كتابة العرائض على تخوم الموت واليأس: قراءة في ذاكرة كاظم غيلان العراقية
في عتمة تلك الليالي
التي تشبه أرشيفاً مؤجلاً للذاكرة، حيث تتحول غرف الفنادق الرخيصة في تخوم منطقة الميدان إلى محطّات
تناجي فيها مدينة بغداد أحلامها المنسيّة وتلملم فيها جراحها الحافية، يكتشف
الشاعر أن الشعر الحقيقي لا يولد في أبراج التجريد العالية، بل ينبت من شقوق
الطاولات الخشبية البالية ومن رجفة أصابع الأرامل واليتامى، ليغدو كتاب يوميات
كاتب عرايض أكثر من مجرد شهادة عابرة على حقبة أنهكها الحصار والقهر، بل هو أيقونة
إنسانية ووثيقة وجودية تنحت في صخر الذاكرة ملامح جيل كامل رهن أيامه على حافة
الخوف والرجاء، مبرهناً بأن الأرواح التي طحنتها رحى الاستبداد والحروب لا تموت في
العتمة ما دام هناك قلب حي وضمير نقّي يكتب أوجاعها بماء الجمر، لتبقى تلك الكلمات
العابرة طوق نجاة أخير يحرس كرامة الإنسان وسط طوفان الخسارات الموحشة.
يُعدّ كتاب يوميات
كاتب عرايض للكاتب والشاعر العراقي كاظم غيلان، الصادر حديثاً عن دار
كوديا للنشر والتوزيع في بغداد (2026)، وثيقة أدبية وإنسانية فريدة من نوعها.
يتخطى الكتاب حدود السيرة الشخصية المعتادة ليرسم بورتريه شامل لعراق التسعينيات،
ذلك العصر الذي رزحت فيه البلاد تحت وطأة الحصار الخانق والقمع وسلطة الدكتاتور
المطلقة.
البداية من باب المعظم:
ولادة عارضحالجي
بدأت حكاية الكتاب صدفة
بحتة، حين طلبت شقيقة الكاتب الكبرى منه كتابة عريضة موجهة إلى وزير الدفاع للبحث
عن مصير ابنها المفقود خلال حرب الخليج. وفي مكتب الاستنساخ بمنطقة باب المعظم
في قلب بغداد، وحين قام بطباعة العريضة بسرعة، عرض عليه صاحب المكتب العمل مكانه.
منذ ذلك الصباح، جلس
كاظم غيلان خلف طاولة خشبية متآكلة، تحت مروحة متعبة، يحيط بها بضعة أقلام وأوراق
صفراء، وصورة مفروضة للرئيس. ولم يكن يعلم أنه بجلوسه هذا يتحول من شاعر قادم من
أهوار الجنوب الحالمة إلى مستودع خوف بشري، يتلقى يومياً شكاوى الناس
وآلامهم التي لا تتردد الشفاه في البوح بها بصوت عالٍ.
مقاصد الكتاب وثلاثية
السيرة والمجتمع
يقوم الكتاب على ثلاثة
مقاصد أساسية تمنح قيمته الموضوعية والسردية:
- الأصل
الشعبي لمهنة العرضحالجي: تتلخص مهنة كاتب
العرائض في صياغة شكاوى الناس ومطالبهم للجهات الحكومية بقوالب قانونية
ورسمية، وهو ما التزم به الكاتب حرفياً.
- السيرة
الذاتية والمجتمعية: تتوسع دلالة
العريضة لتغدو سيرة ذاتية للكاتب، وسيرة جمعية للمجتمع العراقي المحاصر في
التسعينيات، فضلاً عن كونها سيرة ثقافية للبلاد ومثقفيها.
- التدوين
اليومي تحت حكم الدكتاتور: تمثل
العرائض خزاناً أميناً لقصص الناس الحقيقية بلا رتوش، وهي بمثابة وثيقة
الاحتجاج والرفض الوحيدة المسموح بها رسمياً، إلى جانب أرشيف النكات السرية
التي تداولها الشعب كأداة مقاومة مؤقتة.
بغداد الهامش: بين مكاتب
النهار وفنادق الليل
ينقلنا الكتاب عبر
ثنائية مكانية تحكي تناقضات بغداد في ذلك العصر:
1. النهار الرسمي (المكتب في باب المعظم):
مكان تتوافد عليه وجوه منكسرة تبحث عن النجاة؛ أمّ تبكي ولدها القتيل في الحرب،
وشاب جامعي يطلب أي وظيفة حتى لو كانت فراشاً، وضباط ومسؤولون يطلبون الاستثناءات
والنقل. لقد تحولت العرائض في كثير من الأحيان إلى مأساة مجتمعية مفجعة (مثل
كتابته لعريضة امرأة قتل ابنها أباه بعد اكتشافه زناه بأخته، أو عريضة الفنان
الراحل صباح السهل الذي أعدم بسبب وشاية).
2. الليل الشعبي (فنادق الميدان الرخيصة):
حيث يسكن الكاتب في غرفة متعبة وسط بغداد، وحيث تتحول الفنادق الرخيصة إلى مأوى
للغرباء، واللصوص، والباعة الجوالين، والصعاليك، والشعراء الحالمين (مثل جان دمو
وحسن النواب). الليل هنا هو الأرشيف المؤجل لحكايات المدينة التي لا يمكن البوح
بها نهاراً تحت مقص الرقيب وعيون الوشاة.
تراجع القيم وانحطاط
الثقافة في ظل السلطة
تعكس اليوميات بدقة
ملامح الانحطاط المجتمعي والثقافي في حقبة التسعينيات؛ حيث شاعت ثقافة
الولاء والمديح عبر تلفزيون الشباب ومؤسسات النظام، وصعدت العشائرية والتدين
الشكلي المزيف، وانتشر الوشاة في كل مكان. وأمام هذه المجاعة المعيشية والنفسية،
لجأ كثير من المثقفين والأكاديميين إلى امتهان أعمال هامشية للبقاء (كسائقي تذاكر،
وباعة رصيف، وكتاب عرائض)، أو سلكوا درب الهجرة المريرة عبر بوابة عمّان، بينما
انكمش دور المعرفة والتنوير لصالح ثقافة القطيع والخوف.
الخاتمة: شاعر يكتب
بآهات الناس
يُعدّ كتاب يوميات
كاتب عرايض شهادة نادرة خالية من التنظير المتعالي؛ فقد كتبها كاظم غيلان بصدق
الجمر والألم، ليجعل من تلك الطاولة الخشبية الصغيرة مرآة حقيقية لوطن أثقلته
الخسارات، وليمنح البسطاء والمنكسرين صوتاً خالداً في ذاكرة الأدب والتاريخ.
ويختتم الكاتب تصدير يومياته بعبارة تلخص رحلته القاسية والشفافة معاً:
أتمنَّى نومة عميقة...
بلا كوابيس؛ ولذا أحتاج عذركم ومسامحتكم لي... كي أسامحكم.
#KazemGailan
#IraqiLiterature #BaghdadNineties #ArabMemoirs #LiteraryCritique #DubshikBlog
#كاظم_غيلان
#يوميات_كاتب_عرايض #الأدب_العراقي #بغداد_التسعينيات #سيرة_ذاتية #نقد_أدبي #
The newly
published memoir "Yumiyyat Katib Arayid" (Diary of a Petition Writer)
by Iraqi poet and journalist Kazem Gailan, released by Koudia Publishing House
in Baghdad, transcends the traditional boundaries of personal testimony to
capture the raw, suffocating reality of Iraq during the 1990s international
sanctions and autocratic rule. The narrative originates from an unexpected
juncture when Gailan, escaping the stifling peripheries of the southern
marshes, begins working at a modest, battered wooden desk in Baghdad’s Bab
al-Muadham district, filling out bureaucratic petitions for desperate citizens.
Through this unassuming vocation, the author transforms his workspace into a
profound human archive, documenting the collective anguish, systemic decay, and
quiet defiance of ordinary people trapped under the weight of totalitarian
oppression. Alternating between the daylight administrative bureaucracy of
state desperation and the nocturnal underworld of cheap flophouses in the
Al-Maydan district—haunted by outcasts, poets, and dreamers—Gailan crafts a
deeply moving, lyrical testament to a broken society. Stripped of pretentious
academic jargon or artificial theatricality, the book serves as a vital
historical and literary document, proving that true poetry often hides not in
abstract ivory towers, but in the trembling fingers of widows, the silent
prayers of orphans, and the ink-stained margins of a forgotten people's
survival.
.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق