ما وراء المرايا: كيف أعادت رواياتنا صياغة صورة المرأة المثقفة؟

 

هدى العطاس


على رفوف مكتبتنا العربية، لا تظل الرواية مجرد سرد لأحداث، بل هي المرآة التي نضعها أمام وجه الزمن لنرى انعكاس تجاعيد الهوية وقلق الوجود. هل المثقفة العربية في نصوصنا الروائية كائنٌ من لحم ودم، أم أنها فكرة مستحدثة في جسدٍ اجتماعيٍ تقليدي؟ في كتابها الأحدث المرأة المثقفة في الرواية العربية: انتحال الذكورة وتحرير الجسد، تفتح الباحثة هدى العطاس جرحاً نقدياً غائراً، لتكشف كيف صاغ الروائيون – رجالاً ونساءً – صورة تلك المرأة التي تجرأت على التفكير في عالمٍ لا يزال يراها حارثةً ونسلاً.

بين سوسيولوجيا الأدب وتفكيك الخطاب

في هذا العمل البحثي الرصين الصادر عن دار رياض الريس (2026)، لا تكتفي هدى العطاس بالقراءة السطحية للروايات، بل توظف أدوات سوسيولوجيا الأدب لتشريح أحدى عشرة  رواية عربية تمتد من الخمسينيات وحتى عام 2015. الكتاب ليس مجرد نقد أدبي، بل هو تنقيب عمودي في الذاكرة الجمعية العربية.

1.  انتحال الذكورة: فخامة الفكر المكسور ومأزق التابع

في دراستها لصور المثقفة في نصوص الروائيين الرجال، لا تكتفي هدى العطاس بتشخيص المرأة كشخصية روائية، بل تغوص في لاوعي السلطة الذكورية التي تُدير خيوط السرد. تخلص العطاس إلى حقيقة أن المثقفة في هذه الأعمال ليست كياناً متصلاً بمرجعية أنثوية أصيلة، بل هي مسخٌ مشوش، تنتحل قيم الذكورة لتجد لنفسها مقعداً في نادي المثقفين. إن الروائي -وفقاً لرؤية العطاس- لا يمنح بطلته حرية المعرفة حباً في تحررها، بل يضعها في مسار التعليم والعمل كأداة لإلحاقها به؛ فهي تتعلم لتصبح لائقة بمحاورته، أو لتكتمل صورة النموذج الذي يرسمه لنفسه.

خذ على سبيل المثال بطلة إحسان عبد القدوس أمينة في رواية أنا حرة؛ فهي تصرخ برغبتها في التمرد، لكن المفارقة التي تلتقطها العطاس هي أن هذه الحرية تظل مبتورة. الرجل (عباس) هنا ليس مجرد حبيب، بل هو المُعلم والوصي الذي يرسم حدود هذا التمرد. إن انتحال الذكورة هنا يظهر في تبني أمينة لخطاب التحرر الذي صاغه الرجل، وحينما تقترب من حافة الاستقلال الحقيقي، تُدفع قسراً للتراجع، وكأن النص يلفظ أنوثتها المتمردة. وهنا تبرز فكرة التهشيم؛ حيث يصور الروائي الرجل المثقفة التي ترفض الخضوع لقوانينه ككائن مدمر.

في رواية وردة لصنع الله إبراهيم، تذهب العطاس إلى أبعد من ذلك، فتسلط الضوء على خيبة الأمل في البيئات اليسارية. هنا، لا يمارس القمع رجلٌ تقليدي، بل رفيق حزبي يدّعي المساواة. ومع ذلك، تتعرض وردة للانتهاك، وكأن البنية الذكورية المتجذرة في العقل العربي لا تفرق بين المتزمت والمؤدلج. تؤكد الباحثة أن انتهاك الجسد في نصوص الرجال هو رمز أعلى لإعادة المرأة إلى حظيرة التبعية. الاغتصاب في رواية طواحين بيروت لتوفيق يوسف عواد، أو التحرش الذي يطارد أمينة، ليس مجرد حدث عابر، بل هو رسالة تحذير: إن اقتحامك يا امرأة لمساحات الفكر (المحتكرة ذكورياً) هو فعلٌ يستوجب العقاب الجسدي، لأنكِ بمثقفكِ هذا تخرجين عن دوركِ الطبيعي كـ كائن للحرث والنسل. وبذلك، تظل المثقفة في نصوصهم كائناً مشوهاً، لا هي استطاعت التخلص من أنوثتها لتصبح رجلاً، ولا هي استطاعت حماية أنوثتها من سيف العقاب الذكوري.

2. تحرير الجسد: الوعي الأنثوي كفعل وجودي وجمالي

على ضفة الروائيات، ترصد هدى العطاس تحولاً جذرياً يقلب الطاولة على الخطاب الذكوري. الكتابة عند الروائيات -كعلوية صبح، ورضوى عاشور، وإيمان حميدان- ليست محاكاة لوعي الرجل، بل هي صياغة جديدة لـ الجسد بوصفه خطاباً وجودياً. تصف العطاس هذا التحول بأنه عودة للجسد إلى بكارته الأولى، حيث لا يعود الجسد مجرد أداة للرغبة أو موضوعاً للتدنيس، بل يصبح مساحة طاهرة للتعبير عن الذات.

في رواية اسمه الغرام لعلوية صبح، تضع الباحثة يدها على ثورة البطلة نهلا؛ فهي لا تكتفي بالثقافة الأكاديمية كقشرة خارجية، بل تعيشها بوصفها انفجاراً للذات. إن الروائية هنا تتقصد كشف المسكوت عنه، حيث تصبح الكتابة فعلاً تحررياً يكسر التابوهات. توضح هدى العطاس أن الروائيات يدركن مسبقاً الألغام المطمورة في حقل الرواية، ومع ذلك، يقررن تفجيرها، متجاهلاتِ تهمة الخروج عن الأدب التي يواجهن بها. البطلة عند الروائيات تعاني من اغتراب عميق داخل المؤسسة الزوجية، لأنها تعي تماماً أن هذا الزواج ما هو إلا قيد إضافي يطالبها بالتخلي عن فرديتها.

الأمثلة التي تسوقها العطاس من روايات مثل فرج لرضوى عاشور، تكشف كيف تستخدم الروائية السرد لفضح زيف المنظومات السياسية والاجتماعية التي تضطهد الجسد. الجسد هنا، في وعي المثقفة، ليس للتدنيس، بل هو مساحة مقدسة ترفض كل أشكال الوصاية. إن الباحثة ترى في نصوص النساء وعياً تجريبياً؛ فهن يصورن المثقفة وهي تمزق خرائط العيب والخجل لتكتشف رغباتها، ليس كخطيئة، بل كحق إنساني مشروع. تخلص العطاس إلى أن الروائيات يرفضن انتحال الذكورة، ويصررن على أن تظل المرأة امرأة بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات جمالية، وروحية، وجسدية. إن هذا التطهير للجسد من أدران النظرة الذكورية هو الذي يجعل من المثقفة في روايات النساء شخصية متماسكة، تدرك أن طريق الحرية يمر بالضرورة عبر التصالح مع الجسد والاعتراف بفرادته، وليس عبر محاولة تذكيره أو استنساخ صور الرجل المثقف.

 


3. العائلة والسياسة: العنف كحارس للتقاليد والهوية

في هذا الفصل الذي يُعد العمود الفقري للكتاب، تضع هدى العطاس العائلة تحت المجهر باعتبارها المعمل الأول لإنتاج العنف ضد المرأة المثقفة. تظهر العطاس من خلال تحليلها لمدونة الروايات (من هيفاء بيطار إلى هناء حجازي) أن الأسرة، رغم ادعائها الافتخار بـ تعلّم ابنتها، تظل هي القيد الأشد قسوة. التعليم هنا يعمل كجسر يوصل المرأة إلى درجة من التنوير، ولكن بمجرد أن تدرك البطلة حقوقها، تتحول الأسرة من حاضن إلى سجان.

تستشهد العطاس برواية امرأتان للكاتبة السعودية هناء حجازي، لتشرح كيف يتم تدمير طموح البطلتين ليلى ومرام عبر مؤسسة الزواج التقليدي القسري. العائلة هنا ترى في ثقافة ابنتها خطراً يهدد سمعة البيت، لذا فإن الحل دائماً هو وأد هذا الطموح عبر تزويجها لمن يضمن كسر إرادتها. هذا النوع من العنف يمتد ليشمل المؤسسة الدينية والمجتمعية، حيث تُحاصر المثقفة بين فكي كماشة: التقاليد التي ترى في تعليمها تمرداً، والرجال الذين يرون في وعيها تجاوزاً. حتى في الأوساط التي تتبنى آيديولوجيات سياسية، كما في رواية امرأة من طابقين لهيفاء بيطار، نجد أن نازك تعاني من العنف الممنهج، ليس لأنها غير مثقفة، بل لأنها مثقفة بزيادة؛ فالمجتمع يغفر للمرأة جهلها، لكنه لا يغفر لها وعيها.

الأمر الأكثر دلالة الذي تحلله العطاس هو السياسة الشخصية؛ فالباحثة تكتشف أن العديد من بطلات الروايات ينسحبن من العمل السياسي الحزبي -ليس لضعف– بل لأنهن يكتشفن أن التنظيمات السياسية (يسارية أو يمينية) تعيد إنتاج الهيمنة الذكورية نفسها. تخلص هدى العطاس إلى نتيجة صادمة: إن المؤسسة الزواجية في الروايات العربية تقف في عداء مباشر مع المؤسسة الثقافية. المرأة التي تسعى لتكون مثقفة تضطر لدفع ثمن باهظ؛ وهو الاستغناء عن الاستقرار الاجتماعي. وبذلك، يتحول المجتمع العربي في هذه النصوص إلى مراقب شرس لا يكتفي بالتشكيك في قدرة المرأة العقلية، بل يحاربها بالعنف المادي والمعنوي، جاعلاً من نجاحها الثقافي لعنة تلاحقها في كل بيت، ومؤكداً أن العنف ليس مجرد رد فعل، بل هو استراتيجية ممنهجة للحفاظ على النظام البطريركي من التفكك أمام غزو المرأة المثقفة.

لماذا نحتاج لقراءة هذا الكتاب؟

إن أهمية كتاب هدى العطاس لا تكمن فقط في كونه دراسة نقدية عن المرأة المثقفة، بل في كونه وثيقة تحلل كيف تشكلت مخيلتنا الجمعية حول أدوار الجنسين. إنه دعوة لقراءة الرواية العربية بوصفها سجلاً اجتماعياً يكشف شروخنا الثقافية بقدر ما يكشف جمالياتنا الفنية.

لقد نجحت الباحثة – وهي القاصة والناقدة – في أن تجعل من هذا الكتاب مرافعةً أدبية تدافع عن حق المرأة ليس فقط في التعليم والعمل، بل في التحرر من انتحال الذكورة لتجد لغتها الخاصة، وجسدها الخاص، وحريتها التي لا تدين بها لأحد.

 

#هدى_العطاس #نقد_أدبي #رواية_عربية #المرأة_المثقفة #سوسيولوجيا_الأدب #مراجعة_كتاب #ثقافة_عربية #دار_رياض_الريس #أدب_نسوي #دراسات_جندرية #الرواية_العربية #كتب_تستحق_القراءة

#BookReview #ArabLiterature #FeministCriticism #ContemporaryArabNovel #HudaAlAttas #GenderStudies #SociologyOfLiterature #LiteraryCriticism #ArabWomenWriters #BookRecommendation #NagbuLit #MiddleEasternLiterature

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي