المشاركات

عرض المشاركات من يوليو 12, 2026

مدام بوفاري ومرض الكلمات :كيف تصنع اللغة رغباتنا؟

صورة
  هناك سؤال يبدو بسيطاً لكنه يخفي وراءه واحدة من أعقد مشكلات الوجود الإنساني : هل نحن نرغب بما نريده حقاً، أم أننا نتعلم أولاً ماذا ينبغي أن نرغب؟ عادةً ما نتصور أن الرغبة هي أكثر الأشياء خصوصية في الإنسان. نحن نعتقد أن رغباتنا تخرج من أعماق ذواتنا، وأن ما نحبه أو نحلم به يعبر عن شخصيتنا الفردية. لكن الرواية العظيمة   كثيراً ما تكشف أن الإنسان أقل استقلالاً مما يتخيل . فقبل أن يرغب الإنسان، هناك دائماً شيء سبقه:   كلمة . صورة . قصة . نموذج . أو حلم ورثه من الآخرين . وهذا هو الاكتشاف العميق الذي تقدمه رواية مدام بوفاري . فمأساة إيما بوفاري ليست أنها امرأة لديها أحلام كبيرة، كما اعتاد بعض القراء تفسيرها. وليست أنها تزوجت الرجل الخطأ فقط، أو أنها عاشت في بيئة ريفية ضيقة لا تناسب طموحاتها . أن المشكلة أعمق . إيما لم تكن تبحث عن الحياة . كانت تبحث عن الحياة كما تعلمت اللغة أن تصفها . لم تكن تبحث عن الحب فقط . كانت تبحث عن صورة الحب التي سبقتها إلى ذهنها قبل أن تختبر الحب نفسه . لقد عاشت داخل الكلمات قبل أن تعيش داخل العالم . ومن هنا تصبح مدام بوفاري أكثر من ر...

الحماقة كاستراتيجية للنجاة: قراءة في 'المعمار المعرفي' عند إيراسموس

صورة
  يُعتبر كتاب   في مديح الحماقة     In Praise of Folly ، الذي كتبه الفيلسوف الهولندي ديزيديريوس إيراسموس عام 1509   ونُشر عام 1511، أحد أهم الأعمال الأدبية والفلسفية في عصر النهضة الأوروبية . لا يمدح إيراسموس " الحماقة " بالمعنى السلبي الساذج، بل يستخدمها كـ قناع أدبي (سخرية) ليقوم بـ نقد لاذع للمجتمع، الكنيسة، والعلماء في عصره . " الحماقة" هنا تتحدث بلسانها، وتجادل بأن الحياة لا تستقيم بدون جرعة من الحماقة؛ فالبشر لولا شيء من "الجهل المقدس" أو التغاضي، لما استطاعوا تحمل مشاق الحياة أو العلاقات الإنسانية . المقال مكتوب على شكل "خطبة" تلقيها الحماقة بنفسها (تجسيد لشخصية الحماقة "موريا"). هذا الاختيار كان ذكياً جداً : إذا انتقد شخصٌ عادي المؤسسات الدينية أو السياسية في ذلك العصر، فقد يتعرض للمحاكمة أو الحرق . أما إذا كانت "الحماقة" هي من تتحدث، فيمكنها قول الحقائق المرة تحت غطاء الضحك والتهكم دون أن تُحاسب . استخدم إيراسموس الحماقة لتوجيه سهام نقده نحو : الفساد الكنسي : نقد رجال الدين الذين يتظاهرون بالتقوى...