كيف نُعرّف الحرية: نيا داكوستا تتحدث عن فيلمها “هيدّا”
يصعب تصنيف المخرجة نيا داكوستا ضمن قالب واحد. فهي مخرجة سمراء
استطاعت أن تفرض حضورها في عوالم الإخراج الضخمة، ومع ذلك تنقّلَت بين
الأنواع والأساليب السينمائية دون أن تستقر في مجال محدد. في بداياتها قدّمت فيلمها
الأول “ليتل وودز”، Little Woods وهو دراما غربية حميمة من بطولة تيسا
تومبسون وليلي جيمس، حملت فيه قصة عن الكفاح الاقتصادي روحًا من الأخوّة والتضامن بين
النساء. بعد نجاحه، اتجهت داكوستا إلى تجربة مختلفة كليًا بإخراج فيلم الرعب “كانديمان”،Candyman
من إنتاج
جوردن بيل، ثم قفزت إلى عالم الأبطال الخارقين في “ذا مارفلز”. The Marvels أما العام المقبل فستعود إلى أجواء الرعب من خلال فيلم “28 عامًا لاحقًا:
معبد العظام”، Years Later: The Bone
Temple 28 في حين
يقدّم عملها الجديد “هيدّا” “Hedda” عودة إلى
السخرية الاجتماعية الممزوجة بالدراما، في رؤية أنيقة وجريئة.
الفيلم من
إنتاج أمازون إم جي إم ستوديوز، ويُعدّ اقتباسًا حرًّا لمسرحية هنريك إبسن الشهيرة
هيدّا جابلر (1891). ومع هذا العمل، تعود داكوستا إلى سردها القائم على الشخصيات الذي
لمّحت إليه في فيلمها الأول. تؤدي تيسا تومبسون دور البطلة “هيدّا”، امرأة من الطبقة
الراقية تُختبر دهاؤها خلال ليلة واحدة حين تظهر في حفلتها حبيبتها السابقة إيلين لوفبورغ
(تؤديها نينا هوس)، وهي أكاديمية تنافس زوج هيدّا الكسول جورج تيسمان (توم بيتمان)
على وظيفة تدريس مرموقة. تصطدم المرأتان وسط عالم أنيق من حفلات وكتب ولوحات، تتألق
فيه الأزياء والفن والديكور بقدر ما تتفكك تحته العلاقات والسلطة والرغبة.
تقدّم داكوستا
وتومبسون معًا صورة معقدة لامرأة سوداء يُساء دومًا تحديد موقعها ومكانتها، إلى حد
أن غموضها يصبح هوية لها . من هذا الغموض ينبثق التساؤل عن طموحاتها الفكرية والمالية
ورغباتها الجسدية، في فيلم بصري محكوم بدقة لكنه مفعم بالشهوة والأنانية، يلامس قضايا
العنصرية ورهاب المثلية والتمييز الجنسي دون أن يثقل نفسه بالشعارات. وبفضل أداء تومبسون
الآسر، يبدو “هيدّا” فيلمًا يصنعه مخرجة خاضت معاركها وخرجت منها أكثر نضجًا وثقة.
تقول داكوستا
إن انتقالها بين الأفلام المستقلة والضخمة منحها مرونة ثمينة، إذ تعلّمت كيف تدير طواقم
عمل ضخمة ومعقدة، لكنها في المقابل احتفظت بالقدرة على إبقاء العاطفة والتفاصيل الإنسانية
في صميم السرد. خبرتها في أفلام “مارفل” جعلتها أكثر انضباطًا ودقة، لكنها تعود في
“هيدّا” إلى الحميمة والتأمل، إلى فيلم يمكن “إمساكه باليد”، كما تصفه، بعدما اعتادت
على اخراج افلام تستمر شهورًا وتضم مئات العاملين.
تعتمد داكوستا
في عملها على البروفات المكثفة، وتحرص على إشراك الممثلين في عملية الخلق الفني منذ
البداية. فهي تؤمن بأن الممثلين يحتاجون إلى الشعور بالانتماء للمشروع لا أن يُترَكوا
على الهامش حتى العرض الأول. ولهذا تُبنى الحركة داخل المشهد بدقة في فترة التحضير،
في تفاعل بين النص والرؤية البصرية التي ترسمها مع مدير التصوير شون بوبّيت ومصممة
الأزياء ليندسي بو، اللذين عملا معها سابقًا في “ذا مارفلز” وانضما مجددًا إلى هذا
المشروع رغم انخفاض ميزانيته.
في “هيدّا”،
لم يكن هدف داكوستا إعادة إخراج إبسن حرفيًا، بل تحرير الشخصية من الإجابات الجاهزة.
فكل ممثلة أدّت الدور قبلاً رأت هيدّا بشكل مختلف، بين من وجدتها طيبة ومن رآها قاسية،
وهذا التناقض هو ما أغراها بأن تبقي الشخصية مفتوحة على التأويل. تقول داكوستا إن
“هيدّا” تمثل نوع الحرية الذي تبحث عنه النساء السوداوات في الشاشة: حرية أن يكنّ غير
مثاليات، غير محبوبات، بل بشرًا معقّدين. فالثقافة، كما ترى، تفرض على السود أن يكونوا
دائمًا في صورة “النموذج الأفضل” اتقاءً للأحكام الجاهزة، لكنها تسعى إلى كسر هذا القيد،
لأن الحرية الحقيقية هي في السماح لأنفسنا بأن نكون مزيجًا من الخطأ والجمال والضعف.
إذا كان
“ليتل وودز” فيلمًا عن الأخوة والتضامن، فإن “هيدّا” هو النقيض: عالم من التنافس والعزلة.
ومع ذلك، يبقى الهمّ واحدًا — كيف تعيش امرأة سوداء وسط فضاء أبيض يحدد لها من تكون.
في هذا السياق، تبدو الطبقة الاجتماعية مسألة لا تقل مركزية عن الهوية العرقية. فهيدّا،
ابنة جنرال أبيض وأم سوداء لا تُذكر، تتأرجح بين شعورها بالأحقية في الامتيازات وبين
ضيقها من الطبقة الوسطى. وهكذا تكشف داكوستا عن التداخل العميق بين العرق والطبقة في
المجتمع الإنجليزي، الذي يدّعي تجاوز مسألة العرق لكنه لا يفلت من سلطته الرمزية.
اختيار داكوستا
لتحديد زمن الأحداث في الخمسينيات البريطانية يضيف بعدًا آخر. فذلك العصر، الذي تلا
الحرب العالمية الثانية، كان يبحث عن “العودة إلى الحياة الطبيعية” بعد جروح الحرب،
لكنه بقي غارقًا في الكبت الاجتماعي. النساء اللواتي شاركن في العمل خلال الحرب أُمرن
بالعودة إلى البيت، والرجال المصابون بصدمات الحرب أعيدوا إلى أدوارهم القديمة. في
هذا التناقض بين التحرر والانكماش، وجدت داكوستا البيئة المثالية لتعيد قراءة إبسن:
زمنٌ يريد أن يتقدّم لكنه يخاف الحرية.
أما بصريًا،
فقد حرصت المخرجة على أن يعكس منزل هيدّا ذوقها الفني الحديث، فاستلهمت أعمال السرياليين
والتكعيبيين، وامتلأت الجدران بلوحات تعبّر عن ذهان الشخصية وانقسامها الداخلي. إحدى
اللوحات، وهي بورتريه تكعيبي لهيدّا رسمته الفنانة توماسينا سميث، علقت لاحقًا في غرفة طعام داكوستا الخاصة.
رغم قتامة القصة، يلمع في الفيلم حس كوميدي ساخر يظهر في الأداء
والمونتاج، حتى إن بعض النقاد شبّهوه بمسلسل “ربّات بيوت حقيقيات”. “Real Housewives” لكن داكوستا تضحك من هذا التشبيه، فهي لا تتابع تلك البرامج، وتفضل البرامج
الهادئة مثل “ذا غريت بريتش بيك أوف” “The Great British Bake Off أو “نايلد
إت!” “Nailed
It!” التي تراها
مهدّئة للأعصاب.
واحدة من
أكثر قراراتها الجريئة كانت تغيير جنس شخصية إيلرت لوفبورغ لتصبح امرأة تُدعى إيلين،
ما يفتح علاقة الفيلم على توتر أنثوي مزدوج بين الغيرة والإعجاب، الرغبة والتهديد.
تقول داكوستا إن جعل الشخصية امرأة زاد من وضوح المأساة: امرأة عبقرية لا يسمعها أحد
في مجتمع يرفض استقلالها، وامرأة أخرى (هيدّا) ترى في حريتها تهديدًا مباشرًا لها.
في نهاية
المطاف، “هيدّا” ليس مجرد اقتباس معاصر من إبسن، بل تأمل في الحرية ذاتها: حرية النساء،
حرية السود، وحرية الفن في أن يكون معقّدًا وغير مريح. هو فيلم عن القيود التي نرثها
من التاريخ، والأقنعة التي نرتديها باسم الكمال، صنعته مخرجة تعرف تمامًا ما معنى أن
تعمل داخل منظومة ضخمة، ثم تعود لتسأل نفسها ومعها الجمهور: كيف
نُعرّف الحرية حقًا؟

تعليقات
إرسال تعليق