كتابة العرائض على تخوم الموت واليأس: قراءة في ذاكرة كاظم غيلان العراقية
في عتمة تلك الليالي التي تشبه أرشيفاً مؤجلاً للذاكرة، حيث تتحول غرف الفنادق الرخيصة في تخوم منطقة الميدان إلى محطّات تناجي فيها مدينة بغداد أحلامها المنسيّة وتلملم فيها جراحها الحافية، يكتشف الشاعر أن الشعر الحقيقي لا يولد في أبراج التجريد العالية، بل ينبت من شقوق الطاولات الخشبية البالية ومن رجفة أصابع الأرامل واليتامى، ليغدو كتاب يوميات كاتب عرايض أكثر من مجرد شهادة عابرة على حقبة أنهكها الحصار والقهر، بل هو أيقونة إنسانية ووثيقة وجودية تنحت في صخر الذاكرة ملامح جيل كامل رهن أيامه على حافة الخوف والرجاء، مبرهناً بأن الأرواح التي طحنتها رحى الاستبداد والحروب لا تموت في العتمة ما دام هناك قلب حي وضمير نقّي يكتب أوجاعها بماء الجمر، لتبقى تلك الكلمات العابرة طوق نجاة أخير يحرس كرامة الإنسان وسط طوفان الخسارات الموحشة .