /2......كينجي ميزوغوتشي وريتويك غاتاك

صورة
  كينجي ميزوغوتشي: أوغيتسو وجمال الزوال للسينما أساليب عديدة في سرد ​​ القصص، لكن قلّة من المخرجين حققوا ما حققه كينجي ميزوغوتشي في فيلم "أوغيتسو" (١٩٥٣): فيلمٌ ينبض بالحياة كالحلم، يوازن بين الواقع والخارق للطبيعة بدقةٍ هادئةٍ لدرجةٍ تكاد لا تُلاحظ الحدود بينهما. مشاهدة فيلم "أوغيتسو" تعني الدخول في عالمٍ تتشابك فيه الحرب والطموح، والحب والوهم، والضعف البشري والجمال الواهن في خيطٍ واحدٍ متواصل.   تدور أحداث الفيلم في اليابان في القرن السادس عشر خلال فترة الحرب الأهلية، ويتتبع الفيلم عائلة من الريف : جينجورو، صانع خزافٍ مهووس بالربح، وتوبي، صهره، الذي يحلم بأن يصبح ساموراي. زوجتاهما - مياجي وأوهاما - تتوسلان إليهما للتفكير في الأمان، لكن الرجلين، أغواهما الطموح، يجران عائلاتهما إلى الخطر. من هنا ينقسم الفيلم إلى مسارين مؤلمين: أوهاما تُغتصب وتُجبر على ممارسة الدعارة من قبل الجنود، بينما جينجورو، الذي سحرته السيدة واكاسا الرقيقة ، يترك زوجته وطفله ليعيش في قصر وهمي من الرغبة.   لا تكمن عبقرية أوجيتسو في الحبكة وحدها، بل في شعرها البصري. تتنقل كاميرا ميزوغوتشي...

السينما العربية: ذاكرة ونضال ورؤية

صورة
    للمراقب الأجنبي، تبدو السينما العربية مألوفة وغامضة في الوقت ذاته ، كمرآةٍ تتلألأ في صحراء الزمن، تنبعث من أراضٍ من رمال وبحر، من إمبراطوريات قديمة وثورات لم تكتمل، ومن مدنٍ تعانق الحداثة وتحتضن الماضي. إنها سينما تكون شاهداً   قبل أن تسلّي، تتذكر قبل أن تبهج، وتواجه هشاشة الوجود بينما تحتفل بصمود الحياة، مسجّلة نبض الشعوب وصمتها، وأحلامها المؤجلة. على عكس اليقين المصطنع لهوليوود أو التقاليد الأكاديمية للسينما الأوروبية، كانت السينما العربية دائمًا سينما الصمود والارتجال، مرآةً لطموحات المجتمعات، وأحزانها، وأسئلتها المتجددة، وكأن كل لقطة هي شهادة على صبر وتحدّي الشعوب. تبدأ الحكاية في العقود الأولى من القرن العشرين، حين بدأت الصور المتحركة تتلألأ في الإسكندرية والقاهرة. مصر، بمسارحها النابضة واستوديوهاتها المتوهجة، أصبحت مهد صناعة السينما العربية، منتجة فنًا نابضًا ومزدهرًا هيمن على المنطقة لعقود. في تلك السنوات التأسيسية، كانت السينما ميلودرامية وموسيقية، تمزج بين بريق النماذج الغربية وإيقاعات الحياة المحلية، بين الخيال والواقع، بين الحلم واليأس. أفلام مثل الور...

سينما من عوالم مختلفة / 1..... يوسف شاهين وعثمان سمبين

صورة
  عندما يتحدث الناس عن "السينما العالمية"، تطفو الأسماء نفسها على السطح مرارًا وتكرارًا: فيليني، بيرغمان، كوروساوا، هيتشكوك، غودار. هؤلاء عمالقة بلا شك وهم أيضًا خيارات مضمونة ومكانهم طبع من نور  في سجلات السينما العالمية. ما يغيب هو الأصوات المهمّشة - أفلام غيّرت الأمم، أفلامٌ خاطبت المنسيين، أفلامٌ شكّلت فن السينما لكنها لم تدخل المخيلة الشعبية . " هذه مقالة تمثل محاولةٌ لتوسيع هذا الإطار. لننظر مجددًا في تاريخ السينما ونسأل: من يستحقّ هذه الهالة من النور أيضًا؟ ما هي الروائع التي أُغفلت، ليس لافتقارها إلى القوة والتأثير، بل لأنها جاءت من داكار بدلًا من باريس، من كلكتا بدلًا من هوليوود، من طهران أو تونغا أو ساو باولو بدلًا من روما أو نيويورك؟ هذه القصص   ليست عن التجديد بحدّ ذاته، بل عن إعادة الاكتشاف. إن مشاهدة فيلم "فتاة سوداء" لعثمان سمبين هو بمثابة شهادة على ولادة السينما الأفريقية، السينما كعملية إنهاء استعمار. إن مشاهدة فيلم "باب الحديد   " ليوسف شاهين هو بمثابة جس لنبض القاهرة عام 1958، عنيفة وحية. وعندما نعرج على فيلم "أوجيتسو"...

كيف نُعرّف الحرية: نيا داكوستا تتحدث عن فيلمها “هيدّا”

صورة
      يصعب تصنيف المخرجة نيا داكوستا ضمن قالب واحد. فهي مخرجة سمراء استطاعت أن تفرض حضورها في ع والم   الإخراج الضخمة، ومع ذلك تنقّلَت بين الأنواع والأساليب السينمائية دون أن تستقر في مجال محدد. في بداياتها قدّمت فيلمها الأول “ليتل وودز”، Little Woods   وهو دراما غربية حميمة من بطولة تيسا تومبسون وليلي جيمس، حملت فيه قصة عن الكفاح الاقتصادي روحًا من الأخوّة والتضامن بين النساء. بعد نجاحه، اتجهت داكوستا إلى تجربة مختلفة كليًا بإخراج فيلم الرعب “كانديمان”، Candyman   من إنتاج جوردن بيل، ثم قفزت إلى عالم الأبطال الخارقين في “ذا مارفلز”. The Marvels   أما العام المقبل فستعود إلى أجواء الرعب من خلال فيلم “28 عامًا لاحقًا: معبد العظام”، Years Later: The Bone Temple    28   في حين يقدّم عملها الجديد “هيدّا” “Hedda” عودة إلى السخرية الاجتماعية الممزوجة بالدراما، في رؤية أنيقة وجريئة.   الفيلم من إنتاج أمازون إم جي إم ستوديوز، ويُعدّ اقتباسًا حرًّا لمسرحية هنريك إبسن الشهيرة هيدّا جابلر (1891). ومع هذا العمل، تعود داكوستا إلى سرده...