سيف الرحبي : شاعر الرحلة التي لا تنتهي، والنص الذي لا يقبل الإغلاق
سيف الرحبي: شاعر الرحلة المفتوحة واللغة المتقدة
سيف الرحبي، الشاعر
العُماني المتميز، يجعل من الرحلة حالة وجودية ومن النص فضاءً مفتوحًا للتجريب
والتأمل. من الجبل الأخضر إلى أوروبا، حمل الرحبي همومه الوطنية والعربية
والإنسانية، وجعل الكتابة بوصفها مقاومة للسطحية، والشعر بوصفه شهادة على الخراب
والإنسانية. هذا المقال يستعرض تجربته الشعرية، وارتباطه بالمكان والتاريخ، وتجاوز
الأجناس الأدبية، ودوره في إعادة تصحيح التاريخ من خلال النص المفتوح وقصيدة النثر.
#SeifAlRahbi #ArabicPoetry #ProsePoetry
#TravelLiterature #OpenText #ContemporaryPoetry #OmaniLiterature
#ArabCreativity
الشاعر بوصفه كائنًا في
ارتحال دائم
ليس سيف الرحبي شاعر
مكانٍ بقدر ما هو شاعر عبور. فمنذ بداياته المبكرة، بدا وكأن الخطوة لديه ليست
حركة جسد، بل انفتاح سؤال، وكأن الرحلة لا تقوده إلى الأمكنة بقدر ما تستدعي فيه
طبقاتٍ من الذاكرة والتاريخ والقلق والوجود. إننا أمام شاعر يحوّل المشي إلى تفكير
والتنقّل إلى مكابدة والكتابة إلى أثرٍ جسديّ يكاد ينزف حين " يستلّ
العبارة من الأحشاء كما يُستلّ النصل الحاد من اللحم الحي".
في تجربة الرحبي، لا يمكن
الفصل بين الكتابة والحياة؛ فكل نصّ هو سيرة مؤجلة، وكل سيرة هي محاولة للإمساك
بما يتفلّت: الإنسان والزمن والمصير. الرحلة هنا ليست وصفًا جغرافيًا ولا تسجيلًا
للمشاهد، بل فعل وعي وانخراط في العالم بوصفه فوضى كبرى، يتعيّن على الشاعر أن
يعيد ترتيب شظاياها داخل النص. لذلك تتقدّم الكتابة لديه بوصفها مغامرة مفتوحة، لا
تطمئن إلى شكل، ولا تستقر في جنس أدبي واحد.
ما يحمله سيف الرحبي في حقيبة
سفره ليس الخرائط ولا الأدلة السياحية، بل قلقه الأبدي وذاكرته المشحونة وأشباحه
التي لا تكف عن التقدّم إلى الغرفة. إننا أمام شاعر يعيش العالم بوصفه امتحانًا
متواصلًا للغة وامتحانًا أشد قسوة للروح. فالأمكنة التي يعبرها لا تُختزل في
جغرافيتها، بل تتحوّل إلى مرايا تعكس هشاشة الإنسان، وعنف التاريخ، وارتباك المعنى.
من هنا، تبدو كتابة الرحبي
فعل مقاومة ضد الاستقرار الزائف وضد الاطمئنان السهل. إنها كتابة تُبقي الجرح
مفتوحًا، وتصرّ على النظر إلى العالم من زاوية الشاهد، لا السائح، ومن موقع
الإنسان المتورّط في مصير جمعي، لا الفرد المنعزل في متعة الاكتشاف. في هذا
المعنى، يغدو سيف الرحبي شاعر الرحلة التي لا تنتهي، والنص الذي لا يقبل الإغلاق.
سيرة التكوّن – من الجبل
الأخضر إلى العالم
تتشكّل تجربة سيف الرحبي
الشعرية من تماسّ مبكر بين الجغرافيا والوعي، بين المكان بوصفه أصلًا، والارتحال
بوصفه قدرًا. فمن عُمان، وتحديدًا من فضاء الجبل الأخضر بما يحمله من صرامة
الطبيعة وعمق العزلة، بدأت تتكوّن لدى الشاعر حساسية خاصة تجاه المكان، لا باعتباره
إطارًا ساكنًا، بل بوصفه كائنًا حيًا، نابضًا بالتاريخ والأسطورة والذاكرة
الجمعية. هناك، في تلك التضاريس الصامتة، تعلّم الرحبي الإنصات لما هو خفيّ
ومساءلة ما يبدو بديهيًا.
غير أن هذه الجذور الأولى لم
تتحوّل إلى إقامة مطمئنة، بل إلى نقطة انطلاق. فسرعان ما خرج الشاعر إلى العواصم
العربية، ثم إلى مدن أوروبا الشرقية والغربية، حاملاً معه خرائطه الداخلية،
وأسئلته التي لم تجد بعد لغتها النهائية. أن القاهرة وبلاد الشام ومدن العالم، لم
تكن محطات إقامة بقدر ما كانت فضاءات اختبار: اختبار للذات في مواجهة الآخر
وللهوية في تماسّها مع التعدد والاختلاف.
في هذا الترحال، أخذت السيرة
الشخصية تتحوّل تدريجيًا إلى مادة شعرية، لا تُروى بصيغة الاعتراف المباشر، بل
تتسرّب إلى النص عبر الصور والظلال والارتجافات. لم يكتب الرحبي سيرته بوصفها
حكاية نجاح أو اكتمال، بل بوصفها مسار تشكّل هشّ يتخلله الشك والانكسار، والتورط
في أسئلة لا نهائية. هكذا تماهت الحياة بالكتابة، وصارت القصيدة امتدادًا للتجربة
المعيشة، لا انعكاسًا لها.
إن سيرة التكوّن لدى سيف
الرحبي ليست خطًا زمنيًا مستقيمًا، بل حركة دائرية تعود باستمرار إلى الأصل، لا
لتستقر فيه، بل لتعيد مساءلته. فالانتماء عنده ليس يقينًا مغلقًا، بل علاقة قلق مع
المكان الأول، ومع العالم الأوسع الذي فُتح على مصراعيه أمام شاعر اختار أن يعيش
في العبور، وأن يصوغ هويته من تعدد الأمكنة لا من حدودها.
الرحلة في كتابات الرحبي – من
المكان إلى الوجود
لا تحتلّ الرحلة في كتابات سيف الرحبي موقع الموضوع العارض أو الإطار
السردي، بل تشكّل جوهر الرؤية التي ينظر بها إلى العالم. فهو لا يكتب الرحلة
بوصفها انتقالًا في الجغرافيا، ولا يسعى إلى توصيف الأمكنة أو تسجيل غرائبها، بقدر
ما يتخذها ذريعةً لقول الوجود نفسه، بكل ما ينطوي عليه من قلق وانكسار وتوقٍ دائم
إلى المعنى. المكان عنده ليس وجهة، بل سؤال مفتوح، وممرًّا إلى التأمل في مصير
الإنسان.
من هنا يرفض الرحبي التصوّر
التقليدي لأدب الرحلات، سواء في شكله "المسالكي" القديم أو في صِيَغه
الحديثة. فالكتابة الوصفية، في نظره، فقدت الكثير من قيمتها في زمن هيمنة الصورة
والتكنولوجيا، حيث يمكن اختزال العالم بكبسة زر. لكن ما لا تستطيع التكنولوجيا
التقاطه هو ظلال المكان وأثره النفسي وارتجافاته العميقة في الروح. وهذا بالضبط ما
تسعى كتابات الرحبي إلى الإمساك به: ما يتخفّى خلف المرئي، وما يربك البصر
والبصيرة معًا.
في نصوص الرحلات "
الرحبية" يتحوّل المكان إلى مرآة تعكس تاريخ البشر وجراحهم، وتستدعي طبقات من
الذاكرة الفردية والجمعية. أن الرحلة إلى سراييفو، على سبيل المثال، ليست استعادة
لمدينة بقدر ما هي مواجهة مع ذاكرة الحرب والخراب، فيما تتخذ الرحلة العُمانية
طابعًا مختلفًا، مشبعًا بغموض الصحراء ونداء الجذور الأولى. ومع ذلك، تبقى الرؤية
واحدة: العالم يُقرأ من زاوية الإنسان المتألم، لا من موقع المتفرّج المحايد.
هكذا، تنتظم فوضى الرحلة داخل
النص، لا لتلغي تناقضاتها، بل لتعيد تركيبها في نسيج لغوي ونفسي متناغم. فالكتابة
لدى سيف الرحبي ليست توثيقًا لما حدث، بل محاولة لصنع عالمٍ مصغّر، قادر على
احتواء شظايا الواقع، وتحويل الترحال من حركة عابرة إلى تجربة وجودية كثيفة، تنفتح
على ما هو أبعد من المكان، نحو سؤال الإنسان ومصيره في هذا العالم المضطرب.
النص المفتوح وتجاوز الأجناس
الأدبية
يُعدّ تجاوز الأجناس الأدبية
أحد المرتكزات الجوهرية في تجربة سيف الرحبي، لا بوصفه خيارًا شكليًا أو نزوة
تجريبية، بل باعتباره استجابة عميقة لحاجة داخلية، ولإيقاع نفسي وحياتي لا يطمئن
إلى الحدود الصارمة. فمنذ بداياته الأولى، شعر الشاعر بضيق خانق إزاء التصنيفات
الجاهزة، سواء كانت شعرًا أو نثرًا أو سيرة أو أدب رحلات، إذ رأى فيها أشكالًا لا
تستطيع احتواء تعقيد التجربة الإنسانية وتناقضاتها.
في هذا السياق، يتقدّم ما
يُسمّى بـ"النص المفتوح" في كتابة الرحبي بوصفه أفقًا تعبيريًا يتسع
لتداخل الأنواع وتجاورها. فالنص لديه قد يبدأ كنص "يومي"، ثم ينقلب
إلى تأمل فلسفي، أو ينفجر في لحظة شعرية كثيفة، قبل أن يعود إلى مشهد بصري أو
استعادة "ذاكرية". هذا التداخل لا يحدث اعتباطًا، بل ينبع من رؤية تعتبر
أن الواقع نفسه غير قابل للتصنيف، وأن الكتابة، لكي تكون صادقة، ينبغي أن تعكس هذه
السيولة واللايقين.
تتجلّى هذه المقاربة بوضوح في
كتبه الأخيرة، مثل في النور المنبعث من نبوءة الغراب، ورحلة إلى جبال
سراييفو، وعاصفة على جناح متعب. فهي
كتب تستعصي على الإدراج في خانة واحدة، وتتمرّد على القوالب النقدية التقليدية،
لأن همّها الأساسي ليس الانتماء إلى جنس أدبي بعينه، بل البحث عن العبارة القادرة
على تحرير الجسد والذاكرة من أعباء التاريخ.
إن النص المفتوح عند سيف
الرحبي ليس وعدًا بالحرية الشكلية فقط، بل هو تمرين شاق على الإنصات لتعدّد
الأصوات داخل الذات، وعلى تقبّل الفشل والاخفاق بوصفهما جزءًا من المغامرة
الإبداعية. فالكتابة، في جوهرها، ليست بلوغًا لنقطة يقين، بل مسارًا متوترًا بين
الضوء والعتمة، وبين الرغبة في التعبير واستحالة القبض النهائي على المعنى. من
هنا، يغدو تجاوز الأجناس لدى الرحبي فعلًا جماليًا وأخلاقيًا في آنٍ معًا.
خامسًا: الهمّ العُماني
والعربي والإنساني
لا تنفصل كتابة سيف الرحبي،
مهما ابتعدت جغرافيًا، عن مركزٍ داخليّ مشدود إلى الهمّ العُماني والعربي
والإنساني. فالشاعر، منذ طفولته ومطلع وعيه الأول في عُمان، حمل معه هذا الهمّ
بوصفه جزءًا من تكوينه الوجداني، لا شعارًا أيديولوجيًا ولا موقفًا خطابيًا
جاهزًا. لقد رافقته أسئلة الوطن والانتماء، كما ترافق الأم رضيعها، وتغلغلت في
نصوصه حتى حين كان يكتب عن أمكنة بعيدة في أوروبا أو أقاصي العالم.
في تجربة الرحبي، لا يظهر
الهمّ الوطني والعربي بوصفه موضوعًا مباشرًا أو خطابًا سياسيًا صريحًا، بل يتسرّب
إلى النص عبر الإحساس بالفقد والتمزّق والانهيار وعبر استدعاء المآسي التي تعيشها
المنطقة العربية، خاصة المشرق، بوصفها جزءًا من جرح إنساني أشمل. فالكتابة هنا
ليست تسجيلًا للأحداث، بل محاولة لفهم أثرها العميق في الروح البشرية، وكيف يتحوّل
التاريخ العنيف إلى عبء داخلي يقيم في اللغة والذاكرة.
ينتمي سيف الرحبي إلى جيل
عربي تشكّل وعيه في ظل أحلام كبرى بالتجاوز والتغيير، قبل أن تُثخن تلك الأحلام
بالجراح والانكسارات. ومع ذلك، لم ينكفئ الشاعر إلى اليأس أو العدمية، بل ظلّ
متمسكًا بنور داخلي هشّ، لكنه عنيد، يرى في الكتابة فعل أمل لا شفاء منه. هذا الأمل
لا يقوم على أوهام الخلاص السريع، بل على الإصرار على الشهادة، وعلى الحفاظ على
الحساسية الأخلاقية في زمن التوحّش.
إن الهمّ الإنساني في كتابة
الرحبي يتجاوز الحدود والهويات الضيقة، ليضع الإنسان، أيّ إنسان، في قلب السؤال.
فالمعاناة مشتركة، والكوابيس متشابهة، وكأن البشرية كلها تتقاسم مصيرًا واحدًا على
كوكب هرم. ومع ذلك، تبقى للجرح العربي خصوصيته، لا باعتباره استثناءً، بل بوصفه
مرآة مكبّرة لانكسار العالم بأسره.
سادسًا: قصيدة النثر ومواجهة
التفاهة المعاصرة
ينظر سيف الرحبي إلى قصيدة
النثر لا بوصفها صيغة سهلة أو ملاذًا للكسل الجمالي، بل باعتبارها أحد أكثر
الأشكال الأدبية هشاشة وخطورة في آنٍ معًا. فهي، في تصوراته، أفق مفتوح للتجريب،
لكنها في الوقت نفسه مهددة بالاستسهال والتكرار والابتذال، خاصة في زمنٍ طغت فيه
الشعبوية، وتراجعت فيه القيم الجمالية العميقة لصالح الاستهلاك السريع. من هنا،
تأتي كتابته بوصفها محاولة جادّة لإنقاذ هذا الشكل من نمطيته، وتوسيع طاقاته
التعبيرية الكامنة.
لا يتعامل الرحبي مع قصيدة
النثر باعتبارها مشروعًا جماهيريًا، ولا يسعى إلى إرضاء الذائقة السائدة أو
الميديا الصاخبة. على العكس، يرى أن الشعر، بطبيعته، فعل نخبة حسّاسة، يتوجّه إلى
قارئ مستعدّ للمغامرة، ولتحمّل كثافة الأسئلة والتأمل. فالجماهيرية، في نظره، غالبًا
ما تكون على حساب العمق، وأن ما يُروَّج له تحت لافتة الشعر ليس سوى خطاب منبري أو
لغو لغوي يخلو من الرؤية.
في مواجهة هذا الانحدار،
تستعيد قصيدة النثر لدى سيف الرحبي دورها بوصفها شهادة جمالية وأخلاقية على زمن
الخراب. فهي تحاور التاريخ، وتشتبك مع المأساة، وتعبّر عن أعاصير الألم والحروب
والخذلان التي تعصف بالعالم، لا سيما في السياق العربي. الكتابة هنا ليست ترفًا
ثقافيًا، بل فعل مقاومة ضد التسطّح، وضد تحويل اللغة إلى أداة تزييف.
كما يربط الرحبي بين انحطاط
الذائقة الجمالية واتساع هيمنة الميديا والتكنولوجيا، التي أسهمت في تفكيك
المنظومات القيمية، وفي تشجيع الاستهلاك والابتذال. ومع ذلك، لا يستسلم لهذا
الواقع، بل يتمسّك بالهامش الخلّاق بوصفه آخر مناطق الضوء. ففي هذا الهامش الضيّق،
الذي يتسع ويضيق، تظل قصيدة النثر قادرة على إنتاج معنى، وعلى الدفاع عن الحرية
الداخلية للإنسان في وجه عالم يسير بخطى متسارعة نحو التفاهة والعدم.
سابعًا: الجغرافيا، الطبيعة،
والتاريخ العميق
تلعب الجغرافيا والطبيعة في
تجربة سيف الرحبي دورًا يتجاوز الوصف الخارجي أو الزينة "التجميلية" ،
لتغدو عناصر فاعلة في تشكيل النص والوعي معًا. فالمكان، في كتابته، ليس خلفية
صامتة للأحداث، بل كيانًا حيًا يحمل في تضاريسه ارتجافات الروح، وجراح التاريخ،
وآثار البشر الذين مرّوا به وتركوا فيه بصماتهم المرئية والخفية. من هنا، تتحوّل
الطبيعة إلى لغة موازية للغة الشعر، وإلى وسيط يعبر من خلاله الشاعر إلى الأسئلة
الكبرى للوجود.
في نصوص الرحبي، تنفتح
الأمكنة من المحدود إلى اللامحدود، ومن اللحظة العابرة إلى الزمن السحيق. فالصحراء
العُمانية، والجبال، والوديان، لا تُستعاد بوصفها صورًا رومانسية، بل باعتبارها
خزائن لذاكرة عميقة، تختزن تاريخ الإنسان الأول، وقلقه البدائي، ومواجهته الأولى
مع المصير. إنها أمكنة تستدعي بشر الكهوف، وتستحضر اللاوعي الجمعي، حيث تتقاطع
الأسطورة مع الواقع، والذات الفردية مع المصير الإنساني العام.
كما تتداخل الجغرافيا، لدى
الرحبي، مع التاريخ بوصفه قوة جارحة لا تزال فاعلة في الحاضر. فالشاعر، بوصفه
كاتبًا متورطًا في زمنه، لا يستطيع الانفصال عن التاريخ، بكل طبقاته السحيقة
والراهنة، ولا عن الأوبئة السياسية والاجتماعية التي تشكّل ملامح المرحلة العربية الراهنة.
ولذلك، تتخذ الطبيعة في نصوصه بعدًا أخلاقيًا، إذ تصبح شاهدة على الخراب، وعلى
انحدار القيم، وعلى الصراع الدائم بين الحرية والاستبداد.
إن استدعاء الجغرافيا
والطبيعة في كتابة سيف الرحبي هو، في جوهره، محاولة لإعادة ربط الإنسان بجذوره
العميقة، وبأسئلته الأولى التي حاولت الحضارة الحديثة طمسها أو تبسيطها. ففي
مواجهة عالم سريع ومفتت، يعيد الشاعر الاعتبار للبطء، وللتأمل، وللإصغاء إلى ما
تقوله الأرض والتاريخ معًا. هكذا، تغدو الطبيعة فضاءً للمساءلة، لا للطمأنينة،
ومجالًا لفتح السؤال الوجودي، لا لإغلاقه.
سيف الرحبي… كتابة ضد
الانطفاء
إذا كانت تجربة سيف الرحبي
متجذرة في الأمكنة، متفرعة في التاريخ، ومتسعة نحو الإنسان، فإن خاتمة هذه الرحلة
تكمن في الفعل الإبداعي نفسه: الكتابة بوصفها مقاومة، والشهادة بوصفها واجبًا
وجوديًا. فالشاعر، كما بدا طوال تجربته، لا يكتب لنيل الجائزة أو إرضاء الجمهور،
بل ليتصدى لما يسميه الخراب الحضاري، وما يفرضه الاستبداد والتكنولوجيا والانحطاط
من تآكل للقيم وللغة.
أن النصوص الرحبية، سواء كانت
رحلة، أو يوميات، أو قصيدة نثر، أو تأملات، تحمل هاجسًا ثابتًا: الدفاع عن الهامش
الخلّاق في وجه التيار الشعبوي الجارف، عن الحرية الداخلية في وجه سيطرة الميديا
والتكنولوجيا، وعن المعنى في وجه التفاهة والسطحية. الكتابة هنا لا تمحو الألم، بل
تحمله، وتعيد تشكيله في نسيج لغوي وجمالي يعكس عمق التجربة الإنسانية بكل
تناقضاتها.
كما أن الرحبي، من خلال
نصوصه، يؤكد أن الرحلة والنص المفتوح ليسا مجرد أدوات فنية، بل موقف أخلاقي
وفلسفي. فالكتابة تصبح أداة لتصحيح التاريخ، وإعادة ربط الإنسان بجذوره، وفهم
حضوره في هذا العالم المضطرب. وهو، بوصفه شاهدًا على مأساة العصر، يمنح القارئ
إمكانية التماس الحقيقة بين السطور، بعيدًا عن الروايات الرسمية أو الاستهلاكية،
ومن دون تزييف للوعي.
في النهاية، يظل سيف الرحبي
نموذجًا للشاعر المتورط في زمانه ومكانه، الذي لا يرضى بالسطحية، ولا بالانطفاء
الذهني أو الأخلاقي. النص المفتوح عنده، الرحلة المفتوحة، واللغة المتقدة، كلها
عناصر لصنع نور هش لكنه ضروري، يضيء في ليل الاستبداد، ويؤكد أن الشعر والفكر لا
يزالان قادرين على مقاومة الخراب، وفتح أسئلة لا تنتهي، على الرغم من كل
الانكسارات.
هكذا تصبح تجربة الرحبي شهادة حية على أن الكتابة الحقيقية
ليست مجرد نقل للعالم، بل محاولة لاحتوائه، وفهمه، وإعادة اكتشاف الإنسان فيه، في
أفق دائم من الحرية، والضوء، والمعنى.
#سيف_الرحبي
#الشعر_العربي #قصيدة_النثر #أدب_الرحلة #النص_المفتوح #الشعر_المعاصر
#الأدب_العماني #الإبداع_العربي
Seif Al-Rahbi, a
distinguished Omani poet, has transformed the journey from a mere geographical
movement into an existential and literary exploration. His work defies
conventional genres, merging poetry, prose, travel writing, and reflective
diaries into a cohesive yet open textual experience. From his early life in
Oman’s Green Mountain to his extensive travels across the Arab world and
Europe, Al-Rahbi carries with him a deep awareness of history, human suffering,
and cultural heritage.
In his writings, travel is
never descriptive in the conventional sense; it becomes a lens through which to
examine human existence, memory, and the passage of time. Al-Rahbi’s open-text
approach challenges literary boundaries, allowing each piece to oscillate
between lyrical intensity, philosophical reflection, and visual imagery. His
prose-poetry confronts the superficiality and consumerism pervasive in
contemporary media while defending the aesthetic and ethical potential of
literature.
The poet’s work carries a
dual responsibility: to witness the turbulence of Arab and global history, and
to preserve a space for human reflection and ethical engagement. Nature,
geography, and memory become living agents within his texts, embodying spiritual
resonance and historical depth. Al-Rahbi’s writing ultimately stands as an act
of resistance—a luminous presence against cultural and moral decay—affirming
that literature can illuminate, question, and sustain the human spirit. His
journey, both physical and textual, reminds readers that true poetry is
inseparable from life, consciousness, and the continuous search for meaning.
.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق