حين يقتات الماضي على الحاضر: قراءة في رواية جوع عتيق للينة كريدية

 

لينخ كريدية


هل يملك الماضي صوتاً حقيقياً، أم أننا نحن الذين نصنع له صدىً في أقبية ذاكرتنا المعتمة؟ لطالما كان الزمن في الوعي البشري نهراً جارياً باتجاه واحد، لكنه في تجربة الحروب الأهلية يتحول إلى دائرة مغلقة، حيث لا يموت الأمس، بل يتخفّى خلف أقنعة الحاضر ليُعيد إنتاج خرائبه. نحن لا نسرق الأوطان فحسب، بل نسرق توازناً روحياً لا يُستردّ، وحين نغرق في وحل الجشع، لا نعود نطارد الثروة، بل تطاردنا ندّاهات أرواحنا التي أزهقناها في سبيل البقاء. إن الرواية هنا ليست مجرد حكاية عن لصوصِ حربٍ أو بنوكٍ مُستباحة، بل هي محاكمةٌ وجودية للزمن اللبناني، حيث يظل الجوع العتيق – ذلك التوقُ البدائيُ للسلطة والمال – هو المحرك الخفيّ الذي يجعل من التاريخ اللبناني مجرد مرآة مكسورة، نرى فيها وجوهَ جلادينا، لنكتشف، في لحظة تجل مريرة، أن الجلاد هو نحن حين استبدلنا الضميرَ ببريقِ المجوهرات المسروقة. في رواية لينة كريدية، نحن أمام مواجهةٍ أخلاقيةٍ كبرى: هل يمكن للإنسان أن ينجو من عدالته الداخلية إذا ما أفلت من عدالة الأرض؟

في روايتها الصادرة حديثاً جوع عتيق: سرقة بنكو دي روما (دار النهضة العربية، 2026)، لا تقف الروائية اللبنانية لينة كريدية عند حدود سرد أحداث الحرب الأهلية اللبنانية كوقائع تاريخية جامدة، بل تغوص في الجرح الذي يأبى الالتئام. الرواية، التي يتزامن صدورها مع ذكريات لا تزال تجثم على صدور اللبنانيين، تقدم معالجة روائية قاسية ومثيرة للتساؤل حول ثنائيات العدالة والضمير، وعواقب الإجرام الذي تغلّف بعباءة الحرب ليمتد ظلاً ثقيلاً يكبّل اللبنانيين عن نزع سلاحهم الأخير: سلاح الذاكرة المشوهة.



ثيمة الندّاهة: العقاب الذي يسكن الداخل

تنجح كريدية في ابتكار ثيمة مركزية للرواية وهي الندّاهة؛ ذلك الصوت الأسطوري الذي يطارد بطلها إبراهيم/ أبو خليل. فبعد مشاركته في سرقة بنكو دي روما –الحادث الذي يمثل في الرواية نقطة التحول من الفقير الطموح إلى أمير حرب ثري– وقتله لرفاقه للاستحواذ على الكنز، يتحول الثراء إلى سجن أبدي. إن الندّاهة هنا ليست مجرد حكاية شعبية ترويها جدة، بل هي صوت الضمير الذي لا تكف عن الهمس بأسماء الضحايا، وهي الرمز الذي يربط الرواية بالمتن الأدبي الإنساني الكبير.

لا تذكر كريدية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي بشكل مباشر، لكنها تستحضر روحها في أروقة بيروت الممزقة. العقاب هنا ليس قانونياً أو سماوياً، بل هو ندّاهة الضمير التي تطارد القاتل في نومه ويقظته. إن أبو خليل، القادم من ريفٍ بائس، يمثل نموذجاً لـ أمراء الحرب الذين كوّنوا ثرواتهم من دماء الآخرين، ظانين أن الوقت سيغطي على جرائمهم. لكن الرواية تكشف أن الجوع العتيق –وهو تعبير دارج عن الجشع– ليس مجرد رغبة في المال، بل هو قوة مدمرة لا تكتفي بابتلاع الآخرين، بل تلتهم صاحبها من الداخل، محولةً حياته إلى كابوسٍ من المجوهرات المسروقة التي لا يمكن تصريفها، والسندات العقارية التي تفوح منها رائحة القتل.

بحثٌ معرفي يتجاوز السرد

ما يميز جوع عتيق هو الخلفية البحثية الصلبة التي اعتمدتها كريدية؛ فالسرد هنا ليس ارتجالاً، بل هو ثمرة استقصاء تاريخي وعلمي. تفاجئنا الروائية بإلمامها المدهش بتفاصيل دقيقة، من معالجة حوافر البقرة (مهنة البطل الأصلية)، إلى تاريخ الملاكمة (محمد علي كلاي)، وتفاصيل المجوهرات الملكية (كنز فرح ديبة وتاج الملكة فريدة)، وصولاً إلى التواريخ الدقيقة لمجازر الحرب الأهلية مثل فرقة التيوس.

هذا التحقيق الوافي يمنح الرواية مصداقية عالية، ويجعل من السرد التاريخي والبوليسي وعاءً لاحتواء مآسي العائلات اللبنانية. إن كريدية تدرك أن صناعة الرواية في سياق بلد كلبنان لا تعتمد على السرد فحسب، بل على القدرة على نبش الخلفيات الثقافية. فدمج حكاية الطاووس والديانة الإيزيدية، أو حكاية سرجون العراقي، ليس مجرد حشو أدبي، بل هو محاولة لربط الوجع اللبناني بأساطير الشرق، وكأن لعنة الحروب هي لعنة قديمة تتجدد عبر العصور.

عائلتان، وطنٌ واحد، ومصيرٌ مشوه

تنسج كريدية حكايتها حول عائلتين تمثلان فسيفساء لبنان: عائلة سامي المارونية الثرية، وعائلة إبراهيم المسلمة الصاعدة من قاع الفقر عبر الحرب. تقاطع المسارات بين العائلتين، وتحديداً بين الأبناء (فؤاد، خليل، رامي، مازن)، يكشف أن الحرب لم تنتهِ بوقف إطلاق النار، بل انتقلت جينياً إلى الجيل الجديد. الأبناء هم الضحايا الحقيقيون لهذا الثراء غير الشرعي؛ فبين الإدمان، والتبلد، والانهيار النفسي، يظهر الأبناء كأنهم النسخة الثانية المأساوية من الحرب، حيث الظلال الخفية للوالد القاتل واللص لا تزال تطاردهم.

السرّ الغامض لرحلة التزلج التي عاد منها الأبناء مصابين، يظل مفتاحاً روائياً بارعاً؛ فهو يعلن أن الحرب لم تغب، بل تحولت إلى موت مزمن داخل الغرف الفخمة. هنا، يبرز تميز الرواية في تحليل الأثر الاجتماعي؛ فالثروة التي جناها الأب من عنف الحرب لا يمكنها أن تشتري سلام الأبناء. العواقب ليست أقل من البدايات: موتٌ مزمن، وانتحار، وخسائر في البورصة، وشللٌ للأب في نهاية الطريق، في صورة تعكس تآكل الشخصية من الداخل، تماماً كما تآكلت الدولة اللبنانية.

شاشة عرض الندّاهة: صرخة ضد النسيان

تذهب لينة كريدية في جوع عتيق إلى جذر الأزمة اللبنانية: الإنسان نفسه. هي لا تدخل في التعقيدات الطائفية الآنية بقدر ما تحذر من المنطق الذي قاد اللبنانيين إلى الجحيم. إن صوت الندّاهة هو صوت المثقفين المتوجسين من تكرار المأساة، وتحذيرٌ لكل من يظن أن قيح الموت يمكن غسله بأموال السطو.

تقوم الروائية بتفكيك الشخصيات، ليس من خلال مواقفهم السياسية المعلنة، بل من خلال حيواتهم السرية؛ حيث يمتزج البوليسي بالاجتماعي، والأسطوري بالواقعي. إن تفتيت الزمن في الرواية –حيث تقفز الأحداث بين الماضي والحاضر– هو انعكاس لحالة التشرذم التي يعيشها الفرد اللبناني. هي رواية تحكي لنا أن لبنان، الانهيار الاقتصادي والسياسي الحالي، هو مجرد الظل البعيد لصفحة الحرب التي لم تُطوَ بعد.

خاتمة: النداء الأخير

إن رواية جوع عتيق هي شاشة عرض ضخمة للجوهر اللبناني في أزمته. وإذا كان أبو خليل قد استطاع الهروب من الملاحقة القانونية، فقد فشل في الهروب من ندّاهة العقاب الذاتي. وكأن لينة كريدية تقول للقارئ: إن الحرب لم تكن مجرد أحداث في الماضي، بل هي جوع عتيق لا يزال يحكم قبضته على حاضرنا، والهروب من هذا المصير يتطلب منا نزع سلاح الكراهية والاعتراف بخطايانا قبل أن يبتلعنا الجوع مجدداً. هي صرخة أدبية بليغة تذكرنا بأن من يسرق التاريخ، محكومٌ عليه أن يُؤكل من قِبل حاضرة.

 

#لينة_كريدية #جوع_عتيق #رواية_لبنانية #الحرب_الأهلية #نقد_أدبي #دار_النهضة_العربية #أدب_معاصر #بنكو_دي_روما

    

      #مراجعة_كتاب #أدب_لبناني #الأدب_العربي #NagbuLit #BookReview

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي