السينما العربية: ذاكرة ونضال ورؤية
للمراقب الأجنبي،
تبدو السينما العربية مألوفة وغامضة في الوقت ذاته ، كمرآةٍ تتلألأ في صحراء الزمن،
تنبعث من أراضٍ من رمال وبحر، من إمبراطوريات قديمة وثورات لم تكتمل، ومن مدنٍ تعانق
الحداثة وتحتضن الماضي. إنها سينما تكون شاهداً قبل أن تسلّي، تتذكر قبل أن تبهج، وتواجه هشاشة الوجود
بينما تحتفل بصمود الحياة، مسجّلة نبض الشعوب وصمتها، وأحلامها المؤجلة. على عكس اليقين
المصطنع لهوليوود أو التقاليد الأكاديمية للسينما الأوروبية، كانت السينما العربية
دائمًا سينما الصمود والارتجال، مرآةً لطموحات المجتمعات، وأحزانها، وأسئلتها المتجددة،
وكأن كل لقطة هي شهادة على صبر وتحدّي الشعوب.
تبدأ الحكاية
في العقود الأولى من القرن العشرين، حين بدأت الصور المتحركة تتلألأ في الإسكندرية
والقاهرة. مصر، بمسارحها النابضة واستوديوهاتها المتوهجة، أصبحت مهد صناعة السينما
العربية، منتجة فنًا نابضًا ومزدهرًا هيمن على المنطقة لعقود. في تلك السنوات التأسيسية،
كانت السينما ميلودرامية وموسيقية، تمزج بين بريق النماذج الغربية وإيقاعات الحياة
المحلية، بين الخيال والواقع، بين الحلم واليأس. أفلام مثل الوردة البيضاء ودعاء الكروان
لم تكن مجرد قصص، بل كانت أعمال تفاوض ثقافي، تشكّل الحداثة العربية بما يوازن بين
الفولكلور والطموح والواقع الاجتماعي لدولة تحاول الخروج من نير الاستعمار. وللأجنبي،
كانت هذه الأفلام نافذة على روح الشعوب العربية، مرآة للهوية الجمعية، وسجلًا لتطلعات
مجتمعٍ يفتش عن ذاته.
مع خمسينيات
وستينيات القرن الماضي، شهدت السينما العربية تحوّلًا نوعيًا. بدأ مخرجوها مثل يوسف
شاهين، توفيق صالح، وصلاح أبو سيف في استكشاف القدرة الأخلاقية والجمالية للسينما على
تصوير الظلم الاجتماعي، الصراعات النفسية، والاغتراب الحضري. في فيلم شاهين باب الحديد
(1958)، تلتقط الكاميرا هامش المجتمع، مصوّرة الإنتظار واليأس لدى الفقراء، والعنف
الناتج عن الإحباط، لتصبح محطة القطار رمزًا لتقاطع الطبقات الاجتماعية وتلاقي الأحلام
والخذلان. ويمتد عمل صالح في المخدوعون إلى سوريا وفلسطين، مستعرضًا التشرد، الخيانة،
والمعاناة التاريخية بواقعية صارمة. هنا، يدرك الأجنبي أن السينما العربية ليست ترفيهًا
فحسب، بل ضميرًا أخلاقيًا: تحقّق في هياكل المجتمع، تكشف عن الظلم، وتواجه الحقائق
المؤلمة دون خوف.
خلال هذه
الفترة، نضجت السينما العربية لتصبح هجينة بين الواقعية والأليغوريا الشعرية. في المومياء
(1969)، حوّل شادي عبد السلام السرد التاريخي إلى تأمل جمالي، جامعًا بين الدقة الشكلية
والاستفسار الأخلاقي، حيث يصبح الماضي المصري نصًا حيًا يقرأه الحاضر بعيون واعية.
بالمثل، قدم صلاح أبو سيف في أفلامه الواقعية الحضرية مثل البداية والنهاية والقاهرة
30 تصويرًا نفسيًا عميقًا لحياة الناس العاديين، كاشفًا عن تشوّهات الحداثة وثمنها
البشري والأخلاقي. في كل مكان، أصبحت السينما العربية وسيلة لطرح الأسئلة الجوهرية
عن الوجود، العدالة، والهوية، وفضاءً للشعرية التي تحافظ على إنسانية الرؤية.
شهدت السبعينيات
والثمانينيات السينما العربية وهي تواجه الاضطراب السياسي والمنفى والتهجير القسري.
وثّق مخرجون لبنانيون مثل مارون بغدادي تمزق الحرب الأهلية في بيروت، بينما استكشف
مخرجون جزائريون وتونسيون، بما في ذلك مرزاق علوش والأخضر حامينا، قضايا الهوية ما
بعد الاستعمار والقمع الاجتماعي والتحولات الحضرية. وأصبحت سرديات فلسطين، من خلال
المنفى والتهجير، محورًا في السينما الإقليمية، حيث يُنظر إلى التشرد ليس كواقع سياسي
فحسب، بل كتحدٍ نفسي وأخلاقي وفني. تميزت سينما هذه الفترة بأسلوب يجمع بين الواقعية
الوثائقية والشعرية البصرية، مجسدة قدرة المخرج على مواجهة أقسى الحقائق التاريخية
مع الحفاظ على جماليات الصورة والسرد. ومن منظور الأجنبي، أصبح واضحًا أن قوة السينما
العربية تكمن ليس في البهرجة أو التقنية، بل في القدرة على الشهادة والتمثيل الحي لتجارب
غير مرئية.
من التسعينيات
فصاعدًا، دخلت السينما العربية مرحلة جديدة من العولمة، مع الحفاظ على صوتها النقدي
الداخلي. مخرجون مثل نادين لبكي (سكر بنات، 2007)، إيليا سليمان (يد الهية ، 2002)،
نبيل عيوش، وكوثر بن هنية قدّموا قصصًا حميمة عن المرأة، الهجرة، الذاكرة، والتحولات
الحضرية، مستخدمين أساليب تمزج الفكاهة، السخرية، والشعرية البصرية لاستكشاف القضايا
الاجتماعية والسياسية الراهنة. تصوير لبكي لحياة النساء اليومية، وسليمان لأبسط لحظات
الاحتلال والعبث الفلسطيني، وعيوش لمحن الشباب والمهمشين، كل ذلك يظهر سينما في حوار
مستمر مع الجمهور المحلي والدولي. ومن منظور الأجنبي، يظهر إنجاز واضح: السينما العربية
تجاوزت الحدود الإقليمية، لكنها حافظت على شعور عميق بالمكان، والتاريخ، والعدالة.
أكثر ما يثير
إعجاب المراقب الأجنبي في السينما العربية هو الخيال الأخلاقي المستمر والصمود الفني.
على الرغم من القيود، الموارد المحدودة، والرقابة المشددة ، أنتج المخرجون أعمالًا
غنية عاطفيًا وفكريًا، تكشف عن التزام عميق بالقضايا الإنسانية والاجتماعية. إن أعظم
إنجازاتها ليست تجارية أو تقنية، بل فنية وأخلاقية: دمج الشعرية بالواقعية، تحويل التجربة
اليومية إلى أبعاد بطولية، واستكشاف التساؤلات الأخلاقية التي تتردد صداها عبر الثقافات.
أفلام مثل باب الحديد، المومياء، المخدوعون، بيروت الغربية، وسكر بنات تظهر التزامًا
باستكشاف التعقيد الإنساني، العدالة الاجتماعية، والوعي التاريخي من خلال الصورة المتحركة.
كما خلقت
السينما العربية لغة ذات رمزية وعمق أخلاقي، حيث لا تكون محطات القطار، الصحراء، الأحياء
الفقيرة، أو المنازل المتصدعة مجرد خلفيات، بل مناظر نفسية وأخلاقية تعكس مصائر البشر.
الكاميرا، سواء في شوارع القاهرة الصاخبة أو رمال صعيد مصر الصامتة، تصبح أداة للتفكر،
والتعاطف، والنقد الاجتماعي. يلاحظ الأجنبي في هذه الصور سينما تتحدى الافتراضات عن
الحداثة، الهوية، والانتماء. إنها في الوقت نفسه سجل تاريخي، وتأمل في الفقد، ومساحة
خيالية للأحلام المؤجلة.
خلاصة القول،
إن السينما العربية منذ بداياتها وحتى حضورها العالمي المعاصر، أظهرت قدرة استثنائية
على الصمود، التأمل، والمشاركة الشعرية مع التاريخ والمجتمع. إنها سينما المثابرة:
لصانعيها الذين تجرأوا على النظر فيما يتجاهله الآخرون، التحدث بما يسكت عنه الجميع،
وتخيل كرامة إنسانية غالبًا ما تهرب من شخصياتهم. للأجنبي، تقدم السينما العربية أكثر
من مجرد ترفيه؛ إنها لقاء مع الأبعاد الأخلاقية والجمالية للحياة العربية: مرآة للذاكرة،
لوحة للصراع، ووعاء للأمل. في أفضل لحظاتها، تفعل السينما العربية ما يجب على كل فن
عظيم فعله: تتذكر عمن لا يستطيعون التذكر، وتحلم عمن لا يجرؤون على الحلم.


تعليقات
إرسال تعليق