من البصرة الى لندن...... دلال جويد تحمل جسدها كقصيدةٍ لم تكتمل بعد

 

دلال جويد



على حافة الغربة، كانت دلال تلمُّ شتات قلبها بالكلمات،
تخبئ وجعها في جيوب الليل، وتكتب وطنًا لا يسقط من الذاكرة،
"كنت أمضغ جوعي إليك"… كأن الحنين خبزٌ يابس في فم الروح،
تمرّ بين الظل والنور، تحمل جسدها كقصيدةٍ لم تكتمل بعد،
وهناك… حيث يفيض الصمت بالدمع، تولد امرأةٌ من اللغة.

 

الشعر ليس مجرد كلمات مرتبة على صفحات الورق، بل هو رحلة وجودية في الذات والآخر والعالم. في شعر دلال جويد، يظهر هذا البعد بوضوح؛ إذ تتجاوز النصوص حدود اللغة لتصبح تجربة فلسفية في الزمان والمكان والهوية. من خلال تصويرها للمرأة، الجسد، الصمت، والحنين، يطرح شعرها أسئلة جوهرية عن معنى الحياة، الحرية، والمعاناة الإنسانية. كما أنها تحوّل التجربة الفردية إلى استكشاف كوني، فالذات لا تعيش منفصلة عن الكون، بل هي جزء من حركة مستمرة بين الوجود والغياب، بين الأمل والخوف، بين الصمت والكلام. كما تقول:

أقف أمام البحر أسائل الموج عن سرّ الليل،

 عن معنى أن نبقى نكتب على جدران الزمن أسماءً لم يعرفها أحد،

ومع ذلك تظل تنبض بالحياة.

هنا يتحول الشعر إلى فلسفة حية، حيث تصبح الكلمات أداة للتساؤل عن الوجود والكينونة، والقصيدة مساحة لتأمل الحياة من زاوية إنسانية عميقة، تعكس الصراعات الداخلية للذات الإنسانية، وتبحث عن معنى الحرية في عالم مشحون بالقيود.

 

الصوت الشعري والهوية الأدبية

يمثل شعر دلال جويد حالة من التوازن الدقيق بين الذاكرة الشخصية والحاضر المعيشي، إذ تنطلق نصوصها من جذور عراقية عميقة وتتشكل عبر تجربة الغربة في لندن، فتصبح لغتها الشعرية مزيجًا بين الحميمية والانفتاح الكوني. في نصوصها نجد القدرة على دمج المشهد الخارجي مع المشاعر الداخلية، كما تقول في إحدى قصائدها:

تتدلى من زناري أشعار ريفية
ونساء غيبهن العشق
يتدلى من زنارك قلبي

حيث تتحرك الصور الريفية جنبًا إلى جنب مع القلب العاطفي، لتجسد تجربة شعورية متفردة.

تلعب دلال جويد على التناقض بين الصمت والكلام، بين الفعل والتأمل، فتخلق إيقاعاً داخلياً مميزاً، كما في قولها:

نكاية بالكلام
أنسج الصمت معطفاً للطريق
أكتب أشجاراً على الجانبين
أدون النظرة فاكهة تسقط ولا تراك

من خلال هذه المقاربة، يبرز في شعرها حسّ مرهف بالذات المتأملة، وفي الوقت نفسه قوة في التعبير عن العاطفة المكبوتة أو الوعي الاجتماعي. اللغة عندها ليست مجرد أداة للتواصل، بل مساحة حرة لاستكشاف الهوية والتعبير عن الذات الأنثوية المستقلة.تظهر خبرتها الأكاديمية في الأدب العربي ونقده في دقتها اللغوية وإبداعها في بناء الصور الشعرية. فهي تستخدم الأفعال المضارعة مثل أنسج، أكتب، أدون، لخلق إحساس بالحركة والامتداد الزمني، كما في قولها:

وهذا الأسلوب يمنح النص حيوية ويجعل المتلقي مشاركًا في تدفق الحدث الشعوري.

وتبرز دلال جويد الصوت الأنثوي الخاص بها، إذ تؤكد أن الفخ التي تقع فيه المرأة المبدعة هو محاولتها الكتابة بلغة الرجل، فتبتعد عن التقليد الذكوري وتستثمر تجربتها الخاصة. فقصيدتها جوع مثال على ذلك:

يمر القطار سريعًا…

الحقول تغازل بطء الغيوم، والعابرون يمسدون فراء الكلام،

 وأنا لا شأن لي بالحقول ولا العابرين أو المحطات،

كنت أمضغ جوعي إليك،

بينما يتدثر رغيف قلبي بالتجاعيد

حيث تمزج بين الحاجة الجسدية والوجدانية، لتخلق تجربة شعورية شاملة تعكس التوتر بين الحرمان والحنين.

تميزها أيضًا ينبع من قدرتها على المزج بين الواقع والخيال، بين تجربة شخصية ومشهد عام، فتصبح قصيدتها سجلاً للذاكرة، ومكاناً للالتقاء بين الفرد والمجتمع. يظهر ذلك في الصور التي تستحضر تفاصيل الريف أو المدن العراقية، فتخلق رابطاً بين المكان والذاكرة، وبين الماضي والحاضر. في شعرها، يصبح الفعل الشعري محاولة لاستعادة الذات في مواجهة الزمان والمكان، مما يجعل القارئ يشعر بأن لكل كلمة وزنها، ولكل صورة صدى داخلي.

لغة الشاعرة أيضًا قريبة من الواقع اليومي، لكنها مليئة بالانزياحات الرمزية والخيال التصويري، مثل قولها:

كيف تفكر البئر بظلمتها،

هل تتمنى لو تشعل قنديلاً في ليالي الشتاء؟

كيف تفكر الشجرة بثمارها المتساقطة،

 هل تشكو ألمًا في الأغصان؟

من خلال هذه الصور، تخلق جويد توازناً بين المعنى المباشر والرمزي، فتسمح للنص أن يكون مساحة للتأمل والابتكار الفني في آن. وتبرع في مزج التجربة الشخصية بالهموم الإنسانية العامة، فتتحول الصور إلى رموز متحركة تعكس الصراع الداخلي للذات مع محيطها، بين الحنين والغربة، بين الحب والألم، بين الحرية والقيود الاجتماعية.

باختصار، اللغة عند دلال جويد أداة تكثيف وابتكار؛ هي ليست مجرد وسيلة لنقل شعور أو فكرة، بل مختبر شعري متحرك، حيث تُعيد صياغة الصور القديمة وتخلق الجديدة، فتبرز قدرة النص على أن يكون حيًا، متحركًا، ومتعدد المستويات، ليصبح كل مشهد شعري تجربة حسية وفكرية متكاملة تعكس خصوصية الشاعرة العراقية وروحها المتجددة في مواجهة الواقع والذاكرة والغربة.

الذاكرة والغربة والحنين

الذاكرة تحتل مكانة مركزية في شعر دلال جويد، فهي تشكّل الجذر الذي تنطلق منه لتنسج تجاربها الشعورية والفكرية. تجربة الغربة، سواء في لندن أو في أي مكان بعيد عن العراق، لا تفصلها عن جذورها، بل تجعل حضور الوطن أكثر قوة ووضوحاً في النصوص. تقول في إحدى قصائدها:

«أيها الغارق في النوايا،

يا الناسي مصباح قلبك،

تمضي معتذرا عن البهجة باللجة،

ولا بحر سواك…

 أيها الراقد في تلافيف الكلام، انهض،

 لا تُطل بقاءك في الصمت

فالغناء نبيذ العاشقين،

والريبة تثمر في بستان معتم،

وهو تعبير عن التوتر المستمر بين الحنين إلى الماضي والعيش في الحاضر. هذا التوتر يخلق شعوراً مستمراً بالبحث عن الذات والفضاء الآمن في النص الشعري.

الغربة عندها ليست مجرد مسافة جغرافية، بل شعور داخلي بالاغتراب عن الذات والمجتمع، وهي تحوّله إلى مادة شعرية خصبة، فتستحضر أحداثاً وصوراً من الحياة اليومية، مع تجسيد شعوري للغربة والحنين. في قصيدتها عن مذبحة سبايكر، نجد امتزاجاً بين الذاكرة الشخصية والمأساة الجمعية:

هذا النهار ثقيل بمصابيح الشوارع ،

 حين تفقد الجدوى،

وتضيء قرب الشمس،

وعلى النهر صبية كشقائق النعمان،

خانتهم الأرض،

وفي النهر دم، في الأرض دم،

في الرقاب المحزوزة دم،

ومن بعيد يأتي شاعر معوج اللسان،

يشتم كل هذا الدم….

فتتحول الصور إلى شهادة شعورية تجمع بين الألم الشخصي والوجع الوطني، مما يجعل الشعر وسيلة لتفريغ الانفعالات وترتيب المشاعر المعقدة.

كما تُبرز دلال جويد دور الذاكرة في تكوين وعي الشاعرة بالزمن والمكان، فهي ترى النص الشعري فرصة لاسترجاع الماضي، لكنه لا يكون مجرد استرجاع، بل تأويل وإعادة صياغة للحاضر. تقول:

كنت أمضغ جوعي إليك

 بينما يتدثر رغيف قلبي بالتجاعيد،

 وهي صورة شعورية دقيقة تجسد الحنين العاطفي والنفسي، مع إدراك لطبيعة الزمن وتجاعيد الحياة.

هكذا، تتحول الذاكرة والغربة في شعر دلال جويد إلى أدوات للتعبير عن الهوية والوجدان، فتغدو القصيدة مساحة لاحتضان الحنين، ولإعادة بناء الروابط بين الذات والوطن، بين الفقد والوجود، وبين الماضي والحاضر، بطريقة تنسجم مع حسها الإبداعي العميق.

البعد النسوي والهوية الأنثوية

تُعد دلال جويد من الأصوات الشعرية البارزة التي جسدت تجربة المرأة في المجتمع العراقي والعربي، بما يربط بين الذات الفردية والقضايا العامة للمرأة. في شعرها، تتضح الصراعات الداخلية للمرأة بين الحنين والحرية، بين الحب والقيود الاجتماعية، وبين الوجود الشخصي والمجتمعي، فتخلق نصًا شعريًا ذا بعد نفسي واجتماعي في الوقت نفسه. تقول في قصيدتها نساء بين الظل والنور:

نحن النساء،

نقف على حافة الصمت،

 نحمل كلماتنا في جيوب الليل،

 نزرع الفرح في صدورنا رغم كل الجراح،

 نكتب على جدران المدينة أسماءً لم يولد لها صوت،

 ولكنها تنبت في عيوننا.

هذه الصور الطويلة تُظهر كيف تحوّل جويد تجربة المرأة اليومية إلى تجربة شعرية عامة، فتحتفظ بالخصوصية الفردية وفي الوقت ذاته تجعل النص مرآة جماعية للقارئات. كما أنها توظف الجسد والروح معًا كرموز للحرية أو القيد:

يداي تنحتان الهواء،

كي أصنع لنفسي مكانًا بين الركام،

 بين الحيطان التي تحكي قصصًا عن النساء اللواتي لم يعد لهن مكان على الأرض،

 أنا أتنفس من فراغاتهن، أكتب من بين أصابع الزمن قصصًا لا تموت

تبدو اللغة هنا مفعمة بالرمزية، فالكتابة تصبح فعل مقاومة، والجسد أداة للحضور والتحدي، بينما الصمت والتحرك بين الظلال يمثلان قيود المجتمع. من جهة أخرى، تعكس قصائد جويد وعيها بالهوية النسوية التاريخية والثقافية، كما يظهر في قولها:

نحن حفيدات الصباح،

 نحمل على أكتافنا أزمانًا لم تعترف بنا،

 لكننا نصنع من ضحكاتنا أفقًا جديدًا،

 نصنع من دموعنا موسيقىً

لا تسمعها إلا القلوب التي تعرف معنى الصمود.

هذا الوعي النسوي يتجلى في قدرة الشاعرة على مزج التجربة الذاتية مع القضايا الكبرى للمرأة العربية، فتُحوّل النص إلى منصة لمواجهة العزلة الاجتماعية، وللتعبير عن الاحتجاج النفسي والسياسي معًا. وهي بذلك تعيد تعريف العلاقة بين الشاعرة والنص والجمهور النسوي، حيث يصبح الشعر مساحة للتمكين والاعتراف بالذات.

باختصار، البعد النسوي في شعر دلال جويد لا يقتصر على وصف المعاناة أو الرغبات، بل يصوغ رؤية متكاملة للمرأة بوصفها كيانًا قادرًا على المقاومة والتجديد والتعبير الحر. ويظهر من خلال لغة الشعر، الرموز، والأفعال الشعرية، كيف تتحول تجربة المرأة الفردية إلى صوت جمعي يمتد من الذات إلى المجتمع، ما يجعل جويد شاعرًة تجمع بين الرؤية الإنسانية والبعد النسوي العميق، فتظل نصوصها صدى حيًا للتجربة الأنثوية العراقية والعربية المعاصرة.

في نهاية المطاف، يظل شعر دلال جويد مرآة للوجود الإنساني، لا مجرد انعكاس لتجربة المرأة أو المجتمع، بل كاشف للذات ولأبعاد الزمن والمكان. كل نص شعري فيها هو محاولة لاستكشاف معنى الوجود من خلال الجسد، الروح، والكلمة، ليصبح الشعر فعلًا فلسفيًا يعيش بين القارئ والكتابة. كما تقول:

إذا كانت الكلمات لا تكفي،

 فالصمت يصبح لغةً أعمق،

 والروح تتحرك بين الظل والنور

لتجد ذاتها في كل مرة تنظر فيها إلى وجه الحياة.

هكذا يتحقق في شعرها التقاطع بين الفلسفة والأدب والنسوية، فتتحول كل تجربة فردية إلى استكشاف كوني، وكل شعور شخصي إلى صدى عالمي. الشعر يصبح رحلة وجودية مستمرة، تعيد تعريف الإنسان والمرأة واللغة نفسها، لتظل نصوص دلال جويد بوابة لفهم أعمق للحرية والهوية والمعنى.

 

 

شعر_عربي #دلال_جويد #شعر_وجودي #المرأة_والكلمة#

# DalalJuwaid #ArabicPoetry #ExistentialPoetry #WomenInLiterature #

 

 

Dalal Juwaid’s poetry is not merely an artistic expression but a philosophical journey into the depths of human existence. Her works explore themes of identity, freedom, silence, and the intersection between individual experience and universal truths. Through vivid imagery, reflections on the self, and contemplations of the world, her poetry transforms personal emotions into existential inquiry. Juwaid’s verses, often steeped in the struggles and aspirations of women, reach beyond the personal, touching the cosmic and the timeless. Her language blends lyricism with profound thought, turning each poem into a space where the reader confronts questions of life, death, and meaning. Lines like “If words are not enough, silence becomes a deeper language, and the soul moves between shadow and light to find itself each time it faces life’s face” illustrate the depth of her introspection. This collection of works invites readers into a world where words are both a refuge and a revelation, a dialogue between the self, the universe, and the ineffable mysteries of existence. Juwaid’s poetry is, ultimately, a bridge connecting literature, philosophy, and the human spirit.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رباعية مقبرة الكتب المنسية لكارلوس زافون : الحبكة، الأسطورة، والمدينة الحية

القصة القصيرة: الذرّةُ التي تختصر الكون — قراءة في الرؤية السردية عند محمد خضيّر

نيقولاي ليسكوف: الحكاية الشعبية والفلسفة الإنسانية في الأدب الروسي