أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

 

 

 

رواية عمة آل مشرق


تتدهور حالةُ الجازي الصحية في الرياض، فيواجِه والدُها خياريَن:إمّا الشّروع في حفر قبرٍ لها، وإمّا القَبول بعرض الممرّض الأميركي ماثيو إيدن لاصطحابها إلى مستشفى الإرسالية في البحرين.مرغماً، يوافق على ترحيل ابنتِه للعلاج شرطَ أن يتزوّجها ماثيو ويعتنقَ الإسلام مهراً لها.لكن هناك، في المنامة، تنقلب حياة الزّوجين رأساً على عقب.فماذا حدث ولماذا انقطعت أخبارُهما؟لغزٌ حاصرَ عائلة آل مشرق لأكثرَ من مئة عام، إلى أن قرّر الشابّ فوّاز كشفه من خلال فيلم سينمائي



مقدمة: أميمة الخميس – تيار متدفق من الحروف إلى ذاكرة المكان

تمثل أميمة الخميس، واحدة من أبرز الأصوات الأدبية السعودية المعاصرة، تجربة ثقافية متجددة امتدت على مدار أربعة عقود، حيث جمعت بين القصة القصيرة والرواية والمقالة الصحفية، إلى جانب مساهماتها في أدب الطفل والعمل التربوي والثقافي. منذ بداياتها الأولى، وصفت الخميس كتابتها بأنها تيار متدفق التهم وقتها وملأ حياتها منذ لحظات اكتشاف الحروف والمفردات الأولى، وهو تيار مستمر لم يتوقف، يكاد يبتلع كل لحظة من حياتها، ويحول الكتابة إلى شغف وضرورة في آن واحد.

نشأت الخميس في بيت عريق ثقافيًا، حيث كان والدها عبد الله بن خميس رائدًا في الثقافة والصحافة السعودية، ووالدتها سهام السرحي من أوائل من كتبوا وأشرفوا على صفحات المرأة في الصحافة المحلية. هذا الانغماس المبكر في الكتب والصحافة والأمسيات الثقافية شكّل بيئة خصبة لإبداعها، حيث وجدت في المكتبتين المنزليتين – التراثية والعالمية – مساحات واسعة لاستكشاف الأدب والشعر والمجلات العربية والعالمية، من بيروت إلى الرياض. هذا المزيج الفريد من المصادر أثّر بعمق في تشكيل لغتها السردية، التي تمزج بين المفردة التراثية واللغة الحديثة، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

الكتابة بالنسبة لأميمة الخميس لم تكن مجرد هواية، بل سيدة مستبدة تتحكم في حياتها، تتطلب التفرغ والانضباط، وهو ما جعل الدعم العائلي حجر أساس في مسيرتها. الأسرة، من والدين وأزواج وأبناء، فضلاً عن العاملات المنزلية اللاتي أتاحن لها مساحة العمل والإبداع، شكلوا شبكة دعم مكنتها من الالتزام بالمواعيد الصارمة للكتابة، حتى وهي تدير مسؤولياتها كزوجة وأم لعدة أطفال.

تميزت الخميس بقدرتها على استكشاف قضايا الهوية والمرأة من خلال أعمالها الأدبية، مستفيدة من تجارب طفولتها وصباها في مجتمع كان يقيد تحرك الفتاة ويحد من حضورها العام. التجربة التي عاشتها بين مجالس الرجال والقراءة المنفردة، ومغامرات التنكر كفتاة لاختبار حرية التنقل، أعطتها رؤية نقدية عميقة تجاه المجتمع والتحولات التي يشهدها، انعكست لاحقًا في شخصياتها النسائية وعلاقاتها بالمكان في الروايات والقصص.

على مدار مسيرتها، كتبت الخميس أعمالًا متنوعة مثل البحريات، الوارفة، ومسرى الغرانيق في مدن العقيق، وصولًا إلى روايتها الأخيرة عمة آل مشرق، التي اعتبرتها نتاجًا ناضجًا لتجربتها الطويلة في الكتابة واستكشاف التاريخ والذاكرة. في هذه الرواية، تجتمع خبرتها في السرد، وفهمها العميق للهوية الثقافية والاجتماعية، وقدرتها على مزج التاريخ والتخييل لتقديم سردية غنية تعكس تحولات المجتمع السعودي عبر قرن كامل.

تتسم تجربة الخميس بالاستمرارية والاندفاع نحو الكتابة، فهي لا تعيش محطات منفصلة، بل تيارًا متدفقًا يأخذها من الصبا إلى النضج، من الملاحق الثقافية والصحافة إلى الرواية التاريخية، ومن تجارب الطفولة إلى استكشاف الذاكرة الجماعية للمكان. هذا التيار الأدبي يجعل من أميمة الخميس كاتبة تجمع بين الحسية اللغوية، والعمق التاريخي، والوعي الاجتماعي، لتقدم رواية لا تكتفي بالسرد، بل تمنح القارئ فرصة التفاعل مع الماضي والحاضر بطريقة ثرية ومؤثرة.

 

رواية عمة آل مشرق – التاريخ والذاكرة في نسيج سردي متشابك

رواية عمة آل مشرق لأميمة الخميس تمثل تجربة فريدة في الأدب السعودي المعاصر، حيث تتجاوز مجرد استعراض الأحداث التاريخية لتستحضر الذاكرة الجماعية وتستكشف مسارات الهوية عبر قرن كامل (1918–2018). الرواية ليست مجرد حكاية عائلية غامضة، بل مشروع ثقافي وفني يسعى إلى استعادة التاريخ المنسي، وتمكين الشخصيات من سرد تجربتها بصوتها الخاص، بعيدًا عن الرواية الرسمية أو التوثيق التقليدي للتاريخ.

البنية السردية والزمن المتداخل

من أبرز عناصر الرواية هو البناء الزمكاني المركب، حيث تكسر الخميس الخط الزمني التقليدي لتخلق فسيفساء سردية تجمع الماضي بالحاضر. تبدأ الأحداث في عام 2018، حيث يسعى حفيد العائلة، فواز، إلى كشف لغز اختفاء عمته الجازي وزوجها، مستخدمًا عدسة السينما الوثائقية لتتبع خيوط الماضي. ثم تنتقل الرواية بسلاسة إلى الفلاش باك عام 1918، خلال وباء الإنفلونزا الإسبانية، لتسرد قصة ماثيو إيدن، المساعد الطبي الأميركي، وعلاقته بالجازي، ما يخلق حوارًا مستمرًا بين الماضي والحاضر. هذا التناوب الزمني يجعل الماضي مفتاحًا لفهم الحاضر، ويحوّل الرواية إلى رحلة استكشاف للذاكرة والتاريخ الشخصي والجماعي.

المكان والفضاءات المتنقلة

تلعب الفضاءات الجغرافية دورًا محوريًا في الرواية، فالأحداث تمتد بين السعودية وأميركا والبحرين، لتعكس امتداد التأثير الثقافي والاجتماعي على الشخصيات. كل مكان يحمل رموزه الثقافية والاجتماعية الخاصة، من الصحراء التي تمثل الذاكرة والنسيان، إلى المدن التي تعكس الحداثة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

الشخصيات والصراع مع التاريخ

تمثل الشخصيات في الرواية نماذج إنسانية على مفترق طرق بين الماضي والحاضر، الشرق والغرب، الفرد والمجتمع:

  • الجازي: رمز للأنا المحاصرة في مجتمع ما قبل الحداثة، تواجه القيود التقليدية والوباء، ويصبح رحيلها رحلة إجبارية للخلاص الشخصي، كما يعكس صراع الهوية الأنثوية في سياق تحولات اجتماعية كبرى.
  • ماثيو إيدن: الآخر الغربي، الذي يأتي كمنقذ ولكنه يخوض بدوره أزمة هوية، ويتحول من عامل خارجي إلى جزء من النسيج العائلي والاجتماعي، موضحًا نموذجًا للحوار الثقافي والتثاقف بين الشرق والغرب.
  • فواز: الجيل الجديد الذي يرث سرديات غير مكتملة، يسعى ليس فقط للإجابة على الأسئلة، بل لفهم جذوره وبناء هويته، ليصبح الفعل البحثي عن الماضي جزءًا من المشروع الثقافي للفرد.

النسق الثقافي والفني

الرواية تستثمر عناصر متعددة لإعادة إنتاج التاريخ:

1.     تعدد الأصوات السردية: من الجد، مجالس الرجال، النساء، والأجيال الشابة، مما يخلق فسيفساء للحقائق والتجارب، ويؤكد أن الحقيقة ليست كيانًا صلبًا، بل تأويلات متعددة.

2.     الرمزية والتوظيف الاستعاري: الكاميرا السينمائية تمثل السلطة السردية والقدرة على كشف طلاسم الماضي، والوباء يرمز إلى الهشاشة البشرية أمام التاريخ، والصحراء فضاء إنتاج المعاني.

3.     اللغة الاستعارية والشعرية: تحوّل الواقع إلى استعارة ثقافية، مثل تصوير الصحراء بـالهدوء المسرف وضجيج ماكر، ما يثري النص ويمنحه عمقًا جمالياً.

4.     الواقعية السحرية وتداخل الخرافة: مثل تدخل الجن في صياغة نهايات القصة، وخلق نهايات متعددة، ليُطمس الحدود بين الواقع والخيال، ما يعكس دور الذاكرة الشعبية في إعادة إنتاج الأحداث.

التأثير الثقافي والتاريخي

لا تقتصر الرواية على سرد حكاية عائلية، بل تمثل ساحة صراع للهوية والثقافة. فهي تتصدى للسرديات الاستشراقية، وتؤكد حق العرب في رواية تاريخهم بألسنتهم. كما تعكس التحولات الكبرى في المجتمع السعودي: من الممالك البائدة، مرورًا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وصولًا إلى الدولة الحديثة، ما يجعل الرواية جسرًا بين الماضي والحاضر ومستقبل الهوية الثقافية.

 

رواية عمة آل مشرق لأميمة الخميس تمثل امتدادًا رائدًا للأدب السعودي المعاصر الذي يوازن بين التاريخ والخيال، وبين الفرد والمجتمع، وبين الذات والآخر. من خلال هذا العمل، تؤكد الخميس على أن الماضي ليس مجرد خلفية للأحداث، بل قوة حية تتفاعل مع الحاضر وتشكل الوعي والهوية. الرواية تعيد اكتشاف التاريخ السعودي من منظور شخصي وعائلي، مستفيدة من التقنيات السردية الحديثة مثل تعدد الأصوات، التناوب الزمكاني، والاستعارات الرمزية، لتجسيد تعقيد الواقع الاجتماعي والتحولات الكبرى التي شهدتها المملكة على امتداد قرن كامل.

عبر قصة الجازي وماثيو، تنجح الرواية في طرح تساؤلات عن الهوية، الانتماء، والتلاقح الثقافي بين الشرق والغرب، كما أنها تعكس صراع الفرد مع التقاليد والقيود الاجتماعية، مع إبراز قدرة المرأة على الصمود والإبداع وسط هذه التحديات. التدخل الرمزي للخرافة والجن والسينما الوثائقية يزيد النص عمقًا وثراءً، ويحوّل الرواية إلى فسيفساء ثقافية تجمع بين الواقع والخيال، بين التاريخ الرسمي والذاكرة الشعبية، بين الحكاية الشخصية والسردية الكبرى للأمة.

بذلك، تتحول عمة آل مشرق إلى أكثر من مجرد رواية عائلية؛ فهي مشروع ثقافي وفني يسعى إلى إعادة صياغة الذاكرة التاريخية للمكان واستعادة سرديته الخاصة، في مواجهة التمثيلات المستشرقة والخطاب الأحادي. الرواية تمنح القارئ تجربة متكاملة، تجمع بين المتعة الأدبية والمعرفة التاريخية، وتطرح نموذجًا للكتابة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان لتصبح وسيلة لفهم الذات والمجتمع، ولإعادة النظر في الحاضر عبر ضوء الماضي.

في النهاية، تؤكد أميمة الخميس من خلال هذه الرواية أن الأدب ليس فقط مرآة الواقع، بل هو أيضًا أداة لإعادة بناء التاريخ والهوية، وأن القوة الحقيقية للرواية تكمن في قدرتها على الجمع بين الجمال الفني والتأمل الثقافي العميق، لتصبح بذلك عمة آل مشرق مرجعًا للوعي التاريخي والأدبي في الأدب السعودي المعاصر.

 

 

#أميمة_الخميس #عمة_آل_مشرق #الأدب_السعودي #رواية_تاريخية #الهوية_العربية #الذاكرة_التاريخية #روايات_معاصرة #الثقافة_السعودية #أدب_المرأة #الخيال_والتاريخ

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير