في ذكرى ميلادها المئة والأربعين ......فراشةُ الأدبِ التي لم يطوِ جناحَها الزمان: إنصافُ مي زيادة.

 

 

مي زيادة

هل النبوغُ في عالمٍ لا يزال يتهجى أبجديات العدالة هو هبةٌ أم لعنة؟ في تاريخ الأدب العربي، تقفُ مي زيادة كعلامة استفهام كبرى، لا على حياتها فحسب، بل على طبيعة وجود المبدع في محيطٍ يقدّس القوالب ويخشى التجاوز. لم تكن مي زيادة مجرد كاتبة تصفُ العالم، بل كانت "ظاهرةً" وجوديةً حاولت أن توفق بين صخب العقل الكوني وهدوء التقاليد الشرقية. إنَّ قصة مي زيادة ليست مجرد سيرة ذاتية لامرأة رحلت في منتصف القرن العشرين، بل هي مأساةٌ فلسفيةٌ أزلية؛ مأساةُ الإنسان الذي يرى بوضوحٍ أكثر مما يحتملُ بصره، فيجدُ نفسه غريباً في وطنه، ومنفياً في لغته، ومسجوناً في جسدٍ كانت روحه تطمحُ لأن تكون "فراشةً" لا تعرفُ الحدود، ولا تقبلُ بالقيود.


رغم مرور 140 عاماً على ميلادها في عام 1886، لا تزال "مي زيادة" حاضرة في الأدب والفكر العربي، لا بوصفها أيقونة عابرة، بل كبصمة خلودٍ تجاوزت حدود الإنتاج الأدبي لتطرح أسئلة جوهرية عن دور النساء في صناعة التاريخ الثقافي. لقد كانت مي زيادة "فراشة الأدب" التي لم تكتفِ بالتحليق بين الزهور، بل كانت هي الرحيق الذي أغذى عقول جيل كامل من المفكرين. ومع ذلك، يظل السؤال الذي أرق مي في حياتها، وأورثته للدارسين من بعدها، معلقاً في الهواء: هل أنصفها التاريخ؟ وهل استخرج الناس من كتاباتها ما فيها من صدق وإخلاص، أم ظلوا أسرى لصورة "المرأة المثقفة الجميلة" التي تداعب خيال الرجال في صالونها كل ثلاثاء؟

جذورٌ لا تحدها الخرائط

ولدت ماري إلياس زيادة في الناصرة، لأب لبناني وأم فلسطينية، ونشأت في كنف أسرة رأت في الثقافة ملاذاً لا يعترف بحدود الجغرافيا. هذا التعدد في الأصول –فلسطينية المولد، لبنانية الأب، مصرية المهجر والنشاط– خلق في داخل مي شخصية كونية تتجاوز ضيق الأوطان. لقد كانت مي زيادة تعي هذا التنازع في هويتها حين كتبت بمرارةٍ وتأمل: "وُلدتُ في بلد، وأبي من بلد، وأمّي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلدٍ إلى بلد، فلأيّ هذه البلدان أنتمي، وعن أيّ البلدان أدافع؟".

هذا الاغتراب الجميل، إن جاز التعبير، لم يمزقها، بل جعلها ترى العالم من منظور مزدوج؛ منظور من يحمل إرث الماضي ويتطلع إلى آفاق الحداثة. ففي مصر، التي منحتها جواز سفرها الفكري ومكانتها الأدبية، وجدت مي زيادة فضاءها الأرحب. هناك، لم تكن مجرد كاتبة، بل كانت مشروعاً نهضوياً بحد ذاته، حيث تعلمت اللغات (الفرنسية، والإيطالية، والإنجليزية، والألمانية، والإسبانية، واللاتينية، واليونانية) لتفتح نوافذ الأدب العربي على العالم، مؤكدة أن الهوية ليست جداراً عازلاً، بل جسراً للتواصل الإنساني.

صالون الثلاثاء: ديمقراطية الفكر

في عام 1913، لم تفتتح مي زيادة مجرد صالون لاستقبال الضيوف، بل أسست "مؤسسة ثقافية" ديمقراطية كانت بمثابة برلمان للفكر العربي. كان "صالون الثلاثاء" يجمع أقطاباً قلّما اجتمعوا في مكان واحد؛ فبين جدرانه، كان طه حسين يجادل، وعباس محمود العقاد ينقد، وأحمد شوقي يلقي قصائده، بينما كان الجميع ينصتون لـ " مي زيادة " وهي تدير الحوار بقدرة فائقة، متجاوزةً لغة المجاملات إلى لغة الجدل الفكري الرصين. وصف طه حسين هذا الصالون بأنه "صالون ديمقراطي"، حيث تلاشت فيه الحواجز بين الأجناس والجنسيات، ليبقى الأدب هو اللغة المشتركة الوحيدة.

مي زيادة الأديبة: ما وراء سحر المراسلات

إن محاولة فهم مي زيادة من خلال علاقاتها الإنسانية، ولا سيما مراسلاتها العاطفية الشهيرة مع جبران خليل جبران، هي محاولةٌ منقوصة. فبينما غرق الكثيرون في تفاصيل ذلك الحب البعيد الذي لم يشهد لقاءً وجهاً لوجه، أهملوا مي الكاتبة، والمفكرة، والمترجمة، والناقدة التي أثرت المكتبة العربية بأعمالٍ تنبض بالوعي والتحليل.

لم يكن إنتاجها الأدبي مجرد ترفٍ فكري، بل كان التزاماً وجودياً. لقد صدر ديوانها الشعري "أزاهير الحلم" (Fleurs de rêve) عام 1911 باللغة الفرنسية، لكنها سرعان ما اتجهت لتبني العربية لغةً للبيان والنضال الفكري. في كتبها، مثل "سوانح فتاة"، و"كلمات وإشارات"، و"بين المد والجزر"، و"الصحائف"، نجد مي التي تغوص في ثنايا النفس البشرية، وتحلل ظواهر المجتمع بتعاطفٍ تارةً، وبحدة نقدية تارةً أخرى.

أظهرت مي زيادة براعةً استثنائية في دراساتها الأدبية، ولعل كتابها عن "باحثة البادية" (ملك حفني ناصف) كان المحطة الفارقة التي أكدت نضجها؛ فقد كان احتفاءً بالمرأة الرائدة وتقديراً لدورها في عصر النهضة. لم تكن تكتب عن ملك حفني ناصف بوصفها مجرد كاتبة، بل كنموذجٍ نسائي قاوم قيود الجمود. وإلى جانب ذلك، أسهمت في حركة الترجمة من لغاتٍ متعددة، إيماناً منها بأن الثقافة هي اللغة الكونية التي توحد الشعوب، مما جعلها منفتحة على التيارات الإسبانية والفرنسية والإنجليزية والألمانية، ومتمثلةً إياها في وعيها العربي.

إنَّ الغبن الذي شعرت به مي زيادة ، والذي دفعها لكتابة أمنيتها: "أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني، ويستخرج من كتاباتي الصغيرة ما فيها من صدق وإخلاص"، كان نابعاً من إدراكها لـ"التشجيع الملتبس" الذي تلقته. فقد كان معاصروها يغدقون عليها المديح كـ"امرأة مثقفة"، لكنهم نادراً ما كانوا يعاملونها كـ"ندٍّ إبداعي". لقد أرادت أن يُقرأ فكرها، لا أن يُستعرض حضورها. كانت تشعر –بذكائها المرهف– أنَّ هذا الإعجاب هو قفصٌ ذهبي يحدُّ من الاعتراف بتميّزها وقدرتها على منافستهم في الساحة الأدبية، وهذا ما جعلها تعيش حالة من الغربة المبدعة؛ إذ كانت تسبق عصرها برؤيتها الكونية، بينما كان محيطها لا يزال أسيراً للنظرة التقليدية للمرأة.

المأساة الإنسانية: حين يغتال الجشع الإبداع

لم تكن "فراشة الأدب" بمنأى عن رياح الابتلاء، بل كانت في ذروة نضجها وتألقها الفكري تعيش صراعاً داخلياً عميقاً. فمع توالي الخسارات الشخصية القاسية—وفاة والدها عام 1929، ثم رحيل توأم روحها جبران خليل جبران في نيويورك عام 1931، تلاه رحيل والدتها في 1932—دخلت مي زيادة في مرحلة من الحزن الوجودي الذي تحول إلى عزلة قهرية.

هنا، في لحظة ضعفها الإنساني، تكشّف الوجه المظلم لمن كانوا يحيطون بها. فبدلاً من أن يجدوا في ألمها مبرراً للرعاية والاحتواء، رأى فيها بعض أقاربها "فرصة" للاستيلاء على أموالها وممتلكاتها. ففي السادس عشر من مايو 1935، نُقلت مي زيادة قسراً إلى مصحة "العصفورية" في لبنان—ذلك المكان الذي كان يثير الرعب في قلوب الناس آنذاك—بذريعة إصابتها بانهيار عصبي واضطراب عقلي.

لقد كانت تلك المحنة بمثابة اغتيالٍ معنوي لإبداعها. صرخت مي زيادة من داخل جدران المصحة في مذكراتها بكلماتٍ تقطر أسىً: "باسم الحياة ألقاني الأقارب في دار المجانين.. أحتضر على مهل وأموت شيئاً فشيئاً ". لقد حاولوا خنق كبريائها وإباءها، واقتادوها وهي في كامل قواها الذهنية إلى دهاليز الجنون، ليس لسببٍ طبي، بل بدافع الجشع والطمع في إرثها.

غير أن صدى صوتها لم يمت داخل المصحة. تحرك الأصدقاء المخلصون والمثقفون الذين أدركوا فداحة الجريمة، وقاد الأديب أمين الريحاني حملة قانونية وإعلامية شرسة لإنقاذها. وتوجت هذه الجهود، بعد سنوات من المعاناة والمرافعات القضائية في بيروت والقاهرة، بقرار المحكمة عام 1938 الذي رد دعوى فقدان الأهلية وأقر بسلامة وضعها القانوني. عادت مي إلى حريتها، لكنها عادت إلى عالمٍ تغيرت فيه الموازين؛ عالمٍ شهد خذلان الكثيرين الذين صمتوا عن ظلمها، مما عمّق عزلتها وأضعف تواصلها مع الوسط الثقافي الذي طالما أنارته بكلماتها.

لقد كانت هذه المأساة كاشفةً للمسافة بين الغرب والشرق؛ فبينما كانت كاتباتٌ في الغرب—مثل فرجينيا وولف—يتلقين الدعم من محيطهن في أزماتهن النفسية، وُوجهت مي زيادة في الشرق بمحاولات الحجر والإقصاء. هذه المفارقة تظل جرحاً غائراً في ذاكرة الأدب العربي، وتساؤلاً دائماً حول حقيقة تقديرنا للمبدعات اللواتي يمنحننا الضوء، ثم نتركهم يواجهون الظلام بمفردهم.

اليوم، ونحن نستحضرُ ذكرى مي زيادة، لا نحتفي بامرأةٍ غادرتنا فحسب، بل نحتفي بفكرةِ "الكاتبة" ككائنٍ حرٍّ يأبى الانصياع. إنَّ أمنية مي بأن يأتي من ينصفها لم تكن نداءً لرد الاعتبار الشخصي، بقدر ما كانت صرخةً من أجل الاعتراف بـ "استقلالية الإبداع" عن سياقاته الاجتماعية والذكورية. لقد جاءت القراءات النقدية المعاصرة—ككتاب سعاد العنزي "نساء في غرفة فرجينيا وولف"—لتقول لنا إنَّ مي زيادة لم تكن ضيفاً عابراً في تاريخنا، بل هي بوصلةٌ فكريةٌ لا تزال تشيرُ إلى مكامن الخلل في نظرتنا للمبدعات.

إنَّ مي زيادة تركت لنا، في نهاية المطاف، درساً فلسفياً قاسياً وعظيماً: أنَّ الحرية—سواء كانت في الفكر، أو في الوطن، أو في اختيار مسار الحياة—لها ضريبةٌ باهظة، وأنَّ المبدع الحقيقي لا ينتظرُ "الإنصاف" من معاصريه الذين قد يخنقهم ضيق أفقهم، بل يراهنُ على الزمن. رحلت مي زيادة ، ولكنها تركت خلفها صدىً لا يزال يتردد في أروقة الفكر العربي، مذكراً إياناً بأنَّ "عبقرية الشرق" لم تكن لقباً مجازياً، بل كانت حقيقةً نابضةً، حاولت أن تجعل من القلم وطناً دائماً للروح، حين ضاقت بها كل أوطان الجغرافيا.



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي