حبة في صخرة قصة قصيرة لضياء نجم الاسدي
حبة في صخرة........قصة قصيرة
ينحدر صايل يوميًا إلى
القرية في الوادي، باستثناء أيام الصقيع والمطر والمرض، من بيته المنحوت في سفح
جبل أجرد، حيث بيوت الشوبك العتيقة وبيوت وادي موسى، مغرٌ وبنايات صغيرة مرصوفة
بالحجر. يتدهدى نزولًا نحو سوق القرية الممتد على شارعها المركزي، حيث الدكاكين
القليلة، ومبنى المتصرفية، والمستوصف، ودائرة الكهرباء والماء والغابات، موزعة في
مساحة لا تتجاوز نصف كيلومتر مربع.
يمشي قليلًا، ثم يقع، ثم يقوم، يستريح، ويعاود السير. لم يكن يمشي حقيقةً، بل
يتحرك كآلة معطوبة، تنتفض لتعمل، فتخذلها كثرة عللها.
كان صايل في العشرينيات من عمره، يعاني من شلل نصفي؛ يحمل يده اليسرى بيمينه،
ويسحل قدمه اليسرى على الأرض. وجهه النحيف المتورم أُغلقت فيه العين اليسرى،
واستدار فمه نحو الجهة اليمنى، وبدأ سمعه يضعف تدريجيًا. ومع ذلك، كان يصارع الطريق
المتعرج بين الصخور نزولًا إلى السوق، ليستقر على صخرة ملساء لا يتجاوز ارتفاعها
ولا مساحتها نصف متر مربع.
كانت تلك الصخرة كرسيه. يستند إليها أو يجلس عليها حين يشتد التعب. وما إن يستقر
حتى يبدأ، بما تبقى من بصره، بمتابعة السيارات القادمة من عمّان باتجاه وادي موسى
ثم البتراء. نادرًا ما تتوقف في الشوبك؛ فلا شيء فيها يغوي السائحين. أحيانًا
تلتقط أذناه أصوات الصبية الصاخبين العائدين من مدارسهم، فيتساءل في نفسه: أهو
صخبهم ما يصنع سعادتهم، أم سعادتهم هي ما يفيض صخبًا؟ ولو كان معهم، ماذا كان
سيفعل؟ وماذا سيجدون في بيوتهم عند عودتهم؟
أسئلة بلا أجوبة، كان يتمنى لو شاركه أحد في التفكير فيها، أو في الصمت عنها.
في غمرة مشهده اليومي، ووعيه الآني الخالي من الماضي والمستقبل، يرمق نوافذ
السيارات بعين واحدة، وفمه فاغر، يسيل لعابه على ذقنه وملابسه، ويصغي بصعوبة إلى
ما تعزفه باصات الركاب من قرآن وأغانٍ وموسيقى.
كان قد تعرّف على باص علي النعيمات، الحديث، المبكر دائمًا، الذي تصدح فيه فيروز
صباحًا، وباص أحمد البدور الذي يليه بساعتين، حيث تلعلع أغاني عمر العبدلات
والأغاني المصرية الصاخبة. أما سائر الباصات فلم تكن تعني له شيئًا.
كانت تغلبه نوبات من النوم، أو التيه، أو الذهول الناتج عن الجوع والإعياء
والتحديق الطويل. معظم ركاب الباصات سيّاح أجانب يقصدون البتراء، التي لم يرها
صايل، ولا عرفها والداه، ولا فهم يومًا لماذا يقصدها الناس.
أحيانًا ينحدر أبو صايل بعد ولده بساعة أو أكثر، ليجلس عند دكان صديقه القديم
عثمان القرالة. قد يظفر بلفافة تبغ، أو قدح شاي، أو فنجان قهوة، أو رغيف خبز، يأكل
بعضه ويترك بعضه لأم صايل. وفي آخر النهار، يذهب إلى حيث ينتظره صايل عند صخرته،
ليصطحبه إلى البيت في صعود شاق، كمن يتسلق قمة إيفرست.
كان أبو صايل، الخمسيني القصير النحيل، يمشي كالمشدوه الذي وقعت على رأسه صخرة. لا
يقدر على إسناد ابنه طويلًا دون أن يقع أو يتشبث بابنه، فيتعثّران معًا. وكثيرًا
ما كان يقع ضحية السخرية، لا لفقره وهيئته فقط، بل لقدرته العجيبة على الاحتمال؛
يبتسم ببلاهة حتى حين يُسخر منه. لم يدخل يومًا في نقاشات حول الحياة أو السياسة،
إذ لم يكن يمتلك من المفردات ولا التجارب ما يسعفه. ولو كان ثمة مكان خلف هامش
الحياة، لكان أبو صايل يقبع خلفه بسنين وأمیال.
نصحه عثمان وبعض أهل القرية بألا يصطحب ابنه إلى الشارع، وقرعوه على ذلك مرارًا،
لكنه لم يستمع إليهم. أشفق على ولده الذي لا إخوة له ولا أصدقاء، وعلى زوجته التي
أوشكت على فقدان بصرها وتقوّس ظهرها، ولم تعد قادرة على رعاية أحد.
فلا سبيل إلا أن يخرج صايل إلى صخرته، ويذهب أبو صايل إلى دكان عثمان، وتبقى أم
صايل تحوم كدجاجة مذعورة في دارهم، الذي يبدو من بعيد كثقب أسود في جبل صلد، أو
تنام ملتحفة بغطاء صوفي عتيق حاكته لها أختها قبل أن تموت، تقتل به اليوم الطويل
حتى يعود أبو صايل بشيء من الطعام أو الحطب.
في صباح غائم، تداعب فيه نسمات الربيع الباردة أشجار الصنوبر والحرج، وصل صايل
لتوّه إلى صخرته بعد أن سقط على وجهه، فجرح يده وجبهته، وسال منه دمٌ قليل. لم يكن
هناك من يسنده أو يغسل جراحه. دكان عثمان يبعد أكثر من عشر دقائق سيرًا، وهي مسافة
لا يطيقها، فآثر البقاء حتى يأتيه أبوه أو يمرّ به أحد.
اعتاد الجروح؛ غائرها وسطحيها. كانت كدماته وعلاماته شاهدة على كونه مأساة متحركة.
لم يكن صايل ولا أهله، ولا حتى أهل القرية، يملكون تفسيرًا لكل ذلك سوى أنها إرادة
الله، متخلصين بذلك من أي شعور بالمسؤولية.
كان يشعر بجوع ممزوج بألم ولوعة لا يعرف كيف يعبّر عنها. نظر إلى الصخرة التي يجلس
عليها وتمنى لو كان يستطيع الحديث معها، أو ترك علامة فيها، أو جعلها شيئًا يخصه
وحده. لكن وعيه بسيط، لحظي، وأمنياته انعكاس لما يراه ويعيشه.
وفجأة، توقّف باص علي النعيمات أمامه. انفتح الباب في وجه صايل، وهبّت منه نسمات
دافئة وروائح لم يألفها: طعام، عطور، حقائب، وملابس. وصوت فيروز يشدو:
"عشّاق الطرقات افترقوا…"
توقّف الباص بسبب ثقب في أحد الإطارات، فنزل الركاب. بينهم فتاة شقراء طويلة،
ترتدي قميصًا أبيض فضفاضًا وبنطال جينز أزرق باليًا، لفّت شعرها بعصابة زرقاء
مزهرة بورود صفراء ناعمة بدت كالنجوم، بدت جميلة وبسيطة. كانت ترد على محاولات
التودد بابتسامة ماكرة مناورة، حتى وقعت عيناها على صايل.
اقتربت منه سريعًا:
Hey!
Are you okay? “ "
ثم، بلهجة عربية مرتبكة:
"السلام
عليكم… يا إلهي، هل أنت تائه؟"
أمسكت يده بحنو. شعر صايل كأنه يستفيق لأول مرة. نظر إليها بكل ما بقي له من قدرة
على النظر، واستنشق عطرًا امتزج بهواء الشوبك ووقود السيارات. لم يعرف هذا الشعور
من قبل.
لم يستطع الرد، طأطأ رأسه خجلًا، سال لعابه على صدره. مسحت وجهه بمنديل، وربطت
رأسه بعصابة شعرها، ثم هرعت إلى الباص وعادت ببعض الطعام والماء. سألت عن اسمه،
فأجابها السائق الذي كان يدحرج الإطار البديل، أنه لا يقوى على الكلام والناس
ينادونه صايل..
ابتسمت وقالت بلهجة أردنية مرتبكة:
—يا سايل، أنا إسمي ماري… من أستراليا. ممكن نكون أصدقاء أنا وأنت؟
أخذت بيده وهزّتها بلطف، ثم قالت مبتسمة:
— فرصة سعيدة!
قبّلت وجنته، فاضطرب صايل كمن انتُزع من عالمه وقُذف به في عالم آخر. هل كان ذلك
جزءًا من حياته؟ هل هو يحلم؟ هل حدث لوجوده تحوّل ما وحانت لحظة التغيير؟ من خطّط
لذلك؟ من أذن لذلك؟
من مئذنة المسجد القريب، تلا صوت عبد الباسط:
(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي
صَخْرَةٍ…)
ثم نودي إلى صلاة الظهر، فهرع بعض الركاب إلى المسجد وطلبوا من علي النعيمات أن
ينتظرهم ريثما يؤدّوا صلاة الظهرين. فصاح بهم:
—لا تأخّرونا يا جماعة، في معانا ناس كفّار ما بتصلّي، ما ودّنا يتأخّروا!
فقال له أحدهم:
— أوعى يسمعوك يا علي، ما هم كمان بيعرفوا عربي!
فضحكت ماري وقالت دون أن تخاطب أحدًا محددًا:
— أنا وحدة من الكفّار بحكي عربي وبفهم عليك!
فشعر علي بالحرج وقال:
Sorry,
I was joking” "
فقالت:
"Never mind, I know "
بقيت ماري بجانب صايل تتحدث معه كما لو كانت تعرفه منذ وقت طويل، وكما لو أنه كان
يفهم حديثها كله. أخبرته أنها ستتوقف في هذا المكان كلما جاءت لزيارة البتراء
وستسلّم عليه، وستخبر أصدقاءها الذين يزورون البتراء بضرورة إلقاء التحية عليه
وإيصال تحيتها. ووعدته أنها لن تنساه.
ثم التفتت يمنة ويسرة، ونظرت إلى السائق وسألته:
— I need a screwdriver…
عندك مفك براغي؟
فاستغرب علي النعيمات من سؤالها وقال كالأبله:
— آه، عندي.
— أعطني المفك من فضلك.
فأعطاها المفك وهو ينظر باستغراب إلى ما تريد فعله. فأمسكت بالمفك وبدأت تحفر بقوة
على الصخرة:
"هنا التقت ماري بصايل"
وكتبت التاريخ.
قالت ضاحكة:
— اتطلّع، كتبت اسمي وإسمك على الصخرة… هاي صارت صخرتنا، ما تفكّر تبيعها!
وأشرق وجهها في وجهه بضحكة طافحة باللطف. صارع صايل عضلات وجهه ليرسم ابتسامة
واهنة، لم يعرف مثلها طوال عمره. طيلة سنين لم يجد هذا الشعور مكانًا في نفسه، ولم
تمثل أمام وجهه روح تنعش فيه الرغبة في الحياة.
عاد المصلّون من المسجد يدمدمون، وصاح أحدهم من بعيد:
— إيش يا علي؟ بدّنا نروح على أهلنا، ولّا أنت عاجبك ننام على الرصيف جنب الشب
اللي عندك؟
فصاح علي النعيمات:
— خلص يا زلمة، هيّو كمّلنا وبدّنا نروح!
نظرت ماري إلى صايل وهي تلوّح بيدها تحية الوداع، ثم نظرت إلى يدها كمن يتذكر
شيئًا، ونزعت سوارًا مظفورًا من خيوط ملونة عن معصمها وطوّقت به معصم صايل الأيسر،
وقبّلت وجنته قائلة:
— الله معك.
مضت الأيام. جلس صايل على الصخرة، يستحضر ذلك الشعور المحفور في قلبه كما حُفر
اسماهما في الحجر. كان ينتظر الباصات، التي لم تعد تمر..
تغيّر الطريق إلى البتراء، ولم يخبره أحد. لم يجد أحد ضرورة في إخبار صايل بذلك،
لأنه لا يسأل أحدًا ولم يكن أحد يعلم بما يدور في خلده ويعتمل في صدره.
ظلّ يأتي، يومًا بعد يوم، حتى عثر عليه أحد أبناء القرية ممدّدًا إلى جانب الصخرة،
قابضًا بيده اليمنى على الاسمين المنقوشين.
وكان قد فارق الحياة.
أنطولوجيا الهامش
والأثر: تفكيك رمزي ومفهومي لقصة "حبة في صخرة"
فوقَ مَدارجِ الرّيحِ
وفي مَهبِّ الصّقيعِ المُرّ، يَنحدرُ الوعيُ الإنسانيُّ كُلَّ يومٍ نَحوَ واديهِ
السَّحيق، حاملاً عِلَلَهُ الجَسديّةَ كأثقالٍ سيزيفيّةٍ لا تَبغِي خَلاصاً، بل
تَنشُدُ في صَمتِها اعترافاً بـ"الكينونة". هُناك، حَيثُ تَلتقي غُربةُ
الرُّوحِ بِصَلابةِ المادّة، تَقبعُ الصَّخرةُ كَشاهدٍ أصمَّ على عَبثِ العَالَمِ
الصّاحبِ المَارِّ دُونَ التِفات. إنَّهُ السُّقوطُ المتكرِّرُ والنُّهوضُ
المستحيل، جَسدٌ يَتلاشى ومَحوٌ يَتحدَّى النِّسيان، نَظرةٌ عابرةٌ مِن عيْنٍ
واحدةٍ تَخرقُ حِجابَ العُزلة، لِتَصنعَ مِن لَمسةِ يَدٍ غَريبةٍ إشراقاً
أنطولوجياً يَهزُّ جُمودَ المادّة. هُنا لَيسَ المَوتُ عَدماً مَحضاً، بل هُو
القبضةُ الأخيرةُ الشَّاهدةُ على كَسرِ الدَّائرة، ونقشُ الاسمِ الجَوهريِّ في
لَحمِ الحَجر، لِتَظلَّ الحَبّةُ المَنسيَّةُ نَابضةً في رَحمِ المَأساة، تُعلنُ
أنَّ المَعنى لا يَموتُ وإنْ غُيِّرَتْ طُرُقُ العَابِرين.
يقدم نص "حبة
في صخرة" بنية سردية مشحونة برؤية فلسفية عميقة تتجاوز حدود الحكاية
الواقعية لقرية "الشوبك" الجبلية المعزولة، لترتفع بالحدث السردي إلى
مصاف الأطروحة الوجودية الكونية. إنها قصة الصراع الأزلي بين الوعي الإنساني
المتناهي الصغر والضعيف، وثقل المادة الصماء المحكومة بالضرورة الحتمية والعبث.
أولاً: هندسة المكان
الكابوسي وجدلية (الداخل/الخارج)
يتأسس الفضاء الجغرافي
في النص بناءً على تضاد حاد يعكس اغتراب الكائن الإنساني؛ ويمكن معاينته من خلال
محورين:
- الفضاء
الطارد (المنفى الأنطولوجي): يبدأ النص
من الأعلى، من "البيت المنحوت في سفح جبل أجرد". هذا المسكن لا
يمثل الرحم الدافئ أو الملاذ الآمن بمفهوم غاستون باشلار، بل يبدو
كـ"ثقب أسود في جبل صلد"، تمارس فيه الأم حركة عبثية تشبه
"حركة دجاجة مذعورة". إنه فضاء يقذف بساكنيه نحو الأسفل هرباً من
العزلة والعدم.
- المكان
الأليف المقتطع (الصخرة): في المقابل،
يقتطع "صايل" من هذا العالم الممتد والقاسي مساحة ضيقة جداً لا
تتجاوز "نصف متر مربع" وهي "الصخرة الملساء". هذه الصخرة
التي تمثل جدار الوجود الصامت أصبحت بفعل التكرار اليومي كرسياً وملاذاً
مألوفاً، إنها الحدود الفيزيائية التي يمارس من خلالها صايل وظيفته الوجودية
الوحيدة: المراقبة والانتظار.
ثانياً: فينومينولوجيا
الجسد العاجز ومفهوم الـ (Conatus)
يطرح النص إشكالية
الجسد الإنساني عندما يتحول من أداة للفعل والحرية إلى قيد مادي ثقيل، وهو ما
يعيدنا إلى أطروحات ميرلو-بونتي حول "الجسد الذاتي":
- الآلة
المعطوبة والمقاومة: صايل لا
"يملك" جسداً، بل هو "هو جسده" المشلول نصفياً، الملتوي
الفم، والمنغلق العين. تحرّكه اليومي نزولاً عبر الطريق المتعرج يحاكي
الأسطورة السيزيفية؛ إنه يجسد مفهوم الفيلسوف سبينوزا عن الـكوناتوس (Conatus)
— أي الجهد الوجودي ونزوع الكائن المحتوم للاستمرار في وجوده وإعلان كينونته
رغم كثرة العلل وخِذلان المادة.
- الوعي
اللحظي والأثر الصامت: يعيش صايل في وعي
"آني، بسيط، خالٍ من الماضي والمستقبل"، لكن هذا الوعي البسيط يطرح
أسئلة وجودية كبرى تعجز القرية بأكملها عن مجابهتها: "أهو صخبهم ما
يصنع سعادتهم، أم سعادتهم هي ما يفيض صخبًا؟"؛ وهي أسئلة تظل معلقة
لغياب الشريك المعرفي الذي يشاركه التفكير فيها أو "الصمت عنها".
ثالثاً: نقد العقل
الجمعي والمفارقة الأخلاقية
يمارس النص تفكيكاً
حاداً لبنية المجتمع المحيط بالبطل، مستدعياً نقد نيتشه وكيركغارد لـ"أخلاق
القطيع" والوعي الجمعي:
- تسييج
الهامش واغتراب الأب: يظهر الأب
الخمسيني ككائن "يقبع خلف هامش الحياة بسنين وأميال"، يتلقى سخرية
المجتمع بابتسامة بلاهة كآلية دفاعية ضد وعي المأساة. المجتمع هنا يطالب الأب
بـ"تسييج العاهة" وإخفاء الابن بعيداً عن الشارع العام لحماية
المشهد اليومي من القبح.
- التدين
الشكلي في مقابل أصالة الفعل الأخلاقي:
تتبدى ذروة المفارقة عند المسجد؛ فالركاب والسائق يهرعون لأداء الصلاة
ويمارسون تصنيفاً إقصائياً للآخر بوصفه "كافراً"، بينما
"الآخر الغريب" (ماري الأسترالية) هي الوحيدة التي تمارس جوهر
الفعل الأخلاقي والإنساني الأصيل (التعاطف، مسح الجرح، بذل الطعام، والاعتراف
بكينونة الآخر).
- الإحالة
التبريرية: يتخلص المجتمع (وصايل وأهله)
من عبء المسؤولية الأخلاقية والمعرفية تجاه هذه المأساة المتحركة عبر إحالتها
الجاهزة إلى "إرادة الله"، وهي آلية تبريرية لتعطيل السؤال
والمساءلة.
رابعاً: إشراق الذات
ونقش الماهية على حجر الوجود
يمثل دخول
"ماري" إلى فضاء صايل السردي نقطة التحول الأنطولوجي الكبرى في النص:
- نظرة الآخر
والانبثاق المعرفي: في الفلسفة
الوجودية (سارتر و هايدجر)، لا يمكن للذات أن تعي ماهيتها إلا عبر نظرة الآخر
والاعتراف به. حين تسأل ماري: ?Are
you okay وتمسك بيده، يستفيق صايل لأول مرة؛ حيث
نُقل من مرتبة "الشيء المهمل" في الشارع إلى مرتبة "الذات
الإنسانية". العطر، والمنديل، وسوار الخيوط الملونة، وقبلة الوجنة، كلها
أدوات ظاهراتية أعادت لجسده كرامته الوجودية.
- فعل الحفر
كتحقيق للماهية: عندما استخدمت
ماري مفك البراغي لتحفر على الصخرة: هنا التقت ماري بصايل، فإنها لم
تمارس فعلاً سياحياً عابراً، بل مارست "فعلاً تأسيسياً ميثولوجياً".
لقد حوّلت الصخرة من مادة صماء محايدة إلى "موضوع ذي دلالة تاريخية"
يحمل أثر الذات. هذه الكتابة هي مقاومة فعلية للمحو والعدم.
خامساً: المفارقة
الجيو-فلسفية وانغلاق الأفق الزمني
- البتراء
والشوبك: يضعنا النص أمام تقابل حاد
بين "البتراء" (الصخرة التاريخية الكبرى العظيمة، مقصد الثروة
والجمال والحركة) و"الشوبك" (فضاء الصقيع، والجوع، والموت
الهامشي). صايل لا يعرف البتراء ولم يرها، لكن "المعنى الجوهري"
للوجود لم يتجلَّ له في التاريخ الكبير والآثار العظمى، بل تجلّى في الحفر
البدائي البسيط على صخرته المنسية في الشوبك.
- انكسار
الزمن والضرورة القاتلة: ينقلب النص نحو
التراجيديا عندما يتغير مسار الطريق وتنقطع الباصات. في عالم "الـ هم"
(Das Man)[1]
عند هايدجر ، يتحرك العالم ويمشي التاريخ دون أن يجد ضرورة لإعلام الكائن
المهمش. يعود صايل إلى "الزمن الدائري" الرتيب لكنه هذه المرة زمن
مفرغ من الأمل، ومحكوم بانتظار باصات لن تأتي.
الخلاصة: انتصار
"الحبة" وتثبيت المعنى
ينتهي النص بنهاية
محملة بكثافة رمزية عالية تتسق مع عتبة العنوان المستلهمة من الآية القرآنية
المسموعة من المئذنة في ذروة اللقاء:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا
إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ...﴾
يموت صايل ممدداً بجانب
الصخرة، لكنه يموت "قابضاً بيده اليمنى على الاسمين المنقوشين".
فلسفياً، هذه القبضة الأخيرة هي التوقيع النهائي على انتصار الماهية؛
فـ"الحبة" (صايل) رغم فنائها البيولوجي الحتمي، استطاعت أن تترك علامتها
الجوهرية محفورة في جسد "الصخرة". لم يكن الموت هنا عدماً محضاً، بل
تحولت الصخرة من أداة شقاء يومي إلى "شاهدة قبر" تخلد لحظة المعنى
والمحبة الوحيدة التي بررت، وأضاءت، هذا الوجود الشاق بأكمله.
#حبة_في_صخرة
#النقد_الأدبي #التحليل_الفلسفي #الوجودية_في_الرواية #قصص_قصيرة #أدب_الهامش
#فلسفة_الجسد #LiteraryCriticism #PhilosophicalAnalysis
#OntologicalNarrative #ShortStoryReview #ArabicLiterature #Existentialism
[1] مصطلح
Das
Man
هو تعبير
ألماني شهير في الفلسفة، وتحديداً في فكر الفيلسوف الألماني "مارتن هايدجر" (Martin Heidegger) في كتابه الشهير
"الوجود والزمان
· المعنى الحرفي: يُترجم في اللغة اليومية إلى "الـ" المحايدة مع ضمير الغائب "المرء" أو "الناس".· المعنى الفلسفي: يُشير إلى "الآخرين" أو "الجمهور" أو "العامة". وهو يصف حالة فقدان الفرد لشخصيته وذاتيته ليصبح "نسخة مكررة" من الأشخاص المحيطين به
أبرز أفكار هايدجر حول Das Man:
· نمطية السلوك: عندما نتصرف ونفكر ونحكم على الأشياء بالطريقة التي يتوقعها المجتمع منا (أي كما يفعل "الناس")، فنحن نعيش تحت سيطرة هذا المفهوم.· الامتثال للقطيع: يصف هايدجر كيف يذوب الفرد في الحشود ويتبنى قيم المجتمع الجاهزة دون تفكير أو نقد، مما يسلب الإنسان أصالته ويجعله يعيش حياة "غير أصيلة" (Inauthentic).· تسطيح الحياة: يرى هايدجر أن "الناس" أو "Das Man" يفرضون نمطاً متشابهاً ومملّاً في كل شيء، ويسحقون أي تميز أو إبداع فردي


أشعر بالغبطة و الفخر و أنا أقرأ هذا الاهتمام و التحليل العميق و الاستثنائي، من لدن استاذي الخبير في مجالات الأدب و الترجمة و الفكر النقدي. فمهما كان النص الإبداعي مكثفاً و عميقا فلن يكون مؤثرا دون عين فاحصة ناقدة خبيرة تستكشفه . هذا التحليل وظف الأدوات التقنية المرهفة للنقد، مسلحة برؤى فلسفية عميقة وكل ذلك معزز برؤية إنسانية تجنح نحو الواقعية أكثر من جنوحها نحو الطوباوية و المثالية. هكذا يكون الفعل النقدي حينما يكون الناقد متمرسا متمكنا من أدواته عليما بطرق توظيفها. و محيط بتوجهات الكتابة الخلاقة و مدارسها النقدية، تاريخها و حاضرها. كل التقدير لأستاذي الفاضل محمد نجيب و أدعو الله أن لا يحرمنا من مزيد عطائه و إبداعه
ردحذف