شيفرة الباذنجان والراوي المسلم: تفكيك البنية الإسلامية في "دون كيشوت"
لم يكن مجرد فارس مسيحي يطارد الأوهام في براري "لامانشا"، بل كان صوتاً أندلسياً مخنوقاً يبحث عن ملامحه وسط الرماد. في "دون كيشوت"، لم يبتكر ميغيل دي ثرفانتس رواية غربية كلاسيكية، بل شيد باللغة الإسبانية مقامة موريسكية كبرى، وهرب خلف قناع الجنون تارة، وخلف حبر المؤرخ العربي "ابن الباذنجاني" تارة أخرى، ليسكب أسرار الهوية المضطهدة وصوت الصلاة المكتومة. إن طواحين الهواء التي حاربها لم تكن قلاعاً للفرسان، بل كانت طواحين التاريخ الطاحنة التي أرادت سحق الذاكرة الأندلسية، فنهضت الحروف لتقاوم باللغة، والرمز، وشيفرات الطعام الممنوع، معلنةً أن عبقرية النص الأولى ولدت من رحم الشرق . في عالم النقد الأدبي، تُقرأ رواية "دون كيشوت" (1605) للإسباني ميغيل دي ثرفانتس بوصفها نصاً غربياً خالصاً دشّن عصر الرواية الحديثة. لكن، إذا أزحنا المركزية الأوروبية قليلاً وغصنا في البنية العميقة للنص، سنكتشف أن "دون كيشوت" ليس سوى " مقامة أندلسية كبرى " كُتبت بالإسبانية، وأن بطلها ليس فارساً مسيحياً مجنوناً، بل هو أقرب إلى قناع صوفي أو شيخ موريسكي...