المشاركات

عرض المشاركات من أبريل 12, 2026

شارلوت ماكوناغي.. حين تكتب الرواية مرثيةً للعالم المفقود

صورة
      إننا لا نعيش في العالم بقدر ما نعيش في المعنى الذي نضفيه عليه . تنطلق شارلوت ماكوناغي في نصوصها من هذه المفارقة الوجودية الحادة، حيث لا يقتصر الأدب على محاكاة الواقع، بل يتحول إلى أداةٍ لتأويل انكسار الذات في مواجهة كونٍ بدأ يفقد صمته المعتاد. نحن نعيش اليوم في عصر الأنثروبوسين (عصر تأثير الإنسان)، حيث لم يعد العالم الطبيعي مجرد فضاء نتحرك فيه، بل أصبح مرآةً كاشفةً لعجزنا الأخلاقي وعزلتنا الوجودية . فلسفياً، تُعيد ماكوناغي طرح سؤال هيدغر حول السكن : كيف يمكن للإنسان أن يسكن الأرض بسلام حين تتحول هذه الأرض إلى موضوع للاستغلال أو مادة للفقد؟ إن بطلاتها لا يبحثن عن النجاة بمعناها البيولوجي، بل يبحثن عن العودة إلى الأصل؛ ذاك الأصل الذي لا تتدخل فيه الخوارزميات ولا تعبث فيه الحداثة. إنها كتابةٌ عن الوحشة بوصفها حالة إدراكية عليا، حيث يدرك الإنسان أن هويته ليست مكتملة إلا بوجود الآخر غير البشري . في هذا العالم الروائي، يتجاوز الألم كونه مجرد انفعال ليصبح طريقاً للمعرفة ؛ فبقدر ما نؤلم الطبيعة، نؤلم ذواتنا، وبقدر ما نبتعد عن الوحشية الفطرية فينا، نغرق في اغ...

رواية أشواك حديقة تورينغ: حين يغدو الذكاء مرآةً لاغترابنا المعاصر

صورة
    إنّ الحديث عن رواية أشواك حديقة تورينغ للكاتبة اللبنانية رنا حايك يضعنا أمام مفترق طرق وجودي، حيث تتداخل التخوم بين الجسد البيولوجي والامتداد الخوارزمي. في لحظتنا الراهنة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة نستخدمها، بل صار مرآة تعيد تعريف ماهيتنا. إن الرواية تستدعي في جوهرها أزمة الذات التي انقسمت بين ما تحس به، وما يتم تزويدها به من تفسيرات جاهزة عبر وسيط رقمي صار يملك سلطة التسمية والتأويل . يمكننا تأمل هذا الموقف من خلال ، حيث يتقاطع الوعي الفردي مع الشبكات المعقدة التي تحاكي منطقنا. فلسفياً، نحن هنا أمام تجلٍّ معاصر لمأزق الكهف لأفلاطون؛ فبدلاً من الظلال التي كانت ترتسم على الجدران، صرنا نواجه بيانات رقمية تُعرض أمامنا بوصفها الحقيقة الوحيدة، مما يجعل سؤال من نكون ؟ أكثر تعقيداً حين ندرك أن تلك البيانات -التي نعتبرها انعكاساً لنا- قد بدأت تعيد تشكيل وعينا، وأهواءنا، وحتى مخاوفنا من الشيخوخة والفناء. إن الرواية تحفر في هذا الانكشاف المتبادل: نحن نعترف للآلة بضعفنا، وهي تفسر لنا وجودنا، وفي هذا التبادل الصامت، تنمو أشواك الحديقة التي نسينا أننا نحن من قمنا ...

حين يقتات الماضي على الحاضر: قراءة في رواية جوع عتيق للينة كريدية

صورة
  هل يملك الماضي صوتاً حقيقياً، أم أننا نحن الذين نصنع له صدىً في أقبية ذاكرتنا المعتمة؟ لطالما كان الزمن في الوعي البشري نهراً جارياً باتجاه واحد، لكنه في تجربة الحروب الأهلية يتحول إلى دائرة مغلقة ، حيث لا يموت الأمس، بل يتخفّى خلف أقنعة الحاضر ليُعيد إنتاج خرائبه. نحن لا نسرق الأوطان فحسب، بل نسرق توازناً روحياً لا يُستردّ، وحين نغرق في وحل الجشع، لا نعود نطارد الثروة، بل تطاردنا ندّاهات أرواحنا التي أزهقناها في سبيل البقاء. إن الرواية هنا ليست مجرد حكاية عن لصوصِ حربٍ أو بنوكٍ مُستباحة، بل هي محاكمةٌ وجودية للزمن اللبناني، حيث يظل الجوع العتيق – ذلك التوقُ البدائيُ للسلطة والمال – هو المحرك الخفيّ الذي يجعل من التاريخ اللبناني مجرد مرآة مكسورة، نرى فيها وجوهَ جلادينا، لنكتشف، في لحظة تجل مريرة، أن الجلاد هو نحن حين استبدلنا الضميرَ ببريقِ المجوهرات المسروقة. في رواية لينة كريدية، نحن أمام مواجهةٍ أخلاقيةٍ كبرى: هل يمكن للإنسان أن ينجو من عدالته الداخلية إذا ما أفلت من عدالة الأرض؟ في روايتها الصادرة حديثاً جوع عتيق: سرقة بنكو دي روما (دار النهضة العربية، 2026)، لا تقف...

عودة آرت باريس إلى الغراند باليه - ثنائية التاريخ والمعاصرة

صورة
  في قلب 'الغراند باليه' ، يتوقف الزمن للحظة، ليس ليدون التاريخ بل ليعيد صياغته. هل الفن سوى مرآة نضعها أمام وجه الزمن لنرى تجاعيد الهوية وقلق الوجود؟ في دورة هذا العام من 'آرت باريس' ، نكتشف أن اللوحة ليست مجرد ألوان على قماش، بل هي حوار أبدي بين أشباح الماضي وتساؤلات الحاضر، حيث يذوب المعمار التاريخي في حداثة الرؤية، ليذكرنا بأن الفن هو المحاولة الوحيدة التي نملكها للقبض على أطياف الحقيقة . ما الذي يحدث عندما يلتقي عبق القرن التاسع عشر بجموح الفن المعاصر؟ في 'آرت باريس' ، تصبح العمارة التاريخية إطاراً يضمّ تمرد الحاضر وتطلعات المستقبل. الفن هنا ليس ترفاً، بل هو فعل وجودي يُمارس في فضاء يتنفس ذاكرة، ليخبرنا أن الحاضر هو امتدادٌ خفي لكل ما سبق. نأخذكم في رحلة إلى حيث يتقاطع صمت الحجر بضجيج الإبداع، لنكتشف معاً كيف يعيد الفنانون تشكيل عالمنا من جديد .

ما وراء المرايا: كيف أعادت رواياتنا صياغة صورة المرأة المثقفة؟

صورة
  على رفوف مكتبتنا العربية، لا تظل الرواية مجرد سرد لأحداث، بل هي المرآة التي نضعها أمام وجه الزمن لنرى انعكاس تجاعيد الهوية وقلق الوجود. هل المثقفة العربية في نصوصنا الروائية كائنٌ من لحم ودم، أم أنها فكرة مستحدثة في جسدٍ اجتماعيٍ تقليدي؟ في كتابها الأحدث المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد ، تفتح الباحثة هدى العطاس جرحاً نقدياً غائراً، لتكشف كيف صاغ الروائيون – رجالاً ونساءً – صورة تلك المرأة التي تجرأت على التفكير في عالمٍ لا يزال يراها حارثةً ونسلاً . بين سوسيولوجيا الأدب وتفكيك الخطاب في هذا العمل البحثي الرصين الصادر عن دار رياض الريس (2026)، لا تكتفي هدى العطاس بالقراءة السطحية للروايات، بل توظف أدوات سوسيولوجيا الأدب لتشريح أحدى عشرة   رواية عربية تمتد من الخمسينيات وحتى عام 2015. الكتاب ليس مجرد نقد أدبي، بل هو تنقيب عمودي في الذاكرة الجمعية العربية . 1.   انتحال الذكورة: فخامة الفكر المكسور ومأزق التابع في دراستها لصور المثقفة في نصوص الروائيين الرجال، لا تكتفي هدى العطاس بتشخيص المرأة كشخصية روائية، بل تغوص في لاوعي الس...

في ذكرى ميلادها المئة والأربعين ......فراشةُ الأدبِ التي لم يطوِ جناحَها الزمان: إنصافُ مي زيادة.

صورة
    هل النبوغُ في عالمٍ لا يزال يتهجى أبجديات العدالة هو هبةٌ أم لعنة؟ في تاريخ الأدب العربي، تقفُ مي زيادة كعلامة استفهام كبرى، لا على حياتها فحسب، بل على طبيعة وجود المبدع في محيطٍ يقدّس القوالب ويخشى التجاوز. لم تكن مي زيادة مجرد كاتبة تصفُ العالم، بل كانت " ظاهرةً " وجوديةً حاولت أن توفق بين صخب العقل الكوني وهدوء التقاليد الشرقية. إنَّ قصة مي زيادة ليست مجرد سيرة ذاتية لامرأة رحلت في منتصف القرن العشرين، بل هي مأساةٌ فلسفيةٌ أزلية؛ مأساةُ الإنسان الذي يرى بوضوحٍ أكثر مما يحتملُ بصره، فيجدُ نفسه غريباً في وطنه، ومنفياً في لغته، ومسجوناً في جسدٍ كانت روحه تطمحُ لأن تكون " فراشةً " لا تعرفُ الحدود، ولا تقبلُ بالقيود .

رواية عقرون 94 لليمني عمار باطويل : حين تنكسر الهوية بين الحرب والذاكرة وتعود إلى الأرض

صورة
      ولد الروائي اليمني عمار باطويل ونشأ في مدينة حضرموت اليمنية وعايش حرب صيف 1994، ثم جاءت الحرب التي اندلعت عام 2015 لتجعله يستعيد تلك المأساة القديمة بوعي متجدد. صدرت الرواية عام 2017 عن دار الثقافة للنشر والتوزيع، لتكون عمله الروائي الثاني بعد رواية سالمين التي صدرت عام 2015 . ليست الحرب في عقرون 94 مجرد قذائف تتساقط، بل لغة تعيد تشكيل الإنسان من الداخل . هنا، لا يُسلب المكان فقط، بل يُسلب معنى الانتماء ذاته . من القلق الذي يملأ السماء، إلى الأرض التي تعيد ترميم الروح، تتحرك الرواية بين الانكسار والمقاومة . إنها قصة هوية تُجرَّد، ثم تبحث عن نفسها في أبسط الأشياء: التراب . تدور أحداث الرواية في حضرموت، والشاب عقرون هو الشخصية البارزة في الرواية من إحدى قرى وادي دوعن، ومع بداية حرب 1994 بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي تغيّرت حياة عقرون، والذي بدأ القلق يراوده من بداية الحرب إلى ما بعد الحرب بسنوات وهو شاهد على التغيرات السلبية والكارثية التي حدثت في جنوب اليمن بعد انتصار نظام علي عبدالله صالح على الجنوب . وتُعد الرواية أول رواية من اليمن تتطرق إلى حرب ...