محمد خضير: سرد الذاكرة والمدينة والغياب

 



 

في كل قراءة لمحمد خضير، يشعر القارئ كأنه يدخل مدينة من الحبر، يطلّ عليها الضوء من نوافذ الغياب. إنّ قصصه لا تُروى بقدر ما تُرى، ولا تُحكى بقدر ما تُستعاد. إنه واحد من أولئك الكتّاب الذين جعلوا من القصة القصيرة فنًّا للتأمل الوجودي والجمالي معًا، لا مجرد حكاية أو موقف. في تجربته يتقاطع الحلم مع الوثيقة، الواقع مع الأسطورة، والمكان مع الذاكرة، لتولد كتابة ذات نَفَسٍ فلسفي عميق وجمال لغوي نادر.

 1. البدايات: من القصة إلى الرؤية

وُلِد محمد خضير في البصرة عام 1942، في مدينةٍ لا تشبه سواها: مدينة الماء والميناء، والضوء الرمادي الذي يتسلل من بين غيوم الخليج، حاملاً معه صدى السفن والغربة. هناك، في تلك التخوم بين اليابسة والماء، تفتحت رؤيته السردية. بدأ نشر قصصه في ستينيات القرن العشرين، في زمن كانت فيه القصة العربية تبحث عن صوت جديد، مختلف عن الواقعية التقليدية.

 

في مجموعاته الأولى، وعلى رأسها المملكة السوداء (1972)، تتبدّى ملامح مشروعه الفني بوضوح: عالم داخلي مشحون بالتوتر، وأسلوب لغوي كثيف يكاد يلامس الشعر، وبناء سردي لا يخضع لخطية الزمن بل يلتفّ حول ذاته مثل دوامة من الصور والذكريات. في قصة «رؤيا خريف» مثلاً، يتحدث السارد بصوتٍ متردد بين الماضي والحاضر، كأنه يستحضر موتًا رمزيًا للمكان والإنسان معًا. وفي قصة «الخراب»، يكتب عن المدينة الممزقة كأنها كائن يحتضر:

 

"كانت البصرة تسحب أذيالها في الغبار مثل عجوز أنهكها المرض، وكنت أمشي في شوارعها كمن يفتش في جسده عن ذكرى بعيدة."

 

هذه الجملة وحدها تختصر ما يمكن تسميته بـ "الواقعية الشعرية" عند محمد خضير؛ حيث تتحول المدينة إلى مرآة للذات، ويتحول الخراب إلى مادة للكتابة لا للبكاء.

 

 2. الأسلوب: بين السينما والقصيدة

 

يتعامل محمد خضير مع القصة كما يتعامل المخرج السينمائي مع الكادر. لغته بصرية إلى حد بعيد؛ يرى الأشياء قبل أن يصفها، ويمنح المكان بعدًا صوتيًا وبصريًا يكاد يجعله يتحرك أمامنا. في نصه الشهير في درجة 45 مئوي، تُروى القصة كأنها مشهد متكرر في فيلم: العرق، الضوء، الصمت، والانتظار. حرارة الجنوب العراقي هنا ليست مجرد طقس، بل رمزٌ لاحتراق الروح واحتباس الزمن.

 

تتخذ قصصه بناءً غير خطي، يعتمد على التقطيع، والمونتاج، واللقطة المتكررة، كما لو كان يكتب بالكاميرا لا بالقلم. يتأثر خضير بوضوح بالسينما الإيطالية الجديدة، وبشكل خاص بأفلام أنطونيوني وبرغمان، حيث البطء والتأمل والفراغ يصبحون أدوات للكشف لا للزينة. لكنه يعيد تشكيل تلك التأثيرات ضمن سياق عربي عراقي، حيث يتجاور الواقعي بالأسطوري، وتتحول الصورة إلى سؤال أخلاقي: كيف نروي ونحن داخل الحطام؟

 

لغته مشبعة بالمجاز، لكنها ليست زخرفية. المجاز عنده وسيلة للنجاة من المباشرة، ومن لغة الصحافة أو الخطاب الأيديولوجي. كأنه يصرّ على أن الفن لا يصف العالم بل يخترع طريقة جديدة لرؤيته. ولهذا قال مرة في أحد حواراته: "القصة ليست حدثًا، إنها أثر الحدث في الروح."

 

 3. التأثر والتكوين

 

ينتمي محمد خضير إلى جيل تأثر بـ الحداثة الشعرية العراقية كما صاغها السياب والبياتي وبلند الحيدري، فحمل إلى القصة القصيرة شيئًا من إيقاع الشعر وجرأته الرمزية. لكنه في الوقت ذاته ابن المدرسة الواقعية التي أسسها غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي، مما جعله يقف في منطقة وسطى بين الواقعية والرمزية، بين السرد الحكائي والسرد التأملي.

 

تأثر أيضًا بأدب اللاتينيين مثل بورخيس وماركيز، الذين منحوه جرأة في التعامل مع الزمن والحلم والأسطورة. لكن عند خضير، الأسطورة ليست غريبة عن الواقع؛ إنها تنبع منه كما تنبع الينابيع من الأرض المالحة. فحين يكتب عن مدينة أو شارع، يبدو أنه يكتب عن عالمٍ ينهار ببطء، لكنه يترك وراءه أثرًا من الجمال.

 

 4. المدينة والذاكرة

 

من المستحيل قراءة محمد خضير دون أن نسمع أنفاس البصرة في كلماته. فهي ليست مكانًا في نصه، بل كيان حيّ — أنثى منسية، أو جرح في الذاكرة، أو شجرة مغموسة في نهرين. في «كتاب البصرة»، وهو من نصوصه المتأخرة التي تمزج بين السيرة والكتابة التأملية، يكتب:

 

"كنت أرى البصرة وهي تنزلق من أصابع الضوء إلى ظلمة النسيان، لكنّ الكتابة كانت تعيدها إليّ في كل مرة."

 

هنا يبلغ مشروعه ذروته: الكتابة بوصفها مقاومة للنسيان. المدينة في قصصه تتفتت، لكن السرد يعيد بناءها على الورق. إنه كاتب الخراب الجميل، الذي يحوّل الفقد إلى مادة للمعنى، والحطام إلى شكل من أشكال الذاكرة.

 

 5. أثره في الأجيال اللاحقة

 

أثر محمد خضير في جيل كامل من كتّاب القصة في العراق والعالم العربي. لقد فتح الباب أمام القصة التأملية والرمزية بعد أن كانت القصة العربية تميل إلى الواقعية المباشرة. من الواضح تأثيره في تجارب مثل لطفية الدليمي، حسين عبد اللطيف، وعبد الستار ناصر، بل وفي كتّاب عرب لاحقين مثل إبراهيم الكوني ورفيق شامي في ميلهم إلى الدمج بين الأسطورة والتاريخ والذات.

لقد جعل القصة القصيرة فنًّا ناضجًا قائمًا بذاته، لا مقدمة للرواية ولا تمرينًا لغويًا. ولهذا يُعدّ محمد خضير، بحق، أحد الآباء المؤسسين للحداثة السردية العربية، لا في العراق فقط، بل في العالم العربي بأسره.

 

 6. الكتابة كنجاة

 

في نصوصه المتأخرة، يصبح السرد أكثر هدوءًا وتأملاً، كأنه نوع من الصلاة السرية. يتحول الصوت السردي إلى عينٍ داخلية تتأمل العالم ببطء. لم يعد معنيًا بالحدث بل بالأثر، لا بالزمن بل بما يتركه الزمن في الذاكرة. وهذا ما يجعل كتاباته تقترب أحيانًا من التصوف، حيث يتحول الألم إلى معرفة، والكتابة إلى خلاص.

 

يكتب في أحد نصوصه المتأخرة:

 

"نحن لا نكتب ما رأيناه، بل ما تَركه المشهد فينا بعد أن انصرف."

 

بهذه العبارة يمكن أن نلخّص رؤيته للكتابة كلها: أنها استعادة للغائب، وتأمل في ما لا يُقال، وحراسة للذاكرة من الفناء.

 

 7. مكانته في القصة العربية

 

يُعدّ محمد خضير اليوم من أبرز الأسماء التي شكّلت هوية القصة القصيرة العربية الحديثة. جمع بين الحسّ الشعري والبناء الفني الدقيق، بين الانتماء للمكان والقدرة على التجريد، بين البساطة العميقة والتعقيد الهادئ. كتاباته لا تُنسى لأنها لا تقدّم حكاية، بل تجربة حسية وروحية كاملة.

إنه الكاتب الذي كتب عن البصرة، لكنه في الحقيقة كتب عن الإنسان العربي في لحظة الهشاشة القصوى — لحظة بين الدمار والأمل، بين الغياب والكتابة. وربما لهذا، تبدو قصصه اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى.

محمد خضير ليس مجرد قاصّ، بل صانع رؤى. جعل من السرد مختبرًا للتفكير في الوجود والزمن، ومن اللغة حديقةً تتفتح في الخراب. قصصه تشبه المرايا القديمة: حين ننظر فيها، نرى وجوهنا وقد امتزجت بالغبار، لكننا نكتشف أيضًا في أعماقها ضوءًا لا يخبو.إنه الكاتب الذي أثبت أن القصة القصيرة يمكن أن تكون فلسفةً في شكل حلم، واعترافًا في شكل مشهد، وصلاةً في شكل حكاية.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير