القصر الذي يبتلع البشر: تفكيك العنف والسلطة في رواية ترمي بشرر للروائي السعودي عبده خال

 

 

 

عبده خال


الجلاد والضحية في جسد واحد: كيف صدمتنا ترمي بشرر؟

رواية ترمي بشرر للكاتب السعودي عبده خال الصادرة عام 2010 والفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية 2010. عنوان الروایة مقتبس من القرأن الكريم إنّها تَرمي بِشرَرٍ كَالقَصرِ، كأنّه جِمالةٌ صُفْرٌ  من سورة المرسلات  الآية رقم 32-33. يشير العنوان إلى الشرر الذي ينبعث من الرواية، التي تعري أصحاب القصور الأثرياء الفاسدين والمستبدين، والذين يدعون في الخطاب الرسمي أنهم يطبّقون أحكام الشّريعة، بينما الأحداث خلف الأسوار تفضح فسوقهم وعدوانهم

يقول المؤلف عن الرواية واصفاً الفقر والغنى الفاحش فيها والتمازج بينهما: هناك أقلام فاخرة بآلاف الريالات، وهناك أقلام تسعيرتها بنصف ريال، و القلم الغالي والرخيص قادر على كتابة ما يدور في خلد الممسك به. وبين الغنى الفاحش والفقر المدقع تهرس أجساد كثيرة كحشوة أو لبدة تخفي شراهة ذلك السحق. تقع أحداث رواية ترمي بشرر في مدينة جدة. يرويها عامل بأحد القصور التي تشهد أحداثًا صاخبة ليلًا، ووظيفة هذا العامل -تحديدًا- هي تأديب أعداء رئيسه، رجل الأعمال مفرط الثراء، عن طريق الاعتداء على خصومه جنسيًّا وتصويرهم. تعدّ الرواية من أكثر الروايات التي أثارت جدلًا.، وقد حازت على الجائزة العالمية للرواية العربية، عام 2010، لجرأتها في مناقشة مواضيع حساسة لا يُتطرق إليها عادةً.

 


حين تُبتلع الروح: قراءة فلسفية في ترمي بشرر

ليست كل الروايات تُقرأ بوصفها حكايات؛ بعضُها يُقرأ بوصفه اختبارًا قاسيًا للوجود الإنساني نفسه. هناك نصوص لا تمنح القارئ متعة بقدر ما تجرّه إلى منطقة ملتبسة، حيث تتآكل الحدود بين الخير والشر، وبين الجلاد والضحية، وحيث يغدو السؤال الأخلاقي أكثر تعقيدًا من أن يُجاب عنه ببراءة.

في هذا الأفق المظلم تندرج رواية ترمي بشرر. إنها ليست رواية عن عالم منحرف بقدر ما هي رواية عن كيف يصبح الانحراف ممكنًا، بل طبيعيًا حين تُعاد صياغة الإنسان داخل منظومة قوة مطلقة. هنا لا نواجه شخصيات منفلتة فحسب، بل نواجه بنية خفية تعيد تشكيل الوعي، وتعيد تعريف القيم، بحيث يصبح السقوط نفسه شكلًا من أشكال الانسجام مع العالم.

منذ اللحظة الأولى، لا يضعنا النص أمام ضحية نرثي لها، ولا أمام مجرم ندينه بسهولة، بل أمام ذاتٍ منكسرة تعترف بانزلاقها دون أن تسعى إلى الخلاص. هذا الاعتراف لا يحمل طهارة التوبة، بل يحمل برودة الإدراك: كأن الإنسان، حين يبلغ أقصى درجات سقوطه، لا يعود يطلب النجاة، بل يكتفي بفهم آلية سقوطه.

وهنا تحديدًا تتجلى خطورة الرواية؛ فهي لا تكتفي بكشف القبح، بل تذهب أبعد من ذلك، إلى تفكيك الفكرة المريحة التي تقول إن القبح طارئ. على العكس، توحي بأن ما نعدّه انحرافًا قد يكون النتيجة المنطقية لعالم مختل في أساسه، عالم لا يكتفي بإنتاج الشر، بل يُعيد تدويره داخل النفوس حتى يصبح جزءًا من تكوينها.

إذا كان ميشيل فوكو قد تحدث عن السلطة بوصفها شبكة خفية تخترق الأجساد والعقول، فإن رواية ترمي بشرر تقدم تمثيلاً روائيًا حادًا لهذه الفكرة؛ حيث لا تعمل السلطة عبر القمع المباشر فقط، بل عبر الإغواء، والمراقبة، وإعادة تشكيل الرغبة نفسها. الإنسان هنا لا يُجبر على الخضوع فحسب، بل يُعاد تكوينه بحيث يرغب فيما يقهره.

بهذا المعنى، لا تعود الرواية مجرد نقد اجتماعي أو فضح أخلاقي، بل تتحول إلى سؤال وجودي عميق:
ماذا يبقى من الإنسان حين تُسلب منه قدرته على الرفض؟

هذا السؤال لا يُطرح بشكل مباشر، لكنه يتسلل عبر السرد، عبر الشخصيات، عبر تفاصيل صغيرة تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف في العمق عن تشققٍ هائل في بنية الذات. فالشخصيات لا تعيش صراعًا بين الخير والشر بالمعنى التقليدي، بل تعيش داخل منطقة رمادية، حيث تختلط الدوافع، وتتداخل الرغبات، ويصبح الحكم الأخلاقي نفسه موضع شك.

ولعل ما يمنح الرواية قوتها هو أنها لا تقدم خلاصًا. لا تَعِد القارئ بنقطة ضوء في نهاية النفق، ولا تمنحه عزاءً أخلاقيًا. إنها، على العكس، تدفعه إلى مواجهة سؤال أكثر قسوة:
هل الإنسان ضحية ما يعيشه، أم شريك فيه؟

بهذا، تتحول القراءة من فعل استهلاك جمالي إلى تجربة قلق حقيقي. القارئ لا يخرج من النص مطمئنًا، بل مثقلاً بأسئلة لا تنتهي، كأن الرواية لا تكتفي بأن تُروى، بل تُلقي بشررها داخل من يقرأها.

 

السلطة (القصر) بوصفها قدَرًا: القصر أو حين تتجسد الهيمنة

إذا كانت الرواية، في مستواها الأول، تبدو وكأنها مواجهة بين عالمين: قصر وحي، ثراء وفقر، فإن القراءة المتأنية تكشف أن هذا التقابل ليس سوى قشرة خارجية تخفي بنية أعمق : بنية السلطة بوصفها نظامًا يعيد تشكيل الواقع والإنسان معًا.

القصر في ترمي بشرر ليس مكانًا فحسب، بل هو نموذج مكثف لعالم مغلق، مكتفٍ بذاته، ينتج قوانينه الخاصة، ويُعيد تعريف ما هو مقبول وما هو مُدان. إنه فضاء لا يُقاس بالمعايير الأخلاقية المعتادة، لأن هذه المعايير نفسها تُعاد صياغتها داخله. هنا، لا يعود الخير فضيلة في ذاته، ولا الشر انحرافًا، بل يصبح كل شيء خاضعًا لمنطق واحد :  إرادة السيطرة.

يمكن قراءة هذا الفضاء في ضوء تصورات نيتشه عن إرادة القوة، حيث لا تكون السلطة مجرد أداة، بل غاية في ذاتها، تُمارَس لأنها ممكنة، ولأن امتلاكها يبررها. غير أن الرواية لا تقدم هذه الإرادة في صورتها البطولية أو الفلسفية، بل في أكثر تجلياتها انحطاطًا: سلطة تبحث عن ذاتها في إذلال الآخرين، وتؤكد وجودها عبر تحطيم إنسانية من يخضعون لها.

لكن ما يجعل هذا العالم أكثر تعقيدًا هو أنه لا يقوم على القهر المباشر فقط. فكما أشار فوكو، فإن السلطة الحديثة لا تعمل بالقمع وحده، بل عبر المراقبة والتطبيع وإنتاج الرغبات. وهذا ما نراه بوضوح: القصر ليس مجرد مكان تُمارس فيه السلطة، بل هو جهاز دقيق لإعادة تشكيل الإنسان. أن الكاميرات والقوانين الصارمة والطقوس اليومية، كلها ليست أدوات ضبط خارجي فحسب، بل وسائل لإعادة برمجة الداخل.

الإنسان داخل هذا الفضاء لا يُسلب حريته فقط، بل يُعاد تعريفه بحيث لا يعود قادرًا على تصور الحرية أصلًا. يصبح الخضوع حالة طبيعية، بل مرغوبة أحيانًا، لأن البديل – الخارج – يُقدَّم بوصفه فوضى أو حرمانًا أو عدمًا. وهنا تبلغ السلطة ذروتها: حين لا تعود بحاجة إلى فرض نفسها، لأن الخاضعين لها يتكفلون بإعادة إنتاجها.

في هذا السياق، لا يبدو السيد مجرد شخصية، بل تجسيدًا مكثفًا لهذه البنية. إنه ليس مهمًا بقدر ما يمثله: مركز تتحلق حوله كل العلاقات، نقطة يتقاطع عندها الخوف والرغبة، القهر والطموح. حضوره لا يُقاس بظهوره الفعلي، بل بمدى تغلغله في وعي الآخرين. إنه حاضر حتى حين يغيب، لأن النظام الذي يمثله يستمر في العمل بدونه.

وهنا تطرح الرواية مفارقة عميقة:
ليست المشكلة في وجود سلطة قاهرة فحسب، بل في قابلية الإنسان لأن يُعاد تشكيله بحيث يصبح جزءًا من هذه السلطة.

فالذين يدخلون القصر لا يُجبرون جميعًا بالقوة، بل يدخل بعضهم مدفوعًا بالحلم: حلم الثراء والصعود والنجاة من البؤس. غير أن هذا الحلم يتحول تدريجيًا إلى قيد، لأن الثمن الذي يُدفع ليس خارجيًا فقط، بل داخلي: تفكك الهوية، وتآكل الضمير، وانزلاق بطيء نحو المشاركة في العنف بدل مقاومته.

هنا، لا تعود السلطة شيئًا يُمارَس من الأعلى إلى الأسفل فقط، بل شبكة معقدة من العلاقات، حيث يتحول الخاضع نفسه إلى أداة قمع، ويشارك – بوعي أو بدونه – في استمرار النظام الذي يسحقه.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة القصر بوصفه مكانًا منفصلًا عن الحي، بل هو امتداده المنطقي. إنه الوجه الآخر للعالم نفسه، الوجه الذي يكشف ما يحدث حين تُترك السلطة دون مساءلة، وحين يتحول الإنسان من غاية إلى وسيلة.

وفي هذه النقطة تحديدًا، تتجاوز الرواية حدود النقد الاجتماعي المباشر، لتلامس سؤالًا أكثر خطورة:
هل الشر استثناء في بنية المجتمع، أم أنه نتيجة كامنة تنتظر شروطها لتظهر؟

 

من الضحية إلى الجلاد: انهيار الحدود الأخلاقية

إذا كان القصر يمثل بنية السلطة، فإن الشخصية المركزية تمثل النتيجة الأكثر رعبًا لهذه البنية: إنسان لم يعد قادرًا على التمييز بين كونه ضحية أو جلادًا. هنا لا نكون أمام تحوّل درامي تقليدي، بل أمام انزلاق بطيء، يكاد يكون غير مرئي، من موقع المعاناة إلى موقع ممارستها.

ما تقدمه الرواية ليس قصة سقوط أخلاقي فردي، بل كشفٌ لآلية أكثر تعقيدًا: كيف يُعاد إنتاج العنف داخل الإنسان نفسه. فالإنسان الذي يتعرض للقهر لا يحتفظ بهذا القهر بوصفه تجربة خارجية، بل يحمله في داخله، ويعيد صياغته، ثم – في لحظة ما – يعيد توجيهه نحو الآخرين.

بهذا المعنى، لا يعود الجلاد نقيض الضحية، بل امتدادًا لها.

يمكن قراءة هذا التحول في ضوء التحليل النفسي، حيث لا يُفهم العنف بوصفه انفجارًا مفاجئًا، بل كطاقة مكبوتة تبحث عن منفذ. غير أن الرواية تدفع هذا التصور إلى أقصاه: فالعنف هنا لا يُمارس فقط بوصفه رد فعل، بل يتحول إلى هوية. الشخصية لا تكتفي بأن تمارس القسوة، بل تبدأ في فهم ذاتها من خلالها، كأنها لا تملك وسيلة أخرى لإثبات وجودها.

هذا ما يجعل التجربة أكثر إرباكًا؛ لأننا لا نستطيع بسهولة أن نضع حدودًا فاصلة بين الإدانة والتفسير. هل نحن أمام مجرم ينبغي رفضه أخلاقيًا، أم أمام كائن مشوه ينبغي فهمه؟ الرواية لا تمنحنا إجابة جاهزة، بل تضعنا داخل هذا التوتر، وتجبرنا على التعايش معه.

في هذا السياق، تقترب الرواية من تصورات نيتشه حول هشاشة الأخلاق التقليدية. فحين تنهار البنية التي تمنح القيم معناها، لا يبقى أمام الإنسان سوى أن يعيد خلق قيمه الخاصة، حتى لو كانت هذه القيم قائمة على العنف أو الهيمنة. لكن الفرق هنا أن هذا الخلق ليس فعل قوة حرة، بل نتيجة تشويه عميق؛ كأن الإرادة نفسها لم تعد نقية، بل ملوثة بما تعرضت له من قهر.

وهنا تحديدًا تتجلى المأساة:
ليس لأن الإنسان سقط، بل لأنه لم يعد يرى في سقوطه مشكلة.

الانزلاق لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من التنازلات الصغيرة، من التبريرات، من التكيف اليومي مع واقع مختل. ومع كل خطوة، تتآكل الحساسية الأخلاقية، حتى يصبح ما كان مستحيلاً في البداية أمراً عادياً في النهاية. هذه العادية هي أخطر ما في الأمر، لأنها تعني أن الانحراف لم يعد يُدرك بوصفه انحرافًا.

لكن الرواية لا تكتفي بتصوير هذا التحول، بل تكشف عن بُعد أكثر قسوة: أن الجلاد نفسه لا ينجو من العنف الذي يمارسه. فالعنف، حين يُعاد إنتاجه، لا يبقى محصورًا في الخارج، بل يرتد إلى الداخل، يتحول إلى شكل من أشكال التآكل النفسي، إلى قلق دائم، إلى شعور خفي بالفراغ أو العدم.

وهنا يمكن استحضار فكرة فرويد عن تكرار الصدمة، حيث يعيد الإنسان تمثيل التجربة المؤلمة بشكل قهري، كأنه عاجز عن تجاوزها. لكن في الرواية، لا يبدو هذا التكرار محاولة للشفاء، بل تكريسًا للجُرح. الشخصية لا تعيد إنتاج العنف لكي تتحرر منه، بل لأنها لم تعد تعرف ذاتها خارجه.

بهذا، يتحول السؤال من: لماذا يمارس العنف؟ إلى: هل كان بإمكانه ألا يمارسه؟

وهذا السؤال هو ما يجعل الرواية مقلقة حقًا. لأنها لا تسمح لنا بالاطمئنان إلى فكرة أن الشر يخص الآخرين فقط. على العكس، توحي بأن الظروف نفسها، لو تغيّرت قليلًا، قد تدفع أي إنسان إلى المسار ذاته.

في النهاية، لا تقدم الرواية تطهيرًا أخلاقيًا، ولا لحظة ندم كافية لإعادة التوازن. بل تتركنا أمام حقيقة أكثر قسوة:
أن الإنسان، حين يُسحق طويلًا، قد لا ينهض… بل يتحول إلى ما كان يسحقه.

 

الجسد كأرضٍ للسلطة: حين تتحول الرغبة إلى أداة إذلال

في كثير من الأعمال الروائية، يُستخدم الجسد بوصفه مجالًا للمتعة، أو بوصفه تعبيرًا عن الحب، أو حتى كوسيلة للتمرد. أما في ترمي بشرر، فإن الجسد يفقد كل هذه الدلالات المألوفة، ليتحوّل إلى شيء آخر تمامًا: ساحة تُمارَس عليها السلطة بأكثر أشكالها قسوة وتجريدًا.

ما يثير القلق في هذا التصوير ليس حضور الجنس في حد ذاته، بل طبيعته. فهو لا يُقدَّم بوصفه رغبة إنسانية، بل كأداة، كوسيلة، كامتداد مباشر لمنطق الهيمنة. الجسد هنا لا يُراد له أن يُحَبّ، بل أن يُخترق، أن يُخضع، أن يُستخدم لإثبات تفوق طرف على آخر. وهكذا، تُفرغ العلاقة الإنسانية من معناها، وتُعاد صياغتها داخل معادلة قاسية: فاعل ومفعول به، سيد وخاضع.

يمكن قراءة هذا التحول في ضوء تصورات ميشيل فوكو حول العلاقة بين السلطة والجسد. فالجسد، في المجتمعات المنضبطة، ليس مجرد كيان بيولوجي، بل موقع تُكتب عليه القوانين، وتُمارس عبره أنماط السيطرة. غير أن الرواية تدفع هذه الفكرة إلى أقصى حدودها؛ إذ لا تكتفي بإظهار كيف تُراقب السلطة الجسد، بل كيف تعيد تشكيل رغباته ذاتها، بحيث يصبح خاضعًا من الداخل، لا من الخارج فقط.

هنا، لا يعود القهر مفروضًا بالقوة وحدها، بل يتحول إلى نظام داخلي. الجسد لا يُستلب فقط، بل يُدرَّب على الاستلاب. والرغبة نفسها، التي يُفترض أن تكون مساحة حرية، تتحول إلى قناة تمر عبرها السلطة. كأن الإنسان، في لحظة ما، لا يعود يفرّق بين ما يريده حقًا، وما تم زرعه فيه بوصفه رغبة.

وهذا ما يمنح الرواية بعدًا أكثر ظلمة:
إنها لا تكشف عن العنف، بل عن تشويه الرغبة نفسها.

في هذا السياق، يصبح العنف الجنسي – بما يحمله من قسوة – ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لشيء أعمق: تحطيم الهوية. فحين يُستخدم الجسد لإذلال الإنسان، لا يُمسّ الجسد وحده، بل تُضرب صورة الذات، يُنتزع الإحساس بالكرامة، ويُعاد تعريف الإنسان لنفسه بوصفه كائنًا مُستباحًا.

لكن المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا العنف لا يظل محصورًا في لحظة حدوثه، بل يستمر كأثر. الجسد يتذكر، والذاكرة الجسدية لا تمّحي بسهولة. وهنا يتقاطع النص مع تصورات التحليل النفسي حول أثر الصدمة، حيث لا تنتهي التجربة بانتهائها، بل تستمر في التشكل داخل النفس، وتعيد إنتاج نفسها بطرق مختلفة.

غير أن الرواية لا تقف عند حدود الضحية. فهي تكشف أيضًا كيف يمكن لهذا التشويه أن يُعاد إنتاجه من الطرف الآخر. من يتعرض للإذلال قد يتحول، في لحظة ما، إلى من يمارسه. ليس بدافع الانتقام الواعي، بل لأن العنف أصبح اللغة الوحيدة التي يعرفها.

وهكذا، يتحول الجسد إلى حلقة مغلقة من القهر:
يُمارس عليه العنف، ثم يُمارس به العنف.

في هذا العالم، لا يبقى مجال للبراءة. حتى أكثر العلاقات حميمية تُصاب بالتشوه، لأنها تنشأ داخل بنية فاسدة في أساسها. الحب، إن وُجد، لا يكون نقيًا، بل ملوثًا بالخوف، بالسلطة، بالذاكرة الجريحة. كأن الرواية تقول إن الإنسان، حين يُسلب جسده، لا يفقد جزءًا من ذاته فقط، بل يفقد القدرة على إقامة علاقة إنسانية سليمة.

وهنا نصل إلى سؤال أكثر إزعاجًا:
هل يمكن استعادة إنسانية الجسد بعد أن يُختزل إلى أداة؟

الرواية لا تقدم جوابًا، لكنها توحي بأن الأمر ليس سهلًا، وربما ليس ممكنًا بالكامل. لأن ما يُكسر في العمق لا يُرمَّم بسهولة، ولأن السلطة، حين تبلغ هذا الحد من التغلغل، لا تترك خلفها سوى أجساد تحمل آثارها، حتى بعد زوالها.

 

المرأة بين التعرية وإعادة الإنتاج: هل يكشف النص القمع أم يكرّسه؟

من أكثر الأسئلة إرباكًا التي تطرحها ترمي بشرر ليس ما تقوله عن المرأة، بل كيف تقوله. فالنص، في ظاهره، يبدو وكأنه يكشف حجم الانتهاك الذي تتعرض له المرأة داخل بنية سلطوية منحرفة، لكنه، في الوقت نفسه، يقدّم هذا الانتهاك عبر لغة وصور قد تضعه في موقع ملتبس: هل نحن أمام نقد لهذه البنية، أم أمام إعادة إنتاج لها داخل النص ذاته؟

المرأة في هذا العالم لا تظهر بوصفها ذاتًا مكتملة، بل بوصفها جسدًا محاطًا بالقوة، محاصرًا بالرغبات، ومُعاد تعريفه من الخارج. إنها موجودة داخل شبكة من العلاقات التي لا تتيح لها أن تكون فاعلة بالكامل، بل تجعلها – في كثير من الأحيان – موضوعًا لفعل الآخرين. وهذا التقديم لا يقتصر على مستوى الحدث، بل يمتد إلى مستوى الرؤية؛ إذ يبدو أن السرد نفسه ينزلق أحيانًا إلى تبني منظور يُشيّئ المرأة بدل أن يحررها.

هنا تحديدًا تكمن الإشكالية:
الرواية تفضح القمع، لكنها لا تنجو دائمًا من لغته.

يمكن فهم هذا التوتر إذا نظرنا إلى النص بوصفه يعمل داخل ما يمكن تسميته بـاقتصاد التعرية. فالرواية، لكي تكشف العنف، تضطر إلى تمثيله، لكن تمثيل العنف ليس بريئًا بالضرورة؛ لأنه قد يعيد إنتاجه رمزيًا. وهكذا، يجد القارئ نفسه في موقع مزدوج: يشهد الإدانة، لكنه في الوقت نفسه يتلقى صورًا قد تكرّس ما يُدان.

في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
هل يكفي أن نعرض القبح لكي ننتقده؟

بعض المقاطع توحي بأن المرأة لا تُختزل فقط داخل عالم القصر، بل داخل الوعي الذكوري الذي يحكم السرد. فالصورة لا تتوقف عند حدود الكشف عن الانتهاك، بل تمتد أحيانًا إلى تعميمات قاسية، تجعل المرأة أقرب إلى رمز للضعف أو الخضوع أو حتى الفساد. وهذا ما يفتح الباب أمام قراءة نقدية ترى أن النص، رغم جرأته، لا يتحرر بالكامل من البنية الثقافية التي ينتقدها.

لكن في المقابل، يمكن الدفاع عن الرواية من زاوية أخرى:
ربما لا تهدف إلى تقديم صورة عادلة أو متوازنة، بل إلى دفع الصورة إلى أقصاها، إلى أقصى درجات القسوة، لكي تكشف حجم التشوه في الواقع نفسه. بمعنى أن اختزال المرأة داخل النص ليس موقفًا أخلاقيًا بقدر ما هو مرآة مشوهة لواقع أكثر تشوهًا.

هذه الازدواجية تجعل النص مفتوحًا على قراءتين:
قراءة ترى فيه فضحًا شجاعًا لبنية قمعية، وقراءة ترى فيه تورطًا – ولو جزئيًا – في إعادة إنتاج هذه البنية.

وهنا تتجلى قوة الرواية وضعفها في آنٍ واحد. قوتها في أنها لا تقدم صورة مريحة، ولا تتظاهر بامتلاك موقف أخلاقي واضح وسهل. وضعفها في أنها، وهي تغوص في القبح، تقترب أحيانًا حد الالتباس معه.

لكن ربما هذا الالتباس ليس عيبًا خالصًا، بل جزء من طبيعة النص نفسه. فالرواية، كما يبدو، لا تريد أن تمنح القارئ موقعًا أخلاقيًا مريحًا، بل تدفعه إلى منطقة غير مستقرة، حيث يصبح الحكم صعبًا، وربما مستحيلًا.

وهنا يعود السؤال، لكن بصيغة أكثر حدة:
هل يمكن لنص أن يدين العنف دون أن يمرّ عبره؟

 

السوداوية كخيار فلسفي: غياب الأمل أم رفض للوهم؟

بعد هذا الانغماس في عالم مشبع بالقسوة، لا بد أن يطرح القارئ سؤالاً يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه معقّد في عمقه:
أين الأمل في هذه الرواية؟

لا تقدم ترمي بشرر إشارات واضحة للخلاص، ولا تفتح نافذة حقيقية نحو مستقبل مختلف. الشخصيات، مهما تحركت، تبدو وكأنها تدور داخل دائرة مغلقة، تنتهي غالبًا إلى السقوط أو التلاشي أو العجز. حتى لحظات التمرد، إن وُجدت، تبدو أقرب إلى انفعالات عابرة، لا تغيّر البنية العميقة التي تحكم هذا العالم.

هذا الغياب قد يُقرأ بسهولة بوصفه خللًا: كأن الرواية تغرق في السوداوية دون أن تترك للقارئ ما يتشبث به. لكن قراءة أخرى، أكثر تأمّلًا، قد ترى في هذا الخيار موقفًا واعيًا، لا عجزًا.

فالرواية، في جوهرها، لا تسعى إلى مواساة القارئ، بل إلى زعزعته.

في كثير من النصوص، يُقدَّم الأمل بوصفه ضرورة جمالية وأخلاقية، كأن الأدب مطالب دائمًا بأن يمدّ يدًا نحو الخلاص. لكن ترمي بشرر تبدو وكأنها ترفض هذا الشرط ضمنيًا. فهي لا تنكر إمكانية الأمل بقدر ما تشكك في صدقه داخل عالم مختل بهذا العمق. كأنها تقول إن تقديم بصيص ضوء في نهاية نفق مظلم قد يكون، أحيانًا، نوعًا من التزييف.

بهذا المعنى، تصبح السوداوية هنا ليست مزاجًا، بل رؤية.

يمكن ربط هذا التوجه بما يُعرف في الفلسفة الحديثة بنزعة نزع الوهم، حيث لا يكون الهدف تحسين الواقع عبر اللغة، بل كشفه كما هو، حتى لو كان ذلك مؤلمًا. الحقيقة، في هذا السياق، لا تُقاس بمدى قدرتها على منح الطمأنينة، بل بمدى قدرتها على تعرية ما نحاول تجاهله.

لكن هذا الموقف يضع القارئ في مواجهة مباشرة مع ذاته. فغياب الأمل داخل النص لا يعني فقط غيابه في العالم المتخيّل، بل يدفعنا إلى التساؤل:
هل الأمل الذي نبحث عنه في الأدب هو انعكاس لواقع موجود، أم تعويض عن واقع نفتقده؟

الرواية لا تجيب، لكنها تترك هذا الفراغ مفتوحًا، كأنها تراهن على قلق القارئ أكثر من راحته.

ومع ذلك، يمكن القول إن هناك نوعًا آخر من الأمل يتسلل بشكل غير مباشر: ليس أملًا داخل الأحداث، بل أملًا في فعل الكتابة نفسه. فأن يُكتب هذا العالم، أن يُكشف، أن يُوضع أمامنا بكل هذا الوضوح القاسي، قد يكون في حد ذاته شكلًا من أشكال المقاومة. الكتابة هنا لا تنقذ الشخصيات، لكنها تفضح ما يسحقها.

وهذا، في حد ذاته، ليس قليلًا.

في النهاية، لا تمنحنا الرواية خلاصًا، لكنها تمنحنا وعيًا.
ولا تمنحنا عزاءً، لكنها تمنحنا سؤالًا.

 

خاتمة: الشرر الذي لا ينطفئ

ليست ترمي بشرر رواية تُغلق بسهولة بعد الصفحة الأخيرة. إنها نص يترك أثرًا ممتدًا، كأن الشرر الذي يقذفه لا ينطفئ بانتهاء القراءة، بل يستقر في الداخل، في منطقة يصعب تحديدها، بين الفكر والإحساس.

ما يجعل هذه الرواية مؤثرة ليس فقط جرأتها في الاقتراب من المناطق المحظورة، بل قدرتها على تفكيك المسلّمات: حول السلطة، حول الأخلاق، حول الإنسان نفسه. إنها لا تقدم إجابات جاهزة، ولا تمنح القارئ يقينًا، بل تدفعه إلى إعادة النظر في الأسئلة التي ظن أنه يعرفها.

في هذا العالم، لا يوجد فصل واضح بين الجلاد والضحية، ولا بين الجنة والنار، ولا حتى بين السقوط والاختيار. كل شيء متداخل، ملتبس، قابل للانزلاق. وربما هذه هي الحقيقة الأكثر إزعاجًا التي تقترحها الرواية:
أن الإنسان ليس كائنًا ثابتًا، بل إمكانية مفتوحة… للانحدار بقدر ما هي مفتوحة للنجاة.

لكن الرواية، في اختيارها أن تُظهر هذا الانحدار دون تلطيف، لا تسعى إلى إدانة فرد بقدر ما تكشف بنية. بنية تجعل السقوط ممكنًا، بل متكررًا. وهنا، يتحول النص من حكاية إلى مرآة، لا تعكس وجوه الشخصيات فقط، بل تعكسنا نحن أيضًا، ونحن نحاول أن نحدد موقعنا داخل هذا العالم.

ربما لهذا السبب تظل الرواية مقلقة:
لأنها لا تسمح لنا بالوقوف خارجها.

إنها لا تطلب منا أن نحبها، بل أن نواجهها.
ولا تعدنا بالراحة، بل بالوعي.

وفي زمن يميل إلى تبسيط كل شيء، قد يكون هذا النوع من الروايات ضرورة… حتى لو كان ثمنه أن نحترق قليلًا بشررها.


#
ترمي_بشرر #الرواية_السعودية #أدب_عربي #قراءة #نقد_أدبي #عبده_خال #روايات #كتب #الإنسان #السلطة

#ThrowingSparks #ArabicLiterature #SaudiNovel #BookReview #Reading #LiteraryCriticism #AbdoKhal #Novels #HumanNature #Power

 

 

Throwing Sparks by Abdo Khal is a dark and unsettling novel that explores the fragile boundaries between power and submission, morality and corruption, humanity and degradation. Set between two contrasting worlds—a poor, suffocating neighborhood and a luxurious palace—the novel exposes how both spaces can become different forms of hell.

The story follows Tareq, a deeply conflicted protagonist who begins as a marginalized figure but gradually transforms into a tool of oppression inside the palace. The palace, often described as paradise, is in fact a highly controlled and morally decayed environment ruled by a mysterious and absolute authority known only as the Master. Within its walls, surveillance is constant, freedom is nonexistent, and human beings are reduced to instruments of pleasure, violence, and control.

As Tareq becomes entangled in this system, he participates in acts of brutality that blur the line between victim and perpetrator. The novel deliberately refuses to present clear moral binaries; instead, it immerses the reader in a world where everyone is complicit to some degree. The poor neighborhood, initially perceived as hell, paradoxically retains traces of lost humanity, while the palace reveals itself as a more insidious and dehumanizing inferno.

One of the most powerful aspects of the novel is its exploration of chosen slavery. The characters are not always forced into submission; many are seduced by wealth, power, or illusion, willingly surrendering their dignity. 

The narrative style is intense and confessional, often resembling a stream of painful introspection. Tareq’s voice is not one of redemption but of exposure—he reveals his own (fall) without seeking forgiveness. This creates a haunting reading experience where the reader is constantly confronted with uncomfortable truths about human nature.

The novel also addresses themes such as the abuse of women, the commodification of bodies, systemic violence, and the hypocrisy of moral and religious discourse when confronted with power. It challenges the reader to question not only the characters but also the structures that enable such corruption.

Ultimately, Throwing Sparks is not just a story about individuals—it is a metaphor for societies where inequality, (absolute power), and silence create environments that destroy the human spirit. It leaves the reader with a lingering question:
Where does humanity begin—and where does it end?

This is not a comforting novel. It is a confrontation.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي