ما الذي يجعل القصة القصيرة قصيرة ؟

 



                                         

                                                                        نورمان فريدمان

 

" الحقيقة هي أن في الشعر( كما هو الحال في بقية الفنون المحاكية حيث تكون المحاكاة دائماً لشيء واحد) يجب ان تمثل القصة- بوصفها محاكاة للحدث- حدثاً واحداً وكلاً متكاملاً ..... والكل المتكامل هو الشيء الذي له بداية ووسط ونهاية. البداية هي بالضرورة كل ما لم يسبقه شيء أخر، لكن من الطبيعي ان يليه شيء أخر. والنهاية هي بالطبع كل ما يلي شيئاً أخر، سواء أكان شيئاً ضرورياً أم نتيجة طبيعية، ولا يأتي شيء بعدها. والوسط بطبيعته هو كل ما جاء بعد شيء معين ويليه شيء أخر."

                                                من كتاب فن الشعر[1] لأرسطو ... الفصلين السابع والثامن.

  

رغم أن القصة القصيرة كشكل أدبي يحظى بحصة عادلة من الإهتمام على صعيد المناهج المدرسية وكتب دليل الكاتب[2]، إلا أنها ما زالت - وقد شوهتها الروح التجارية ولعنها الأستغلال - متخلفة في المركز الرابع بعد الشعر والمسرحية والرواية في الكتب والمجلات المخصصة للنقد النظري الجاد. وسأحاول أن أتناول بشكل مباشر مشكلة القصة القصيرة الأساسية- إلا وهي قِصَرُها- على أمل خلق بداية بإتجاه تقييم للقصة القصيرة بوصفها فناً نبيلاً وجديراً بالإهتمام .

   لكن القضية ليست مجرد قضية تعريف للقِصَر أو تثبيت حدود دنيا وعليا لعدد الكلمات التي يجب يحتويها أي عمل قصصي كي يسمى قصة قصيرة. نحن نستطيع بالفطرة التفريق جيداً – ما عدا في حالات قليلة - بين القصة الطويلة والمتوسطة الطول والقصيرة، رغم أنه لا يمكن وليس من الضروري تقرير الحدود الفاصلة الدقيقة بينها. لذلك لن نناقش قضية الطول من زاوية كمية ضيقة لأن معظمنا يعرف ما تعني القصة القصيرة ونستطيع أن نختار من مكتباتنا وفي وقت قصير عشرات الكتب التي تضم قصصاً بأطوال مختلفة، جميعها تسمى قصيرة. يكون الجدل حول الحدود الفاصلة عقيماً في أغلب الأحيان، وهذا سبب وجيه في نبذ محاولة رسم الحدود. ببساطة سأفترض وبدون دليل أن النماذج من القصص التي سنتناولها في هذه المقالة تعتبر عادة قصصاً قصيرة.

لسنا أيضاً نخطط لتعريف شكل أدبي مختلف إذا كنا نعني بالشكل الأدبي كما جرت العادة مواد معينة تتوحد لتحقيق هدف محدد لأن المواد وترتيبها في القصة القصيرة يختلفان عن المواد وترتيبها في الرواية بالدرجة لا بالنوعية. عندما نقول، كما نفعل دائماً، بأن العمل القصصي القصير يختلف عن نظيره الطويل بفضل وحدته الكبرى، فهذا يعني بالتأكيد التسليم بعدة مسائل في نفس الوقت. إن هذه الفكرة، وهي تمثل بقايا قديمة لجمالية أدغار آلان بو، تخلط الكلية بالتفردية والوحدة بالكثافة أو الحدّة[3]. فأذا كانت الوحدة تدل ضمناً بأن جميع الأجزاء ترتبط بواسطة مبدأ شمولي مهيمن فليس هنالك داعٍ لأن تكون للقصة القصيرة وحدة أكبر من الرواية بالرغم من أن فيها أجزاء أقل لتوحدها - وهي مسألة سنتناولها في الوقت المناسب.

     كما أنه لا يمكننا القول أن القصة القصيرة لا تستطيع تناول تطور الشخصية، لأن الكثير من القصص تفعل ذلك مراراً، أو أنها تركز على الذروات بدلاً من ملاحقة التطورات. في الحقيقة أن العديد من القصص تصور شخصية ما أثناء عملية التغير- قصة همنغواي المعنونة حياة فرانسيس ماكومبر السعيدة القصيرة، على سبيل المثال أو قصة فوكتر المعنونة إحتراق الشونة. وكذلك ليس هنالك سبب يمنع القصة من تناول تغير في التفكير كما في قصة ستيل المعنونة كم هو جميل بالحذاء أو تناول تغير في الظروف  كما في قصة فيتز جيرالد المعنونة زيارة بابل من جديد ( طبعاً بعض القصص ساكنة لا تغيير فيها، وسنتناول ذلك لاحقاً). كما لا يمكننا القول أن القصص تدور في العادة حول ثيمة ( موضوعة) معينة أكثر مما تفعله الرواية  لأن بعضها - كما في قصة شيرلي جاكسون المعنونة اليانصيب - يفعل ذلك والبعض الأخر لا يفعل ذلك كما في قصة أديث وارتون المعنونة الاثنان الآخران. قد تثير القصة التوقع والترقب والشفقة والمقت والأمل والخوف كما تفعل الرواية وقد تبدد هذه العواطف بطريقة مقنعة وكاملة كما تفعل الرواية.

   طبعاً هنالك الكثير من الصواب في المقاربات  التي أشرنا اليها تواً، لكن أياً منها لم ينجح في ضم ما يكفي من الإحتمالات الواقعية كي يصبح مفيداً في النهاية. بالتأكيد تحتوي القصة على كلمات أقل من الرواية، لكن المقياس مضلل لانه يتمحور حول الأعراض وليس حول الاسباب. بالتأكيد قد تحدث القصة القصيرة تأثيراً وحيداً أكثر على القارئ، لكن هذا التأثير ذو علاقة بمسائل أخرى غير مسألة الوحدة وبهذا الشكل البسيط. وبالتأكيد أيضاً قد تتناول الرواية الأحداث الديناميكية[4] بطول أكبر مما تفعله القصة، لكن للقصة طرقها التي تستطيع بواسطتها تناول تغيرات ضمن حدود عالمها. بإختصار أن معظم هذه المبادئ معيارية أكثر من اللازم. عليه ولكي نفهم كيف ولماذا تصبح القصة القصيرة أقصر أقترح طريقة للإجابة على هذه الأسئلة تصح على كل الأمثلة الخاصة بالشكل الأدبي دون أن نفترض مسبقاً ما يجب أن تكون عليه خصائص ذلك الشكل.

   لنبدأ بميزة أساسية ، قد تكون القصة قصيرة لأحد سببين رئيسيين أو لكليهما. قد تكون المادة نفسها مبسترة ضيقة النطاق أو أن المادة- ولأنها مسهبة- تُقطّع من أجل رفع التأثير الفني الى أقصاه. يرتبط السبب الأول بخصائص لها علاقة مع هدف تقديم تلك المادة بينما يرتبط السبب الثاني بخصائص ذات علاقة بطريقة التقديم. لذلك سنتناول حجم الحدث ( الذي قد يكون كبيراً أو صغيراً ويجب أن لا يُخلط مع حجم القصة الذي قد يكون قصيراً أو طويلاً ) وبناء الحدث الساكن أو الديناميكي، بعدها نتناول عدد أجزاء الحدث التي يمكن ضمها أو حذفها والمقياس الذي يعرض به الحدث ووجهة النظر . قد تكون القصة قصيرة بسبب أي من هذه العوامل أو مجموعة منها، ولكننا من أجل الوضوح والقناعة سنتناولها منفردة وسنحيل القارئ الى أماكن مختلفة من البحث كلما كان ذلك ضرورياً .

  لقد قدم لنا الدر أولسن[5] مجموعة مصطلحات مفيدة لمناقشة قضية الحجم بمقدار من الوضوح والدقة. يقول أولسن أن الكلام يضم المنطوق الكلامي المستمر لشخصية واحدة في موقف مغلق. قد يتحدث المتكلم مع نفسه بدون مقاطعة، أي المناجاة، وفي حالة وجود أخرين فأنهم لا يتدخلون أو يردون عليه ويخرجون عندما يبدأ هو بالكلام، أي المونولوج[6]. هذا هو نوع الحدث المقدم في العديد من القصائد القصيرة المسماة (قصائد غنائية) كما في قصيدة مارفيل المعنونة الى حبيبته الخجولة أو قصيدة كيتس المعنونة عن أول قراءة لكتاب جابمان حول هومر وقصائد عديدة أخرى. يضم المشهد سلسلة منطوق مستمرة تنشأ بين متكلمَين أثنين  أو أكثر عندما يجيب أحدهم الأخر في حوار في موقف مغلق بينما تضم الواقعة مشهدين أو أكثر تتمحور حول حادثة واحدة رئيسية. وأخيراً الحبكة هي منظومة لواقعتين أو أكثر. وبناء على ذلك قد تحتوي القصة القصيرة أي حدث من مثل هذا الحجم.

   من الطبيعي أن يضم الحدث الواسع ( مثل حبكة رواية أمال كبيرة، رغم أنه كبير الحجم إلا أنه كل واحد) حوادث ثانوية أصغر مثل الكلام والمشاهد والوقائع ( ولكل واحد منها كيانه الخاص )، وقد تكون هذه الحوادث الثانوية الصغرى معزولة - وهي في الغالب كذلك - لأغراض معينة كما يحدث على سبيل المثال عندما تُقتطع واقعة معينة من عمل أكبر كي تُضم في كتاب مختارات. بتعبير أخر حوادث مختلفة الحجوم يرتبط صغيرها بكبيرها لتشكل كياناً واحداً. على كل حال أن المقصود هو أن كلاماً أو مشهداً أو واقعةً معينة مصممة كي تعمل بوصفها القاعدة الموحدة لعمل واحد متكامل يجب أن تكون مستقلة بصورة كاملة، بينما تكون إستقلاليتها في العمل الأكبر جزئية فقط وهي تضم بالضرورة عوامل تربطها بما حدث سابقاً وبما سيحدث لاحقاً.

  يمكننا فقط تخمين السبب وراء قيام كاتب معين بإختيار حجم معين في البداية، من المحتمل أنه قد يتملكه إحساس بأن لديه حدثاً شاملاً وكاملاً في حد ذاته وأن ذلك سيكون كافياً كأساس لمعالجة منفصلة . أذن تلك هي قضية المفهوم الأصلي وكل ما يمكننا قوله هو أن الكاتب يقرر معالجة حوادث ذات حجوم مختلفة لأنه يشعر- سواء من خلال العادة أو الاختيار المقصود أو الحدس أو جميعها - أن الحجم المحدد يجسد كل ما له علاقة بهدفه. لذلك فأن حدثاً من أي حجم قد يكون كلاً متكاملاً في حد ذاته، وكلما كان الحدث أصغر حجماً ربما كان عرضه أقصر.

   بناء على ذلك ستضم الأجزاء المترابطة لعمل معين يعتبر كلاً متكاملاً تلك الحوادث الضرورية التي تسبب وتعرض لاحقاً كل النتائج الضرورية والمحتملة التي يريد الكاتب من بطله القيام بها أو التعرض لها، وبقية الحوادث التي قد تكون ضرورية لوضع تلك النتائج في مسارها الصحيح. سيعتمد حجم ذلك العمل، إذن على ما يريد الكاتب لبطله أن يفعل أو يعاني وكذلك على المقدار الذي سيتناوله في تجربة البطل بغية أيجاد المسببات الضرورية والكافية ليجعل من العمل مثيراً ومقبولاً. من الواضح أن الحدث الديناميكي سيخدم عدداً من المسببات أكبر من الحدث الساكن، وسيتطلب التغير الأكثر شمولية سلسلة مسببات أطول مما يتطلبه التغير الأقل شمولية. لذلك سيكون الحدث - بغض النظر عن حجمه- كلاً متكاملاً كلما ضم الترابط الدقيق للأسباب والنتائج كل ما هو كافٍ لجعل ذلك الحدث مفهوماً ومحتمل الوقوع.

   من الواضح أن الكلام يكون مناسباً جداً لرسم لحظة منفردة أو سلسلة لحظات قصيرة في أيـة سلسلة من الأسباب والنتائج. تكون ردة الفعل الأنية ،( سواء ساكنة أو ديناميكية ) من مثير آني هو الحقل الخاص بالشعر الغنائي. على سبيل المثال يستجيب المتكلم في قصيدة هاوسمن[7] المعنونة  " قلبي مليء بالندم"  بنبرة حزينة الى حقيقة أن العديد من أصدقائه قد فارقوا الحياة ، يستجيب المتكلم في قصيدة فروست المعنونة "التوقف عند الغابة" الى الجذب الغريب للغابة المظلمة المكسوة بالثلج عن طريق الاستسلام أولا لإغرائها ثم مقاومة الإغراء بعد ذلك. لدينا في المثال الأول لحظة ندم منفردة لكنها تامة بينما لدينا في المثال الثاني سلسلة لحظات أطول لكنها تامة بنفس الدرجة. خلال هذه السلسلة يقرر المتكلم شيئاً من خلال الخيار بين أمرين. وفي الحالتين تكون هذه الحوادث المحددة صغيرة ضمنياً، لذلك قد تقع مسألة توضيح هذه الحوادث وجعلها محتملة الوقوع في حدود مساحة قصيرة.

   نتيجة لذلك فمن النادر تناول مثل هذه الحوادث في الأعمال القصصية، وحتى القصة القصيرة . نحن نعلم جميعاً بأن وسائل الفن الشعري قادرة خصوصاً على تناول مثل هذه الأمور بطريقة مركزة وأن النثر السردي وبسبب مرونته المتميزة أكثر ملاءمة للحوادث الكبرى حيث يجب عرض الكثير. أعرف حدثين من هذا النوع في القصة لكنهما الأستثناءان اللذان أثبتا القاعدة. تقدم قصة دوروثي باركر المعنونة "مكالمة هاتفية" إمرأة شابة في خضم ترقب قلق بينما تنتظر مكالمة هاتفية من حبيبها وهذا كل ما في القصة. وبقدر تعلق الأمر بنا تتضمن القصة بأكملها مناجاة المرأة الداخلية وهي تنتظر رنة الهاتف. وعملياً لا تقدم قصة إلوين بروكس وايت [8] المعنونة " البــاب" شيئاً ما عدا الحالات الذهنية المستمرة لشخصيتها الوحيدة ( هذه الحالات تقدم أحياناً بصورة غير مباشرة من خلال السرد،وأحيانا بصورة مباشرة من خلال المناجاة الداخلية) التي تقدم في حالة من الشك والقنوط بخصوص القيم المتناقضة للحضارة الحديثة.

   يعتبر تقديم مشهد واحد  عملياً أكثر في العمل القصصي القصير بالرغم من أن الأمثلة التي تنطبق عليها القاعدة تماماً ليست كثيرة جداً كما قد يتصور البعض. أفضل مثال أعرفه في هذا المجال هو قصة همنغواي المعنونة   "تلال كالفيلة البيض"  التي تتحدث عن شابين أمريكيين (رجل وأمرأة) ينتظران في محطة قطار نائية في وادي نهر أيبرو القطار القادم من برشلونة. وما عدا النادلة التي تقدم لهما الشراب فلا تضم القصة سوى الحوار المتبادل الوحيد والمستمر الذي يجري بين الرجل والمرأة وهما ينتظران القطار. أعتقد أن هدف هذه القصة التي تتناول موقفاً ساكناً هو الكشف لنا وبالتدريج عن أسباب محنة المرأة وأثارة شفقتنا خلال ذلك الكشف. من الواضح أنهما غير متزوجين وأنهما في طريقهما لإجراء عملية إجهاض للمرأة. على كل حال ليس هذا بمصدر القصة المثير للشفقة. إنه يكمن بالأحرى في الحقيقة التي تشير الى أنه مع تقدم الحديث يصبح جلياً أن الرجل لا يكن لها شعوراً حقيقياً ولا لحاجتها الأولية في إيصال علاقتهما الى نهايتها الطبيعية. وبما أن هذا يمثل كل ما نحتاجه للحصول على هذا التأثير المحدد وبما أنه يمكن تحقيق ذلك ضمن حدود حديث بين شخصين، عليه كان ذلك كل ما على همنغواي تقديمه لتوحيد هذه القصة.

   بالطبع فعل همنغواي ذلك بمهارة من الطراز الأول. مثلاً نقرأ في مكان قرب نهاية القصة: " لم ينطق بشيء لكنه نظر الى الحقائب الموضوعة قبالة حائط بناية المحطة. هنالك علامات لصقت على الحقائب من كل الفنادق التي أمضيا لياليهما فيها." نستطيع عبر هذا التفصيل البسيط أن نستنتج الكثير بخصوص موقف هذا الثنائي- سطحية علاقتهما وعدم تجذرهما وسرعة زوالها. تساعد هذه الإشارة الضمنية الى الماضي القريب، رغم أنها أساساً ليست جزءاً من الحدث الكلي الذي يُقدم،( وذلك لأن دواعي الشفقة تقدم أثناء تواصل المشهد ذاته ) على وضع الموقف في مساره الصحيح في مخيلة القارئ. ويجب ملاحظة الفنية العالية التي تم بها توظيف ذلك في نسيج المشهد الحالي ذاته من دون تدخل المؤلف .

    تعتبر الواقعة من الحجوم الأكثر رواجاً في القصة القصيرة - في الواقع أن تكرار إستعمالها قد يكفل لنا تسميتها بنوع الحدث النموذجي الذي تناولته القصة. تحتوي قصة همنغواي المعنونة "عشرة هنود"، على سبيل المثال، على خمسة مشاهد تتمحور حول إكتشاف نيك خيانة حبيبته الهندية وحزنه الناجم عن ذلك ونسيانه في النهاية لحزنه. ومع ذلك فهو ما زال يافعاً كي يسمح لنكسة عاطفية بالتأثير فيه أكثر من عدة ساعات في كل مرة. إنه حدث ديناميكي يتضمن تغير في الأحاسيس والأفكار ولذلك يتطلب – مع إفتراض ثبات بقية العوامل - حدثاً أكبر من مجرد مشهد واحد من أجل تأسيس سلسلة الأسباب والنتائج الخاصة به. مع ذلك فانه يحدث ضمن حدود ساعات قلائل ويؤدي كل مشهد من مشاهده الى إحدى الحوادث المركزية التالية أو بعيداً عنها:(1) يعود نيك الى منزله في ساعة متأخرة من أصائل أحد الأيام من إحتفالات الرابع من تموز/يوليو في المدينة مع عائلة كارنر وهم يمازحونه بشأن حبيبته الهندية (2) يصل الجميع الى بيت عائلة كارنر ويفرغون العربة ويواصل نيك طريقه الى البيت (3) نيك في طريقه ماشياً الى البيت (4) يقدم له والده العشاء ويخبره كيف أنه رأى برودي" تمضي وقتاً ممتعاً " في الغابة مع غلام أخر مما يسبب لنيك الشعور بالحزن (5) يذهب نيك حزيناً الى فراشه لكنه يستيقظ مفزوعاً في ساعة متأخرة من الليل على أصوات الرياح والأمواج وقد نسي حزنه.

   لذلك يتطلب المشهد أو الواقعة مساحة أقل في الروي من الحبكة مع إفتراض أن بقية العوامل تبقى ثابتة لا تتغير .

    سؤال أخر يرتبط بالحجم هو: هل يتضمن الحدث تغيراً؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل التغير رئيسي أم ثانوي، بسيط أم معقد ؟ أتمنى أن نكون قد أوضحنا من أن القصة القصيرة قد تكون ساكنة أو ديناميكية ، ولكن - وكما رأينا - فأن الحدث الساكن يتطلب عادة أجزاء أقل مما يتطلبه الحدث الديناميكي وسيكون بناء على ذلك أقصر عادة في الروي. أي ان القصة الساكنة تظهر ببساطة بطلها في هذه الحالة أو تلك وتتضمن ما يكفي فحسب لتكشف للقارئ السبب أو الأسباب التي تكون هذه الحالة نتيجة لها، بينما تنقل القصة الديناميكية بطلها خلال سلسلة من حالتين أو أكثر، وعليه يجب أن تتضمن المراحل العرضية المختلفة التي تعتبر هذه الحالات نتائج لها. وهكذا ستكون القصة الساكنة في العادة أقصر من القصة الديناميكية.

    بناء على ذلك من المرجح أن نجد معظم الحوادث الساكنة في القصة القصيرة بالرغم من أن القصص القصيرة ليست جميعاً ساكنة. إن المواقف الساكنة الموسعة والمطورة لتصبح بحجم الرواية نادرة نسبياً ( تعتبر رواية "السيدة دالاوي" مثالاً على ذلك). هنالك ترابط عمومي مشابه بين الحوادث الساكنة والديناميكية وحجومها المختلفة. يعتبر تحقيق تغير في بطل العمل القصصي في كلام أم مشهد مستقلين أمراً ممكناً لكنه غير محتمل الوقوع، ويكون توسيع موقف ساكن عبر واقعة مستقلة تماماً أو حبكة كاملة ممكناً أيضاً لكنه غير محتمل بنفس الدرجة. كقاعدة يمكنني القول بأن معظم الحوادث الساكنة تتضمن مشهداً أو واقعة صغيرة.

     ومثال أخر لقصة ساكنة - إضافة الى قصة "تلال كالفيلة البيض" التي تمت مناقشتها - هي قصة شين أوفالين المعنونة " الخطاؤون" التي تتحدث عن المعاناة الذهنية لرجل دين كاثوليكي بسبب أكاذيب خادمة خلال إعترافها. نرى الرجل اولاً وهو ينتفض منفعلاً من القصص التي تذكرها خلال الاعتراف، ثم ينتابه الغضب عندما يسمعها صدفة وهي تعترف بأكاذيبها الى سيدتها. تُكشف الحالة العاطفية لرجل الدين - أذا جاز التعبير- في المرحلة الأولى من القصة ، وتُؤكدْ في المرحلة الثانية ( بسبب التحولات لدينا هنا أكثر من مشهدين بقليل ) لذلك يتمكن القارئ من ملاحظة خيبة أمل رجل الدين ومن ثم فهم تلك الخيبة لوجود ما يبررها. من أجل تحقيق هذا التأثير أظهر الكاتب المقدار الذي إحتاجه، مشهدين تقريباً وليس أكثر.

     طبعاً كان بإمكان الكاتب الإستمرار بقصته ليقدم لنا الكاهن وهو يمر خلال تغير تالٍ نحو الأفضل في مشاعره، عندها كان عليه تقديم سلسلة متكاملة جديدة من الأسباب تعمل في ذلك الاتجاه وبذلك تمكن من أطالته . لكنه إن واصل الأمر مع الشيء ذاته وحسب، فيكون قد أرتكب خطأ فاضحاً في تجاوز متطلبات تأثيره. إن هذا التأثير وحجم الحدث الضروري لتحقيقه هما اللذان يقرران قِصَر هذه القصة، عندما ينظر اليها بوصفها عملاً مستقلاً في حد ذاتها.

   إن "حياة فرانسيس ماكومبر القصيرة السعيدة" و"إحتراق الشونة " و "كم هو جميل بالحذاء" و "زيارة بابل من جديد" و "موت إيفان اليتش" هي قصص قصيرة تحتوي، من ناحية أخرى، احداثاً ديناميكية . في نهاية القصة الأولى يغدو رجل جبان شجاعاً في مواجهة الأخطار وفي القصة الثانية، إختار صبي صغير أخيرًا الوقوف ضد تصرفات والده الإنتقامية المتمثلة في إتلاف ممتلكات المالك. وفي القصة الثالثة تعي فتاة جبلية جاهلة أن الإنسان يمكنه أن يكون أكثر من مجرد حيوان. ويصاب سكير تائب، في القصة الرابعة، بخيبة أمل مؤقته وهو يحاول إستعادة أبنته الضالة. وفي القصة الخامسة يرى رجل يحتضر حياته العقيمة بصورة صادقة للمرة الأولى. لكن هنالك فارق يرتبط بالحجم حتى بين الحوادث الديناميكية، لان جميع التغيرات أعلاه هي تغيرات ثانوية ما عدا الأخير، هذا لا يعني إنها غير مهمة أو أن نتائجها ليست خطيرة أو بعيدة الأثر وأنما تعني بأنها تستدعي وتتطلب في عرضها مرحلة واحدة فقط من حياة أبطالها. عليه سيتطلب التغير الثانوي في العادة مساحة أقل من التغير الرئيسي.

     ومن جديد قد يظهر هنا ترابط عمومي بين الشمولية وحجم حدث معين لان معظم التغيرات الثانوية ستتضمن واقعة واحدة فقط بينما سيتضمن التغير الرئيسي حبكة كاملة. وبهذا الصدد تتشابه قصة "موت أيفان أليتش" مع رواية "آمال كبيرة" أكثر من بقية القصص التي ذكرناها سابقاً. في الحقيقة إنها تغطي جوانب من حياة بطلها أكثر مما تفعله رواية ديكنز مع بطلها. إذن بعض الوقائع ساكنة وبعضها ديناميكية، لكن الحبكات تميل دوماً لأن تكون ديناميكية. وكما سنرى بعد قليل ليس من الضروري أن يكون أحد الفوارق بين حبكة القصة القصيرة وحبكة الرواية فارقاً في الحجم الحقيقي لأحداثها وإنما في طريقة عرض هذه الأحداث. ضمن هــذا السياق تكون قصة "موت أيفان أليتش" أقرب كثيراً في طولها الى القصة القصيرة منها الى الرواية.

ومن ناحية أخرى لا يوجد سبب يمنع حدثاً يغطي عدة وقائع من أن يتضمن تغيراً ثانوياً فقط. لذلك علينا أن نفرق على أساس الشمولية بين الحبكات الثانوية والحبكات الرئيسية ( أعتقد أن واقعة معينة قد تعالج حدثاً رئيسياً لكني لا أعتقد أن ذلك محتمل الوقوع ). يشير سكوت فيتزجيرالد الى هذا الفارق عندما يسرد تجارب دكستر كرين في قصة أحلام الشتاء:" تتناول هذه القصة نوعاً من أنواع الإنكار ( النواهي الغامضة التي تنغمس فيها الحياة ) لكنها لا تتناول عمله كاملاً." ومرة أخرى وفي مكان قريب من نهاية القصة نقرأ :" ليست هذه القصة بسيرة لحياته ، تّذكر ذلك ، رغم أن الأشياء تنسل الى داخلها دون أن تكون لها علاقة مع تلك الأحلام التي راودته عندما كان يافعاً. لقد أنتهينا تقريباً منها ومنه الان." في الواقع أن سكوت فيتزجيرالد يقول بأن هذه القصة المحددة تجد وحدتها في تناولها فقط لأكبر عدد من الوقائع المطلوبة لإطلاع القارئ على أسباب أفتتان ديكستر بجودي جونز والمرارة اللاحقة التي أصابته بسببها والقدرات الشبابية التي تمثلها له، وأن تجارب ديكستر الأخرى ( ربما مغامراته التجارية وتجارب مماثلة ) ليست لها علاقة بالأمر على نحو التحديد. ونتيجة لذلك فقد قاد نفسه بشكل كبير بهذا الخيار الأولي لأمور تتعلق بالبداية والنهاية وكم يبقي وكم يحذف. إن هذا التحديد المرتبط بعلاقة مرحلة معينة من حياة البطل مع تغير معين هو الذي يفسر قصر هذه القصة.

    ومن ناحية أخرى يعتبر حدث رواية غاتسبي العظيم - رغم أنه مشابه للقصة السابقة في الخطوط العامة بشكل لافت للنظر- حبكة رئيسية لانه يتناول حياة غاتسبي برمتها. إن تعلق غاتسبي بديزي وما تمثله له يستنزف كل مجريات حياته ويكلفه حياته حتماً في نهاية الأمر. لذلك فأن المرارة التي يحسها غاتسبي لا يمكن فهمها إلا من خلال حياته بأكملها ولهذا السبب تأخذ حياته مقداراً أطول في سردها من قصة ديكستر. لو أن الكاتب قد أضاف إهتمامات ديكستر الأخرى الى قصة أحلام الشتاء لكان قد ارتكب خطأ فنياً يشابه في رداءته حذف اهتمامات غاتسبي الأخرى من رواية غاتسبي العظيم. كان الفعل الأول سيؤدي الى ظهور مسائل زائدة في حين كان الفعل الثاني سيؤدي الى قصور في الوضوح. في الواقع لقد ذكر بعض نقاد الرواية بأنها قصيرة جداً في حد ذاتها كي تحقق الإحساس المطلوب بالاحتمالية أو الضرورة عند القارئ، لكن هذه قضية مختلفة.( شكوى مختلفة أثيرت ضد رواية لمن تقرع الأجراس التي تبدو لبعض النقاد طويلة جداً قياساً بحجم حدثها.)

    هنالك فارق أخر يتعلق بالحجم في الأحداث الديناميكية والذي يتعارض مع الفارق بين التغيرات الرئيسية والثانوية والذي تناولناه قبل قليل. ينقل التغير البسيط بطله تدريجياً من حالة الى أخرى بدون حالات إرتداد عكسية وطالما يستدعي هذا التغير مجموعة واحدة من الأسباب لذلك يكون الحدث أصغر منه في التغير المعقد الذي ينقل بطله من حالة الى أخرى ومن ثم الى حالة ثالثة مناقضة للحالة الثانية ولذلك يستدعي مجاميع مختلفة من الأسباب. قد يكون التغير الأول أقصر في الروي لأنه يضم أجزاء أقل.

    إن جميع الأحداث الديناميكية التي تمت مناقشتها هي أمثلة للتغير المعقد بينما تمثل قصة كونراد المعنونة موقع أمامي للتقدم تغيراً بسيطاً. إن الخصائص المعنوية لشخصيتي كيرتز وكارليه - الضعف والسطحية أولاً- تتدهور بصورة سريعة ومؤكدة عندما تتعرض لإختبار الإتصال الطويل والحميم مع " الوحشية المطلقة والمتطرفة " في قلب أفريقيا. فإذا تمكنت القصـة القصيرة من تناول تطور الشخصية فأنها ستتمكن أيضاً، كما يبدو، من تناول تدهورها. من الممتع مقارنة هذه القصة مع رواية قلب الظلام لأن كونراد أختط لنفسه هناك مهمة أصعب كثيراً عندما جعل من كيرتز مثالاً للشخصية القويمة قبل أن يستسلم للهاوية. لكن كونراد أنجز أيضاً نتائج أكثر إشراقا لأنه لو كان سقوط كيرتز وكارليه أكثر احتمالا فأنه سيكون أقل متعة ولنفس السبب. على كل حال تكون القصة الثانية أطول ثلاث مرات تقريباً من الأولى ( يمكن تبرير الطول الكبير لرواية قلب الظلام أذا أخذنا بنظر الاعتبار روايها المتأمل - وهي مسألة سنعود اليها لاحقاً).

   إن الحدث الديناميكي يميل لأن يكون أطول من الحدث الساكن لأنه يتطلب فعلاً أكثر. ويميل التغير الرئيسي لأن يكون أطول من التغير الثانوي لأنه يتضمن بحكم الضرورة نواحي أكبر من حياة البطل. ولأن التغير المعقد يتضمن أجزاء أكثر فأنه يميل لان يكون أطول من التغير البسيط. لكننا يجب أن نعدّل قواعدنا بإستمرار عند كل مرحلة لأننا، وكما سنرى، نتعامل مع مجموعة من المتغيرات المستقلة. فالقصة التي يجب أن تكون طويلة بطريقة معينة قد تكون في الواقع قصيرة بطريقة أخرى. والقصة التي تتضمن تغيراً رئيسياً، على سبيل المثال، يجب أن تكون أطول من القصة التي تتضمن تغيراً ثانوياً عندما تكون بقية المتغيرات ثابتة ، قد تكون في الواقع أقصر لأن بقية تلك القصة التي تتضمن تغيراً ثانوياً عندما تكون بقية المتغيرات ثابتة قد تكون في الواقع أقصر لأن بقية تلك المتغيرات غير ثابتة .

    ربما تكون القصة القصيرة قصيرة، أذن، لان حدثها أساساً صغيرٌ. لكن القصة تتضمن، كما أشرنا الى ذلك سابقاً، حدثاً أوسع ومع ذلك فهي قصيرة. فان قرر الكاتب تقديم حبكة فهذا يعني ان لديه خياراً إضافياً يتعلق بالطريقة التي سيقوم بها بتقديم ذلك. هنا ستقوده رغبته على رفع حيوية التأثير الى أقصاها من جانب وعلى تحقيق ذلك التأثير بأبسط الوسائل من جانب أخر. فقد يقرر أولاً حذف جزء معين من الحبكة، بالرغم من أنه مناسب، ويتركه لاستدلال القراء.

   وبما أن قضية الإختيار يمكن دراستها فقط من زاوية حجم الحدث الكلي الذي يوضع أمام القارئ وبما أننا قد عرّفنا الحدث الكلي بصورة عامة فقط فيتعين علينا أن نتوقف طويلاً لأكمال أفكارنا الأن. إن الحدث الكلي، كما رأينا، هو حدث ذو حجم معين - سواء أكان كلاماً أو مشهداً أو واقعة أو حبكة - يتضمن كل ما هو مناسب لنقل البطل بمراحل محتملة أو ضرورية من بداية موقف معين وخلال وسطه وحتى نهايته.

   ويرتبط السؤال الأن بعدد هذه الأجزاء التي تعرض فعلاً للقارئ والعدد الذي يُشار اليه فقط أو يترك للاستدلال. على سبيل المثال في قصة شتاينبك المعنونة "هروب" يضطر غلام يافع وكسول - نتيجة زيارته الأولى للمدينة وحيداً - الى إثبات رجولته حتى وأن أضطره الأمر الى مواجهة الموت بشجاعة. على كل حال لقد أختار شتاينبك، في السرد الفعلي للقصة، أن يحذف رحلة الغلام الى مونتيري برمتها، ويقدمها لاحقاً عندما يعود الغلام ويخبر والدته بما حدث هناك قبل أن ينطلق نحو الجبال. نحن نتعامل مع حدث ديناميكي معقد.

  ماهي الأجزاء المطلوبة لمثل هذا الحدث كي يحقق تأثيره المناسب؟

   يتضمن التغير المعقد نقل البطل من حالة الى أخرى من خلال حركة عكسية (أرتداد) . لذلك يتطلب الوضوح والتصديق ما يلي (1) سبباً عاجلاً لنقله الى حالته الأولى (2) حدثاً ذا حبكة مضادة لعرض نتائج تلك الحالة (3) سبباً محفزاً سيعمل على نقله خارج الحبكة المضادة الى الحالة المضادة (4) حدثاً متواصلاً يمثله أثناء عملية التغير (5) ذروة حيث تكتمل العملية . يتضمن التغير البسيط ، كما رأينا ، نقل البطل من حالة الى أخرى ولذلك فأنه يتطلب فقط الأجزاء الثلاثة الأخيرة المدرجة أعلاه. ويمكن تطبيق قواعد مشابهة تخص الأختيار على الأحداث الساكنة فيما يتعلق بالحالات المنفردة والأسباب المناسبة التي تكتشفها .

    دعنا نرى كيف يعمل هذا المخطط في قصة "هروب" : (1) ترسل الام ولدها الى مونتيري لجلب الدواء (2) يرتدي قبعة والده ويركب حصانه وهو يتفاخر برجولته التي وجدها للتو ويحتسي الكثير من الخمر في مونتيري ويتورط في شجار (3) يقتل رجلاً وعليه أن يواجه النتائج كرجل أو الهرب والاختباء مثل دجاجة (4) يعود للبيت ويخبر والدته بما حدث ويرتب نفسه أستعدادا للرحلة ويعاني مشقة فائقة لمدة أربعة أيام في الجبال (5) يموت أخيراً بصورة مشرفة مواجهاً، في فورته الأخيرة، متعقبيه ومتقبلاً محاولتهم الأخذ بالثأر. لقد حُذف معظم المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة برمتها. لماذا؟

في المقام الأول يمكننا القول بان الإحتمالية تستدعي من البطل إطلاع أمه على ما حدث في كل الأحوال. لقد تصرف شتاينبك ببساطة وفقاً لمتطلبات الاقتصاد عن طريق تجنب التكرار. على كل حال هذا التفسير ميكانيكي رغم أنه غير وارد في حد ذاته. الأهم من ذلك أننا نستنتج بأن شتاينبك أرادنا أن نحمل مزيجاً من الشعور بالأسف والإعجاب بالغلام أثناء توالي قصته - الأسف لمعاناته وموته والإعجاب بالطريقة النبيلة التي يعاني ويموت بها. وعندما يحدث ذلك نستطيع أن نستنتج أيضاً أن شتاينبك قد ترك معظم الحبكة المضادة والحادثة المحفزة لأنه وعبر محاولته أثارة تعاطفنا أراد عن عمد تجنب تقديم بطله لنا وهو يتصرف بصورة حمقاء وفارغة ومميتة. ومن خلال حذف هذه الأجزاء فأنه يترك فينا أنطباعاً أكثر حيوية بالنسبة للتناقض المثير بين النضج واللانضج في تصرف بطله منذ لحظة مغادرته في الصباح وحتى ساعة عودته في الليل. لذلك يكون شتاينبك حراً في تركيز الجانب الأكبر من إهتمام القارئ على معاناة الغلام وشهامته من التركيز على تهوره وعدم نضجه. على كل حال يجب أن نتذكر دائماً ما حدث في مونتيري وسبب رحيل الغلام الى الجبال وكيفية النظر الى هذه الحوادث. وهذا ما نحصل عليه من مصارحة الغلام لأمه. أن إطلاع أمه على الحقيقة كاملة بدون تردد أو مراوغة هي علامة من علامات الرجولة الحقيقية. لقد تعرض للإهانة لذلك أرتكب جريمة القتل قبل أن يدرك ما كان يفعل. لهذا يكون موته المحتوم مقبولاً من جانب ومثيراً للإعجاب من جانب أخر.

    ويقدم نص تلفزيوني معد عن القصة شاهدته قبل فترة نقيضاً واضحاً لفهم شتاينبك بهذا الخصوص. وبسبب مواجهته لمشاكل فنية مختلفة جداً فقد أراد كاتب النص التلفزيوني توسيع نصه لا من خلال إضافة تلك الأجزاء التي تركها النص الأصلي وحسب وأنما أيضاً من خلال توسيعها وتفصيلها. يظهر الغلام في مونتيري - كان الوقت مهرجاناً ويتورط مع فتاة - ونراه يتعرض للإهانة ثم يقتل الرجل - ويسمح المهرجان بإدخال (كلمة إقحام افضل) بعض الفعاليات الراقصة إضافة الى شيء من الرومانسية . وتعالج عملية الهروب ذاتها بصورة أمينة الى حد بعيد . لكن قيود العرض التلفزيوني أستوجبت أسلوباً سمجاً في جعل الغلام يحدث نفسه وهو يتعذب لأنه كان وحيداً ولم يُمنح الرواي الفرصة لأداء دوره . كان التأثير الكلي مضطربا . ولن أقول أكثر من ذلك: إن الإهانة والجريمة هما الجزءان الوحيدان ذوا العلاقة بالنص الأصلي. وبذلك لا تؤدي الفتاة والرقص، رغم أنهما سببان لُفقا لأهانته، الى نتيجة مثمرة بقدر تعلق الأمر بما تبقى من القصة. ويغدو الأمر مربكاً أيضاً حتى مع الإهانة والجريمة ونحن نرى بطلنا يسفك الدماء. ويبطل مفعول المحاولة الثانية في إثارة عواطفنا من معاناته في الجبال بطريقة مماثلة أيضاً. إن النص التلفزيوني لقصة "هروب" قد حكم عليه بالفشل منذ البداية ربما بسبب قصر النص الأصلي وإعتماده المماثل على المرونة السردية .

  الفكرة المطروحة هي أن القصة قد تكون قصيرة ليس لأن حدثها صغيراً أساساً، وإنما لأن الكاتب قد أختار - في تناوله لواقعة أو حبكة - حذف بعض أجزائها. بعبارة أخرى قد يكون الحدث كبيراً في الحجم لكنه مع هذا قصير في الروي لأن بعضاً منه غير موجود في النص. قد تظهر هذه الفجوات في بداية الحدث أو في مكان ما من مجرى تطور الحدث أو في نهايته أو في أماكن مختلفة. وبنفس الطريقة قد يكون الحدث أطول في الروي لأن عدداً أكبر من أجزائه ذات العلاقة أُدخلت ضمن الحدث.

   وحالما يحدد الكاتب الأجزاء ذات العلاقة التي سيدخلها سيكون عنده خيار أخر يتعلق بالحجم الذي ستُعرض به تلك الأجزاء. بعبارة أخرى قد يصبح حدث معين أطول في الروي عن طريق توسيع أجزائه أو أقصر عن طريق تقليص تلك الأجزاء. هذا يعني ضمناً أن الكاتب قد يعرض بشكل تدريجي أياً من الأشياء التي تظهر فعلاً أو تكون موجودة في مشهد معين - مثلاً حوار محكي أو مناجاة داخلية أو إيماءة أو حركة جسدية أو الملابس أو المنظر الخلفي – أو أنه قد يختصرها ويذكر فقط المواقع الحاسمة. فالحجم المضغوط يستعيد من الحدث بشكل مُختزل كل ما يعمل على دفع القصة الى الأمام وتقديمها بشكل مركز بينما يحاول الحجم الموسع إعطاء إنطباع بأن كل شيء يقدم بصورة مباشرة ومفصلة وكما يحدث أيضاً. يميل الحجم المضغوط نحو تغطية فترة زمنية واسعة للحدث في حيز مكاني صغير نسبياً ، بينما يميل الحجم الموسع نحو تغطية فترة زمنية قصيرة في حيز مكاني واسع نسبياً. طبعاً يرتبط الأمر بجملة من العوامل.

     على كل حال تعتبر المرونة واحدة من المميزات المهمة للعمل القصصي. تقوم معظم السرديات  القصيرة منها والطويلة ، بتنويع حجم التقديم ليناسب التأثير. يتولى الإقتصاد والوضوح بتوجيه الكاتب في هذا المجال كما في السابق. لكن مبدأ التناسب يبدأ في العمل الأن. بالطبع يجب تأشير أجزاء الحدث التي تعتبر أكثر أهمية من الأجزاء الأخرى - سيرتبط هذا طبعاً في كل حالة مع التأثير المنشود - من خلال عرض موسع ، وكذلك يجب تأشير الأجزاء الأقل أهمية .

    بالرغم من أنه ليس لمقدار الزمن القصصي الذي يغطيه الحدث - كما سنرى - علاقة ضرورية مع طول المعالجة فأننا نستطيع القول بأن هناك علاقة متبادلة عامة وأن الكاتب الذي يتناول أحداثاً تغطي فترة زمنية قصيرة - يختار في العادة حجماً أصغر للكتابة. إن قاعدة الإقتصاد ستعلم الكاتب بأن مشهداً واحداً سيكون كافياً إذا كانت مادة القصة التي يكتبها تجري خلال ساعة واحدة. وبطريقة مماثلة إذا كانت مادة القصة تغطي عدة ساعات أو يوماً أو أسبوعا عندها سيتطلب الأمر إستخدام واقعة وإذا غطت مادة القصة عدة أشهر أو سنوات عندها سيتطلب الأمر حبكة. مع ذلك تعكس رواية جيمس جويس المعنونة "عوليس" هذه العلاقة المتبادلة من خلال توسيعها ليوم واحد في رواية كاملة تضم عدة وقائع. وهذا يؤكد من جديد بأننا نتعامل مع مجموعة متغيرات مستقلة.

من جانب أخر تعتبر قصة تولستوي المعنونة "موت أيفان اليتش" أحسن نموذج يمكن العثور عليه لحبكة كاملة جداً قُلصت الى حجم قصة قصيرة، رغم أنها طويلة بعض الشيء. تضم هذه القصة أثني عشر جزء مرقماً بأطوال مختلفة تتناول حياة بطلها- أحياناً هناك عودة الى الوراء- من طفولته وحتى مماته وهو في منتصف العمر، وتتطرق الى دراسته وغرامياته وزواجه وعمله وأطفاله. يتأوج الحدث برمته في إدراك أيفان الأول والأخير، وهو يحتضر، حقيقة الموت ونتيجة لذلك يدرك عقم حياته التي عاشها حتى تلك اللحظة. من الواضح أنه يجب عرض حياة أيفان بأكملها كي يشد هذا التغير القارئ بمقدار مناسب من الوضوح والقوة ، أي أن تأثير إكتشاف إيفان يعتمد في تحقيق مغزاه على معرفة الكيفية التي عاش أيفان بها حياته وما هي القيم والمواقف التي أعتمدها.

  بالرغم من أن حبكة هذه القصة عُرضت بأكملها إلا أن هذه القصة تعتبر قصيرة نسبياً وذلك لأنها عُرضت بحجم مركز. وكذلك الأمر في رواية "عوليس" حيث إنها أطول من المعتاد لان حدثها قد توسع الى أقصاه (كما يبدو) بالرغم من أنه يغطي فترة زمنية أقصر كثيراً من قصة تولستوي.

    على كل حال مازال الإقتصاد هو المبدأ المشترك في هذه الحالة. بالرغم من وجوب عرض حياة إيفان بأكملها، ستغدو الشخصية سطحية ومكررة جداً (وتلك بالضبط هي النقطة) أن هي عُرضت  ضمن حجم كبير قد يصيب القارئ بالسأم الى أبعد الحدود - بالرغم من أن تولستوي يقدم الأجزاء الأكثر أهمية من حبكته بطريقة موسعة. وفعل جويس أيضاً ما كان يجب أن يفعله ليحقق تأثيره رغم أنه تأثير ذو نوعية مختلفة تماماً. بما أن العمل يعتمد على التناقض المضحك بين الإنسان كما هو وبين الإنسان كما يجب فأن على جويس أن يؤكد وعلى نحو محدد على وضاعة الحياة اليومية وحقارتها. لذلك فأن التوسيع غير المحدد سيخدم غرض جويس لكنه سيعيق تولستوي عن تحقيق هدفه.

   ويمكن أيجاد فارق مفيد بين القطبين لو عقدنا مقارنة بين قصة "موت أيفان اليتش" التي توظف، كما رأينا، درجة عالية من التركيز وقصة "تلال كالفيلة البيض" وهي عبارة عن مشهد واحد موسع لأقصاه بين شخصين ويستغرق ثلاثين دقيقة. يجب أن تكون أسباب هذا الفارق واضحة الأن. عند تولستوي حدث واسع يقدمه، لكن أهمية معظم هذا الحدث تتحدد بمقدار ما يلقي من ضوء على المشاهد القليلة الأخيرة. بينما لدى همنغواي مشهد واحد يقدمه وهذا ما يفعله فقط. لذلك قد تكون القصة قصيرة حتى أن ضمت حدثاً واسعاً لأن معظم الحدث سيقدم بصورة أفضل في حجم مركز.

    أخيراً نستطيع تناول الكيفية التي يرتبط بها أختيار وجهة النظر مع قضية الطول. على سبيل المثال إذا قرر كاتب منح راويه قدرة مطلقة فمن الطبيعي عندئذ أن تنتج بعض الأمور. فقد يعبر الراوي عن وجهة نظره ، كما يحدث في روايتي "توم جونز" و "الحرب والسلام" ، وهذا بالطبع سيزيد بصورة مؤثرة في حجم العمل. أو أن الراوي قد يحلل دوافع الشخصيات وحالاتهم الذهنية بشيء من التفصيل وهو أيضاً ذو قدرة مطلقة. إن مثل هذا التعليق والعرض سيزيد أيضاً من حجم العمل. هذا هو السبب الذي يجعل قصة توماس مان المعنونة "أضطراب وأسى مبكر" تبدو وكأنها تغطي مساحة أوسع عند الوهلة الأولى مما يظهر فعلاً بعد دراسة متروية، ورغم أن القصة تتطلب ساعتين من القراءة فأنها في الواقع تتضمن حدثاً يستغرق فترة زمنية تمتد من غروب أحد الأيام حتى مسائه لكن بسبب تقديم الحدث خلال إطار من العرض والتعليق فيما يخص حالات البروفيسور الذهنية ، ورغم أن الحدث الخارجي ذاته، نتيجة لذلك، نادراً ما يقدم بصورة مباشرة وفي حجم موسع فأن القصة - رغم قصرها- تكون طويلة بقياس الزمن الذي يغطيه الحدث.

  ومن ناحية أخرى توفر وجهة النظر ذات القدرة المطلقة بعض المزايا التي تصب في مصلحة  القصر. أي أن الراوي الذي يتواجد فوق الحدث نفسه قد يمارس، كما يقولون ، سلطات واسعة أستثنائية في قضايا الحجم والاختيار. يستطيع الراوي التلاعب بمادته بحرية تامة لأنه لا يتحدد بقيود بشرية. عليه يستطيع أن يغير مشهد الحدث زمنياً ومكانياً، وبصورة أكثر أهمية للقضية التي نناقشها فأنه يستطيع حذف أو إختصار أجزاء من الحدث لا تستحق معالجة أكثر وضوحاً وتفصيلاً. وعلى المدى البعيد تتميز القدرة المطلقة بمرونتها وأستعمالها في القصة القصيرة والرواية على حد سواء.

   وقد يستسلم الراوي الى التعليق والتأمل مثلما هي الحال مع مالرو في "قلب الظلام وهذا مما يزيد في حجم العمل. وتميل طريقة الروي الدرامية بصورة مشابهة نحو الطول لأنها ترتبط بسبب التسمية بالحجم الموسع كما هي الحال على المسرح. لذلك من الأفضل بالنسبة للكاتب الذي يختار الطريقة الدرامية في كتابة القصة القصيرة ان يبدأ العمل بحدث ذي حجم صغير أو انه يحذف بعض أجزاء ذلك الحدث عندما يتعامل مع حدث واسع.

   بإختصار قد تكون القصة قصيرة لأن حدثها صغير أساساً، أو لأن حدثها ، بسبب أتساعه ، قد قُصر عبر وسائل الإختيار والحجم ووجهة النظر . لا نستطيع القول مقدماً أن سبب قصر القصة القصيرة يعود الى إحتوائها على عدد معين من الكلمات أو لأنها ذات وحدة أكثر أو أنها تركز على الذروة وليس على التطور. كل ما نستطيع فعله بعد تعرفنا على قصر القصة أن نسأل أنفسنا عن أسباب هذا القصر وطريقته متذكرين في ذات الوقت الطرق البديلة للإجابة عن هذه الأسئلة وعن تداخلاتها المحتملة.عندها قد نحصل على فهم متزايد ومن ثم على تقييم الخصائص الفنية المحددة لهذا الفن الجميل والمسؤول والمبخوس القدر الى حد كبير.

 

 

 

 



[1] كتاب فن الشعر من الآثار المنسوبة الى أرسطو طاليس ( 384-322 ق.م ) المعلم الأول فيلسوف يوناني وتلميذ أفلاطون، معلم الأسكندر الأكبر وهو مؤسس مدرسة ليسيوم ومدرسة الفلسفة المشائية والتقاليد الأرسطية. تغطي كتاباته مجالات كثيرة منها الفيزياء و الميتافيزيقيا والموسيقى والشعر والمسرح والمنطق والبلاغة وغيرها . صنف العرب كتاب فن الشعر ضمن كتب المنطق الأورغانونية (أورغانون كلمة يونانية تعني الأله وسميت بهذا الاسم لأن المنطق عند أرسطو هو آلة العلم أو وسيلته للوصول إلى الصواب ) ترجم العرب الكتاب عن السريانية في العصر العباسي الأول على يد أبو بشر متي . قام الفارابي والكندي وأبن سينا وأبن رشد بوضع ملخصات للكتاب . ترجم الكتاب من جديد عدة مرات منها على يد إحسان عباس وعبد الرحمن بدوي و أبراهيم حمادة.

[2] الدليل Writer's Handbook  عبارة عن كتاب شامل وموجز للكتابة الأكاديمية يوضح في العادة إستراتيجيات الكتابة وطرق تنفيذها بشكل جيد. الكتاب يركز على خصائص الكتابة الجيدة مع الكثير من الأمثلة ، خاصة تلك المأخوذة من الأدب.

[3] الكلية Wholeness التفردية  Singleness والوحدة Unity الكثافة (حدّة) Intensity

[4] الساكن STATIC  والديناميكي DYNAMIC من الأفعال

[5] Elder Olson: “An Outline of Poetic Theory” Critics & Criticism pp 546-566

[6] الكلام:SPEECH   منطوق UTTERANCE   واحدٌ متواصلٌ لشخصيةٍ واحدة. يمكن أن يكون هذا مونولوجًا (حيث تتحدث الشخصية مع نفسها) أو مونولوجًا (حيث تتحدث الشخصية مع الآخرين، لكنهم لا يجيبون أو يتحركون). . المشهد SCENE: محادثةٌ متواصلةٌ ذهابًا وإيابًا (حوار) بين شخصيتين أو أكثر في مكانٍ واحد. تضم الواقعة  EPISODE  سلسلةٌ من مشهدين أو أكثر، تُركز جميعها على حدثٍ رئيسيٍّ واحد. الحبكة PLOT     : و هي المستوى الأكثر تعقيدًا، وتتألف من واقعتين أو أكثر.

[7] ألفريد إدوارد هاوسمان Alfred Edward Housman (1859-1936) شاعر إنجليزي كلاسيكي. لقد جذبت بساطة شعره وصورها المميزة الذوق الإدواردي قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها.

[8] إلوين بروكس وايت Elwyn Brooks White (1899-1985) كاتب أمريكي. كان مؤلفًا للعديد من الكتب المشهورة جدًا للأطفال ، بما في ذلك Stuart Little (1945) ، و Charlotte's Web (1952) ، و The Trumpet of the Swan (1970).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير