شاعر الخراب العذب واليومي المُدجج بالدمع: قراءة في أطياف التجربة الشعرية لموفق محمد
المقدمة: قصيدة
الرصيف التي لا تنام
إنه شاعر يكتب
بمداد الدموع المرة الممزوجة بضحكة سخرية سوداء، وكأنه يتربص بالوجود على حافة
هاوية لا قرار لها.[1]
حين تتشظى الأمكنة، وتتلاشى ملامح المدن التي عرفناها، لا يبقى للإنسان سوى لغته
الأولى؛ لغة الحزن النبيل والاحتفاء بالمهمشين والصعاليك الذين يمرون على هامش
الحياة كأنهم لم يكونوا. هنا، لا تعود القصيدة ترفاً جمالياً، بل تتحول إلى ملجأ
أخير، ونافذة يتنفس من خلالها من تقطعت بهم سبل النجاة، وإلى محاكمة مستمرة لعالم
يزداد توحشاً وبشاعة كلما توغلنا في عزلتنا. موفق محمد[2] لا يكتب عن الألم من بعيد،
بل يتخذه لحافاً وسوسنةً تنبت من رماد الذاكرة، ليمنحنا شهادة حية على وجع الكائن
وهو يواجه قدره الفادح بيقين العارفين ووضوح البساطة المطلقة. إننا أمام صوت لا يسعى إلى الخلود في كتب
النقد بقدر ما يسعى إلى أن يكون حياً في أفواه الناس، في مقاهيهم المكتظة
بالهزائم، وفي بيوتهم التي تقاوم نسيان الأيام.
المحور الأول:
المكان والذاكرة الجمعية (جغرافيا الحزن والفرات)
أرجو
ان لا يخاف أحد
ها
أنا أحب الحلة
فما
زلت جنيناً في رحمها
أسمع
صوت أمي
في
هسهسة الخبز
وفي
نهرها الهادر بالحمام
هذا
النهر الذي مد ذراعيه وسحبني
برفق
من رحمها
وخبأني
وأراني ما في قلبه من تيجان
وكنوز
ولفّني
في سورته
في عالم موفق
محمد الشعري، لا يعد المكان مجرد إحداثيات جغرافية أو مساحة للتحرك؛ إن
"الحلة" في قصائده ليست المدينة التي تظهر في الخرائط الرسمية، بل هي
"حلة الروح" التي تتشكل من طمي الفرات، ومن أصوات الباعة المتجولين، ومن
دفء الجدران التي أكلها الرطوبة والزمن. إن المكان عنده هو "متحف للذكريات
المفقودة"، حيث يتحول الشارع إلى مرآة للزمن العراقي الموّار بالتحولات.
يتعامل الشاعر مع
المكان بوصفه كائناً حياً له ذاكرة، فهو يستحضر أمكنة طفولته وشبابه لا لغرض
الحنين الرومانسي السطحي، بل ليستجوب الحاضر المنهار من خلال ماضٍ كان يمتلك براءة
لم تعد موجودة. الفرات عنده ليس نهراً جارياً فحسب، بل هو شريان يضخ الأسى في
قصائده، فهو شاهد على الغرق والنجاة، على الوداع واللقاءات التي لم تكتمل. إن هذا
"التشييء العاطفي" للمكان يمنح نصوصه بعداً ملحمياً مصغراً، حيث تتحول
الحارة أو المقهى إلى مسرح كوني يختزل فيه الشاعر صراعات الوجود الكبرى.
يقول موفق محمد في تعبيره عن هذا الارتباط
العضوي بالمكان وأهله: "وأنا.. أتمشى في
شارعنا المهجور/ أعدّ خطواتي/ كأنني أعدّ حبات المسبحة في يد أبٍ غائب/ المكانُ
ضيقٌ بما يكفي ليحمل كل هذا الغياب/ والفراتُ يمرُّ كأنه لا يعرف أننا هنا، ننتظرُ
معجزةً لا تأتي."
في هذا المقطع،
نلمس كيف يتحول فعل المشي إلى طقس تعبدي للذاكرة، وكيف يغدو المكان (الشارع) مساحة
للفقد (الغياب). الشاعر هنا لا يصف المكان، بل يسكنه، ويجعل القارئ يشعر ببرودة
الجدران وضيق الأفق، مما يعزز فكرة أن المكان في تجربة موفق محمد هو "المخزن
الأخير للوجود"، وهو القلعة التي يتحصن بها ضد التلاشي، حيث يظل متمسكاً
بتفاصيل صغيرة؛ رائحة المقهى، ظل الشجرة، صوت الصديق الراحل، لتصبح هذه التفاصيل
هي العلامات الوحيدة التي تمنع الروح من الضياع في صحراء الخراب العراقي الكبير.
إنه يصنع من "المحلية" بوابته نحو "الإنسانية المطلقة"، ليثبت
أن وجع مدينة واحدة هو وجع العالم بأسره.
المحور الثاني:
جماليات السخرية والواقعية السوداء (سلاح الضحك في مواجهة الموت)
ألم
ترَ ان لا حمار في العالم يشبه موفق محمد
فهو
الوحيد الذي يسير على قدمين اثنين
هو
في الستين من عمره
ولا
يملك شبراً في المعمورة
ولا
زاوية في زريبة
يخرج
وحيداً عارياً كما خلقه الله
ويعود
مثخناً بالجراح
جراء
السياط التي تشترطها الأزمات
التي
تعصف بالبلاد
لا يكتفي موفق
محمد في تجربته الشعرية برصد الواقع المأساوي، بل يقتحم هذا الواقع بسلاح
"السخرية السوداء". هي سخرية لا تهدف إلى الإضحاك بقدر ما تهدف إلى
تعرية الواقع من مساحيق الزيف التي يرتديها. في قصائده، يتحول الضحك إلى صرخة
احتجاج، وإلى وسيلة دفاعية نفسية يواجه بها الشاعر العبث اليومي. إنها الكوميديا
التراجيدية التي تضع القارئ في حيرة؛ هل يبكي من قسوة المشهد، أم يضحك من سخف
تفاصيله؟
تتجلى هذه
الجماليات في قدرة الشاعر على تحويل المأساة إلى "نكتة وجودية". إنه
يدرك أن العالم الذي يعيشه العراقي قد تجاوز حدود المنطق، لذا فإن الطريقة الوحيدة
لتمثل هذا العالم هي الانحياز إلى اللامعقول. السخرية عند موفق محمد ليست تعالياً
على الوجع، بل هي غوص فيه إلى أقصى مداه. إنه يرصد المفارقات الصارخة: كيف يطالب
الإنسان بالخبز وهو محاط بالرصاص؟ كيف يغني للحب في مدينة تغتصبها الحروب؟ هنا،
تكتسب السخرية أبعاداً فلسفية، حيث يصبح الساخر هو "العارف" الذي قرر
ألا ينهار أمام الفجيعة، بل أن يهزأ بها لكي لا تهزأ منه.
تلك الواقعية
السوداء التي يتبناها ليست تسجيلاً فوتوغرافياً للخراب، بل هي واقعية
"مؤولة"، تعيد تركيب التفاصيل البشعة لتمنحها دلالة إنسانية. الشاعر لا
يعرض الجثث أو الركام، بل يعرض "أثر" الموت في الروح، وكيف يتكيف
الإنسان مع هذا الموت حتى يصبح جزءاً من طقوسه اليومية، كأن يشرب الشاي على وقع
دوي الانفجارات، أو يتبادل النكات بينما ينهار سقف البيت. هذه هي الفلسفة التي
تحكم قصيدته؛ أن الوجود العراقي هو تجربة مستمرة في المشي على حافة الهاوية،
والشاعر هنا هو البهلوان الذي يضحك وهو يرى السيرك يحترق.
يبرز هذا التناغم
بين الألم والسخرية في نصوصه حين يتحدث عن واقعنا المعاصر: "نحنُ شعبٌ بارعٌ
في تدويرِ خيباته،/ نضعُ الوردَ في فوهاتِ المدافعِ/ ثم نسألُ بجديةٍ تامة:/ لماذا
لا يزهرُ البارود؟/ ونمضي، ضاحكين من ذكائنا الحاد/ بينما الحقيقةُ الوحيدةُ التي
نملكها/ هي أننا.. ما زلنا على قيدِ الرصاص."
في هذا النص،
يفكك موفق محمد بنية "التضليل" التي يعيشها الفرد. إنها سخرية لاذعة من
القدرة البشرية على تجميل القبح (وضع الورد في المدافع) ومحاولة إضفاء العقلانية
على اللامعقول (السؤال عن عدم إزهار البارود). هو هنا لا ينتقد السلطة فحسب، بل
ينتقد "الاستلاب الجمعي" الذي يجعلنا نتحول إلى مشاركين في مأساتنا عبر
تبريرها أو التعايش معها كأنها حالة طبيعية. السخرية هنا هي "مبضع جراح"
يزيل الأورام من وعي القارئ، مجبراً إياه على رؤية العبث الذي يغلف حياته، ليحول
القصيدة من مجرد نص أدبي إلى "مرآة عاكسة" لواقع لا يمكن مواجهته إلا
بالضحك المرّ الذي يسبق البكاء الأبدي.
المحور الثالث:
سردية النص الشعري وتقويض الحدود بين الأجناس الأدبية (شعرية الحكاية اليومية)
وكنتَ
صغيراً..
وقميصكَ
أبيض كالنور
آخر
صورةٍ وكنا بها في الحديقة،
وكان
العشاء الأخير..
أمك
التي ما فتئت تملأ الفانوس من دمها وتوقده في السماء
تضيفُ
غطاءً آخر لسريرك إذ يشتد البرد وتبكي
وبصبر
ليس جميلاً.. أتأمل رسمك الذي لم تكمله
لقد
أطلقتَ حمامة روحك..
آمنة
كانت القرى.. فمن أشعل النار؟
وأحدث
ثقباً في قلب السفينة؟
تأبى تجربة موفق
محمد الشعرية على الانخراط في أسر القوالب الكلاسيكية الجاهزة، فهي تنزع باستمرار
نحو تقويض الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية؛ لنجد أنفسنا أمام نص شعري يتلبس
روح السرد القصصي (Storytelling)، وينفتح على تقنيات النثر الفني، واليومي
المعاش. لا يعبأ الشاعر بالزخارف اللفظية أو الاستعارات المستهلكة، بل ينحاز كلياً
إلى "بناء المشهد الحكائي" داخل القصيدة. إن كل نص عنده يشبه حكاية
قصيرة ناقصة، أو لقطة سينمائية مكثفة تقتطع من قلب الواقع المعيش لتضع القارئ
وجهاً لوجه أمام دراما إنسانية صامتة.
هذا الميل نحو
التمرد على الأجناس الأدبية يعود إلى
إيمان الشاعر العميق بأن الشعر الحقيقي لا يسكن في الأبراج العاجية للغة المفارقة
لعالم البشر، بل يسكن في تفاصيل الحكاية اليومية؛ في همس العجائز، في لغة الباعة
المتجولين، وفي سرديات الهامش التي لا تكتبها كتب التاريخ الرسمي. يعتمد موفق محمد
على تقنية "الحوار الخفي" وتوزيع الأصوات داخل النص، كأن القصيدة مسرحية
مصغرة يدير فيها الممثلون (الشخصيات المهمشة) حواراتهم المريرة مع القدر والمدينة.
هذه السردية الشعرية تمنح النص مرونة فائقة، وتجعله قادراً على استيعاب اليومي
المبتذل ورفعَه إلى مرتبة الإشراق الجمالي، دون أن يفقد دقته أو خشونة ملامحه
الواقعية.
والنفط
يخرج من بطون الأرض مشفوعاً
لا
بما صنعت يداه
ولضاع
شعب في المتاه
(والشايل البيرغ حمد واليلطم ابن كضيمة)
وقال
في قصيدة ما تبقى من أيامه:
والوظيفة
في الصباح
سوى
الرعب وما يردده
الصبية
وهم يجوبون
الأزقة
في عرباتهم
(العدّة عراقي عتيك للبيع)
إن تقويض الحدود
يعني هنا كسر الحاجز النفسي بين المتلقي والنص؛ فالقارئ لا يحتاج إلى مفاتيح نقدية
معقدة لفك رموز قصيدة موفق محمد، بل يحتاج فقط إلى قلب يعي معنى الفقد، وعين تدرك
بلاغة البساطة. الشاعر يحكي، والقصيدة تمشي على أرض صلبة من التفاصيل الملموسة، لتتحول
التجربة الشعرية برمتها إلى محكيّ جمعي يروي سيرة جيل كامل خذلته الأيام وظلت لغته
هي ملجأه الأخير.
يقول موفق محمد مجسداً هذه الروح السردية
المفعمة بالدراما اليومية: "جلسَ بائعُ
المظلاتِ العتيقةِ تحتَ المطر،/ ينظرُ إلى الزحامِ ببرودِ العارفين:/ لا أحدَ
يشتري مظلةً في العاصفةِ يا صديقي،/ الكلُّ غارقٌ حتى أذنهِ في البلل،/ فلماذا
نحملُ شيئاً يمنعُ الماءَ عن رؤوسنا،/ بينما الروحُ.. هي وحدها التي تغرق؟"
في هذا المقطع
الحكائي، يبتعد الشاعر عن الغموض المجازي المحض، ليصنع مشهداً درامياً كاملاً:
بائع مظلات، مطر عاصف، وزحام بشري مبلل. النص يتحرك ببطء كأنه قصة قصيرة جداً،
لكنه يختتم بضربة فلسفية عميقة تفكك المظهر الخارجي (البلل الجسدي) لصالح العمق
الوجودي (غرق الروح). هذه القدرة على حبك "الحكاية الشعرية" هي ما يعطى
نصوص موفق محمد طابعها الأبدي، فهي لا تُقرأ كمجرد بيت شعر يُردد، بل تُعاش كحكاية
تخص كل واحد منا، وتحكي انكساراتنا اليومية أمام عواصف الحياة التي لا تنتهي.
كنا
نصل إلى المدرسة راقصين على أنغام الكمنجة
يعزف
عليها المعلم ونحن نتحلق حوله
ونهتف:
إحنا صف الأول أحسن الصفوف والميصدگ بينا خل يجي ويشوف!
ولكن..
ماذا يشوف؟
صبية
يرتجفون من البرد
ودهن
المشگ يتلألأ في أيديهم،
سعداء
كنا قانعين لم نذق طعم الحلاوة.
المحور الرابع:
إنسان الهامش والمهمشين (أنشودة المنسيين في مسرح الوجود)
لستُ
مجنوناً..
فالشمس
تنغرس مثل مخيطٍ في عمودي الفقري
وظلي
لا يتقدمني..
وأنا
أتلفت عليه خوف أن يفلتَ،
فعلى
أي رصيفٍ سينام حين تغيب الشمس؟
وأنّى
له أن يصل إلى دارنا والسونار يتنشق الضائعين في السيطرات
تاركاً
المفخخات تعصف بأجسادنا المنخورة..
إنهم
يرموننا أرضاً..
ويلعبون
الدومينو على مؤخراتنا المكشوفة!
في قلب العالم
الشعري لموفق محمد، لا نجد مكان للأبطال الأسطوريين، ولا للملوك أو القادة الذين
تحتفي بهم المدونات الرسمية؛ بل إن البطولة هنا تمنح بالكامل لـ "إنسان
الهامش والمهمشين". إنهم أولئك البساطة، الصعاليك، المتسولون، الباعة
المتجولون، العمال الذين أكل الصدأ سواعدهم، وضحايا الحروب الذين يعبرون الشارع
كأنهم ظلال عابرة. الشاعر لا ينظر إلى هؤلاء بعين الشفقة الاستعراضية، بل ينحاز
إليهم جذرياً بوصفهم الممثلين الحقيقيين للصدق الإنساني، وبهم تُقاس طهارة المدن
وخرابها.
لطالما ركز موفق
محمد على تفاصيل حياة الفقراء الكادحين الذين يطحنهم الغلاء والفقر؛ حيث يقول في
أحد مقاطعه الدامية:
قُل
لي أيها الموت..
هل
تسمعُ أنين الأطفالِ وهم يرضعون الحليب المعسل بالسرطان من أثداء أمهاتهم؟
وهل
تسمع دموع الآباء وهم يبيعون بناتهم على الحدود؟
وهل
تسمع دماء الأنهارِ وهم يقطعون رقابها قبل أن تصل إلى العراق؟
أم
أنك تلعبُ النرد مع الكبارِ..
وتترك
لنا الحطام والرماد!
هذا الانحياز
للمهمشين ليس خياراً موضوعياً فحسب، بل هو خيار وجودي وأخلاقي. يرى موفق محمد أن
التاريخ الحقيقي يكتبه المهزومون لا المنتصرون، وأن الحكاية الأكثر نبلاً هي التي
تتسرب من شقوق الأرصفة المهملة. إنه يصغي إلى ما تنطوي عليه صدور هؤلاء البشر من
حكايات مؤلمة، محولاً إياهم إلى شخصيات تراجيدية كبرى تشبه أبطال التراجيديا
الإغريقية، لكن من دون تيجان أو عروش؛ عروشهم هي المقاعد المكسورة في المقاهي
الشعبية، وتيجانهم هي غبار الأيام وشقاء العيش.
سلاماً
على نصوصك وهي تُدرس في مدارس الفقراء،
سلاماً
عليك في كل بيتٍ يشتم رائحة الوطن،
في
كل كلمة تكتبها الأيدي المرتجفة بحبرك..
يا
من جعلت من الحزن أداة اشتغال
ومن
الجوع صرخةً بوجه الطغاة.
إن لغة الشاعر مع
هذه الطبقة من البشر تتسم بدفء استثنائي، فهو يرتدي جلودهم، ويمشي حافي القدمين
على وجعهم، متخذاً من التهميش هبة معرفية تكشف له زيف المركز الاجتماعي والسياسي.
الشاعر هنا يقرر أن يكون صوت لمن لا صوت له، والذاكرة التي تحمي هؤلاء المنسيين من
براثن النسيان والتلاشي، ليصبح كل نص شعري بمثابة "نصب تذكاري" صغير
يقيمه البسيط للمبسطين، في عالم يقدس القوة والمال ويهمل الإنسان.
يقول موفق محمد
معبراً عن هذا الانتماء الروحي المطلق لأهل الهامش: "لم يتركوا لنا شيئاً
لنعلقه على الجدران،/ سوى صورِ الموتى الذين نسوا أن يموتوا تماماً،/ لذا، جلستُ
على رصيفِ الحالمين بالفتات،/ أشاركُ الكلبَ العجوزَ لقمةَ الخبزِ اليابس،/ وأسألُ
الظلَّ الذي رافقني طويلاً:/ هل نحنُ الذين عبرنا الحياة،/ أم أن الحياةَ هي التي
عبرت فوق جثثنا بصمت؟"
في هذه الترنيمة الشعرية
الحزينة، يرسم الشاعر ببراعة فائقة مشهد الالتصاق التام بالهامش والعدم. الجلوس
على رصيف الحالمين بالفتات، ومشاركة الكلب العجوز لقمة الخبز، ليست سوى استعارات
عميقة لمستوى التجريد الذي يصل إليه إنسان الهامش وهو يواجه مصيره العاري. إنه
تساؤل وجودي جارح حول جدوى العبور البشري ومدى قسوة الحياة التي تمر فوق الكائنات
بصمت. الشاعر هنا لا يدافع عن قضية سياسية مؤقتة، بل يدافع عن حق الكائن البسيط في
أن يترك أثراً، ولو كان مجرد تساؤل مرير على رصيف مهجور.
الخاتمة: بقاء
الشعر حين يزول الخراب
حين نتأمل تجربة
الشاعر موفق محمد بكل تشعباتها الموجعة، وجغرافيتها المتمردة، وسرديتها اليومية،
ندرك تماماً أننا أمام حالة شعرية استثنائية عصية على التكرار. إن الرجل الذي اتخذ
من "الحلة" منطلقاً، ومن "الهامش" وطناً، ومن
"السخرية" درعاً، قد نجح في أن يحفر لنفسه اسماً من طين ودموع في ذاكرة
الشعر العراقي والعربي.
لم يكتب موفق
محمد ليحصل على رضا المؤسسات النقدية، ولا ليزين بدواوينه رفوف المكتبات الفاخرة،
بل كتب لأن شعره كان "مسألة حياة أو موت". لقد استطاع بذكاء حاد وبساطة
مذهلة أن يصوغ ملحمة العاديين والمنسيين، رابطاً بين تفاصيل الوجع الفردي والخراب
الجمعي للأوطان. وحين تتساقط كل الأقنعة وتتلاشى الخطابات الخشبية البراقة، يبقى
صوت موفق محمد عالقاً في هواء الأرصفة، كأنه صرخة عذبة لا تريد أن تموت، وتذكير
أبدي بأن الإنسان، مهما بلغ به اليأس والدمار، يظل قادراً على أن يبتدع من شقوق
الموت قصيدة تنبض بالحياة والكرامة والوجع النبيل.
الليلةُ
عيدٌ وأنا في غرفتك الآن
ما
زالَ كتاب الله مفتوحاً فيها
أتهجى
سورةَ يوسفَ وأرى وجهك في المرآةِ كما كان طريّاً
وعلى
ضوءِ الفانوس
ما
فتئت أمك تملؤه من دمها وتوقده في السماء الذي يطحنُ القلبَ
وتضيفُ
غطاءً آخر لسريركَ إذ يشتدُ البردُ وتبكي
تحلمُ
في سلّم ضيقٍ لتمرَ كخيطٍ فيه إلى قبرٍ
تلقمه
حلمتها وتهمسُ: هذا درّك يا ولدي فاشبعْ منهُ
+++++
كان الشاعر يستعين بالعامية عندما يعجز الفصحى عن حمل مقدار الوجع في قلبه:
غسلتك
بالدمع يابني ولا تِبره جروح الموت
يالتمنيت
العمر ينباع.. وأشتريلك عمر ثاني
يا
عدي.. يا ضحكة البيت الكَطعهه الجفن
صرنه
بعدك مثل بيتٍ هجروه هله
ننحب
ويه الليل.. وندور على جفوفك بكل ركن
++++
#موفق_محمد #شعر_عراقي #قصيدة_النثر #أدب_عربي #MowaffaqMohammed #IraqiPoetry #ArabicLiterature #ProsePoetry
This comprehensive critical essay explores the profound and distinct
poetic journey of the prominent Iraqi poet Mowaffaq Mohammed. Moving far beyond
traditional classical structures, his poetry emerges from the rubble of daily
life, transforming the streets of Hilla and the banks of the Euphrates into a
living museum of collective memory and existential grief. The analysis delves
into his unique integration of dark humor as a psychological shield and
philosophical weapon against the absurdities of modern trauma. Furthermore, the
essay examines his masterful blending of prose narrative techniques with
everyday colloquial resonance, creating micro-dramas out of ordinary moments.
Finally, it highlights his radical literary alignment with society's
marginalized figures—the poor, the vagrants, and the forgotten—elevating them
to tragic, heroic status. Ultimately, the article portrays Mohammed's work not
merely as an aesthetic pursuit, but as an essential act of human survival and
an immortal testament to the dignity of the ordinary individual amidst national
and personal ruin.
[1] فقد
الشاعر موفق محمد ابنه الأكبر "عدي" في حادثة مأساوية
تركت جرحاً غائراً لم يبرأ طوال حياته، وشكّلت هويته الشعرية الحزينة.كان ابنه عدي طالبًا في كلية الهندسة بجامعة
بغداد، ولم يكن يتجاوز الـ 20 من عمره.
في
عام 1991 عقب
اندلاع الانتفاضة الشعبانية في العراق، خرج عدي من منزله في مدينة
الحلة بمحافظة بابل ولم يعُد.
تم
اعتقاله من قبل قوات النظام السابق.
واكتشف
الشاعر لاحقاً أنه أُعدم وصار شهيداً بلا قبر؛ حيث دُفن في المقابر
الجماعية المجهولة آنذاك.عاش
موفق محمد ما تبقى من عمره مكلوماً؛ حيث كان يصف نفسه دائماً بأنه "قبر يمشي
على الأرض" بانتظار العثور على رفات ولده، وظل هذا الوجع يرافقه حتى وفاته
في مايو 20
ميت
أنه ولا خط يجي عن موتك..
سوده
وحشتك يولدي حرموك من تابوتك
ما
ناح طير على الشجر.. إلّا اعله نغمة صوتك
إنجان
مت بلا گبر.. آني كبر يتمشه
بلين
تفز إرويحتك.. يوم وتطير الوحشه
وألكاك
أقفلك بالرحم.. وأنطيهم إذن الطرشه
[2] موفق محمد شاعر عراقي بارز، ولد في الحلة 1948، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها، قبل أن ينتقل إلى بغداد للحصول على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية من كلية الشريعة. عُرف محمد منذ بداياته بالميل إلى التجريب في الشّعر، لكنه نال شهرة واسعة بقصائده السياسية التي يدمج فيها اللهجة العامية بالفصحى. عمل موفق محمد مدرّساً في مدارس الحلّة حتى تقاعد. بُني له تمثال على شط الحلة. توفي في شهر أيار عام 2025 إثر أزمة صحية، في المدينة التي أحبها وجلس على ضفاف نهرها وكتب عنها الكثير. من كتبه: "الكوميديا العراقية"، و"عبديئيل"، و"غزل حلي"، و"بالتربان ولا بالعربان"، وقد صدرت أعماله الكاملة
.jpg)
.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق