بنية القصة القصيرة الحديثة
أرنو ليمان بادر
سيتذكر المدرسون الذين درسوا طلابهم نماذج مختارة من القصص
القصيرة الحديثة خيبة الأمل والموقف اللامبالي المحير لنفرٍ من أولئك الطلاب . تتكرر
على مسامعنا ، نحن المدرسون، إنتقادات على شاكلة " لا شيء يحدث في بعض هذه القصص"
و" أنها تنتهي وحسب" أو " أنها ليست قصصاً حقيقية". إن دراسة
العروض التي كتبت حول كتب المختارات للقصص الفائزة بجائزة أوبرين السنوية ومجاميع
كبار كتّاب القصة القصيرة ستظهر موقفاً مشابهاً عند عديد من النقاد المحترفين.
يبدو أحياناً أن عبارة " لا شيء يحدث" تعني عدم حدوث شيء مهم، لكنها
تعني في حالات كثيرة جداً أن القصة القصيرة الحديثة متهمة بإفتقارها الى البناء
السردي. يصاب القراء والنقاد الذين أعتادوا النوع القديم من القصص بالحيرة إزاء
النوع الجديد. أنهم يفهمون بنية وهدف النوع القديم ، لكنهم
لا يجدون ما يقابل ذلك في النوع الجديد. لذا فأنهم يؤكدون أن القصة القصيرة
الحديثة تفتقر الى الحبكة وأنها جامدة وناقصة وعديمة الشكل، وهي غالباً ما تكون هيكلاً
لشخصية أو صورة موجزة أو مجرد تقرير عن
لحظة عابرة أو إستكشاف مسهب لحالة مزاجية أو لتفصيل بسيط أو مشاعر -وهي في الواقع كل شيء ما عدا أنها قصة .
يبدو لي إن هذه
الاتهامات لم تأتي نتيجة دراسة نماذج مختارة من القصص القصيرة الحديثة. سأقارن في
هذه المقالة وأحلل عدداً من القصص القديمة والحديثة في محاولة لأثبات أن للقصة
القصيرة الحديثة بنية وأن هذه البنية لا تختلف عن نظيرتها في القصة القديمة وأن ما يعتبره البعض غياباً ناجم عن التغيرات
الكثيرة في الأسلوب.
إن نوع القصة القديم هو القصة ذات الحبكة التقليدية. لا أعني
بالقصة ذات الحبكة التقليدية بالضرورة ما يعرف الان بقصة الحبكة، بالرغم من أن
الأخيرة تعتبر مثالاً من أمثلة النوع الأول، أنما أعني كل قصة (1) تستمد بنيتها من
حبكة تستند الى صراع يتولد من حدث، (2) ذات حدث متتابع وتصاعدي، اي أنه يقدم شيئاً
للقارئ يتكشف أمامه ويتطور عادة من خلال سلسلة المواقف المعقدة وهذا ما يولد
التشويق (3) ذات حدث يحل الصراع في النهاية وبذلك يمنح القصة هدفاً. يعتبر بناء
القصص ذات الحبكة التقليدية درامياً في الأساس. في مكان ما من بداية القصة يُعطى
القارئ مساراً لتتبعه، قد يكون عرضاً واضحاً للصراع أو إشارة اليه أو أحيانا مجرد
إحساس بالغموض أو الشدة أو إحساس بوجود صراع مجهول الطبيعة، ومن ذلك المكان
وصاعداً يلاحق القارئ الحدث وصولاً الى الذروة وحل العقدة النهائي. توجد خاصية
هندسية في بناء هذا النوع من الحبكة. فمثلما نقدم فرضية ونطورها من خلال الحجج لنثبتها
في النهاية كذلك هي الحال مع الصراع حيث يقدم لنا في بداية القصة ويطور من خلال
سلسلة مشاهد ثم يحل في نهاية القصة. ويكون أختبار وحدة العمل في مثل هذا البناء
بسيطاً جداً. يجب أن لا يرتبط أي مشهد أو حادثة أو أحد تفاصيل الحدث بعلاقة مباشرة
مع الصراع وحلّه فقط وأنما يحمل أيضاً نصيبه من المعنى في المكان المحدد الذي يحتله
من تقدم الحدث. وبذلك يستمد القارئ إحساسه بالوحدة أو مشاهدته شيئاً يتطور الى
نقطة الإكتمال بتركيز الكاتب على الصراع والحل النهائي للصراع.
يبدو واضحاً أن القصص ذات الحبكة التقليدية يمكنها أن تظهر
بأشكال مختلفة. ليس في الضرورة أن تكون الحبكة ضيقة ومقيدة للحركة كما هو الحال في
القصة- القالب[1]، وتعتبر
الحبكة مجرد عنصر من عناصر شكل القصة القصيرة الكامل. لذا قد تكون الحبكة العنصر
المهيمن في القصة أو قد تأتي في الأهمية بعد الشخصية أو الموضوعة أو مناخ القصة
العام .
قد يكون هناك نوعان
أساسيان للصراع: الأول صراع خارجي تتصارع فيه الشخصية مع عائق مادي، والثاني صراع
داخلي أو صراع داخل الشخصية. هنالك أيضاً خلافات واسعة حول سرعة توضيح الصراع
للقارئ والمقدار المسموح للقارئ أن يفهم من هذا الصراع في مرحلة مبكرة من القصة.
تعتبر قصة جاك لندن
المعنونة "حب الحياة" مثالاً مناسباً للقصة التي تكون فيها الحبكة
مهيمنة وخارجية. ينجح منقب في الشمال القصي ، بعد أن تركه شريكه من دون طعام
ومؤونة، في تجاوز خطر الموت بسبب الجوع أو تقلبات الجو أو هجوم الحيوانات
المتوحشة. يكون الصراع هنا بين الإنسان وقوى الطبيعة. يتوضح ذلك مبكراً في القصة ويتركز
عليه أنتباه القارئ طوال القصة. أن الحدث تصاعدي أو متتابع - يتكون من سلسلة حوادث
تشكل كل واحدة صراعاً ثانوياً مستقلاً. يظهر حل العقدة النهائي عندما يصل الرجل
الى بر الأمان، وتنتهي القصة فقط عندما تصبح النتيجة محققة. والمثال الثاني، وهو
قصة " مالك حزين أبيض " لســارة أورني جيوبت[2]، تغلّب
الشخصية على الحبكة. يطلب عالم طيور شاب من طفلة عاشقة للطبيعة في التاسعة من
عمرها أن تدلّه على أماكن مالك الحزين كي يضمن الحصول على أنموذج لمجموعته. لكن
الطفلة ترفض الطلب. يكون الصراع داخلياً ، بين حب الطفلة للطير الجميل ورغبتها في
إرضاء الرجل الشاب وحصول جدتها على الجائزة التي يعرضها. على كل حال لا يظهر
الصراع حتى منتصف القصة لأن النصف الأول منها مخصص لرسم الشخصيات الذي يعتمد عليه
حل الصراع في النهاية. ومع ذلك وبالرغم من الإختلافات بين القصتين، الا أن القصة
الأخيرة تلتزم بنفس النمط البنائي للحبكة التقليدية التي تمثلها قصة جاك لندن. كل
ما تقوم به الحبكة هنا أنها تقدم بناء هيكلياً للقصة القديمة سواء أسميت قصة مناخ
عام مثل قصة " سقوط عائلة آشر" أو قصة نفسية مثل " مارخيمر" أو قصة ثيمة مثل "أيثان براند" .[3]
بالمقارنة تبدو القصة
الحديثة دائماً بلا بناء سردي وقد سميت، كما
ذكرنا سابقاً ، قصة عديمة الحبكة وغير كاملة وعديمة الشكل. من المؤكد توفر دليل
يثبت أن الكاتب قد حاول التملص من الحبكة التقليدية. يشعر الكاتب بأن الحبكة
مصطنعة وغير واقعية. تعتبر الملاحظات التي ذكرها شيروود أندرسون في مذكراته مثالاً جيداً على ذلك :" أسميتها الحبكة السم في أحاديثي مع أصدقائي.
طالما بدا لي أن مفهوم الحبكة يسمم فن القصة...
كانت هناك في تركيب هذه القصص أشكالاً كثيرة جداً لكن الإنسان وحياته مهملان
تماماً في جميع تلك الأشكال... أنا على يقين من عدم وجود قصص قصيرة ذات حبكة في
أية حياة عرفت شيئاً عنها." [4]
ويُسجل نفس الرأي عن التعارض بين الحبكة والواقعية في مقالة مثيرة كتبها بونارو
أومرستريت[5] "
كان كاتب القصة في القرن التاسع عشر أستاذاً في الحبكة. ثم جاء القرن العشرين
وأتخذ الكاتب موقفاً ثائراً بعدما رأى أن الحياة لا تتكون من مجموعة حوادث مقسمة
بصورة مرتبة."
يبدو لي أن مثل هذه
الملاحظات ليست أحتجاجاً موجهاً ضد الحبكة بقدر ما هي موجهة ضد سوء إستخدام
الحبكة. أنها في الأساس أحتجاجات ضد الحبكة المستندة على صيغ جاهزة وعلى العاطفية
المضللة لواقع تلك الصيغ التي يعتبرها الكاتب مصطنعة. مع ذلك لا ضرورة لأن تكون
الحبكة مصطنعة. يعتبر الصراع ، وهو أساس الحبكة، مادة الحياة الأساسية سواء كان
داخلياً أو خارجياً. أن نوع الصراع الذي يختاره الكاتب والطريقة التي يتم بها
تطوير الصراع قد يتفاوت ويجب أن يختلف من قصة الى أُخرى تبعاً الى الأهداف الشخصية
للكاتب. ليس مفروضاً أن تُظهر الحبكة الناجحة الملاحظات المبتذلة والأنماط
الميكانيكية لقصص الصيغ الجاهزة. والحقيقة أن القصص الحديثة التي تلبي إفتراضا
حاجات كتابها المتعلقة بدافع الواقعية تظهر البناء التقليدي للصراع والحدث وحل
العقدة. يبدو لي أن إتهامات الإفتقار الى الحبكة أو البناء الضعيف والمهلهل التي
أطُلقت ضد القصة الحديثة يمكن تعليلها بصورة أفضل بواسطة التغيرات في الأساليب
الحديثة.
يعتبر " ضيق"
الموضوعات والأسلوب غير المباشر أبرز هذه التغيرات. تسبب نزعة الكاتب الحديث نحو
الواقعية تركيزاً على لحظة زمنية محددة أو على مساحة ضيقة من الحدث كي يمكن
إستكشافها وفهمها بدرجة أعمق. إحدى النتائج المترتبة على ذلك إن الكاتب غالباً ما
يجد قصة في مادة معينة لم تقدم شيئاً لكاتب أخر في السابق. من الطبيعي أن يستفيد
الكاتب قليلاً من تعقيدات الحبكة لأنه يعتبرها مصطنعة، ويتضاعف الأمر عندما يكون
الموضوع محدداً. على كل حال يعتبر التأكيد الواضح على الأسلوب غير المباشر أكثر
أهمية من محدودية الموضوع. وينبع الأسلوب غير المباشر من الميل الحديث الكبير نحو
الدقة وكذلك نحو المثالية الواقعية . من الأساليب الحـــديثة المفضلة أسلوب
الاقتراح والتلميح والتضمين والإبتعاد عن الإعلان المباشر والصريح . وقد أحسن
سترونغ[6] وصف
الأسلوب بقوله:
" يكتفي الكاتب المعاصر أن يُري القاريء
لمحة سريعة وصغيرة عن حياة إحدى الشخصيات.
كأنك تنظر من نافذة فلا ترى سوى لحظة، وليس المشهد بأكمله.يتعمد الكاتب ترك الكثير
من الأمور دون ذكرها. يُقدم لك هذا الحدث الصغير ذي المعنى حتى يتمكن خيالك من ملء
جميع التفاصيل والخلفية والمستقبل. • بدلًا من ان يقدم
لك حبكة مكتملة ومُحكمة ("حدث مُكتمل")، أو يحل لك المشكلة الرئيسية في القصة
.يقدم لك الكاتب جزء واحد أساسي من تلك الفسفساء . وإذا كان القراء منتبهين جيدًا ولديهم
بصيرة ثاقبة فيمكنهم استخدام ذلك الجزء الاساسي لإعادة بناء الصورة الكبيرة لبقية القصة ذهنيًا حتى
لو لم تكن مرئية بالكامل."
بتعبير آخر، وكما سيتوضح في التحليل اللاحق، على القارئ تقديم
الأجزاء المفقودة من حبكة تقليدية في عدد من القصص الحديثة .
تعتبر قصة حلاقة في
تولوز لوليم مارج[7] من
مجموعته المعنونة " بعضهم يفضلها قصيرة" - مثالاً على ذلك :
" يقابل عسكري من الحرب العالمية الأولى رفيق
حرب قديم يدعى بوب ديكر في إجتماع للمحاربين القدماء في فرنسا. يبدو ديكر، الذي
أصبح بديناً وفي منتصف عمره، مضحكاً وهو يرتدي بدلة مزخرفة مكونة من بنطال ذي
أشرطة ذهبية ومؤخرة جرسية الشكل وبلوزة حريرية بيضاء ووشاح قرمزي كبير وقبعة
مكسيكية كبيرة. يحكي ديكر لصديقه حكاية لم يرويها مطلقاً لأحد سابقاً. بعد الحرب
ذهب إلى حلاق فرنسي في مدينة تولوز حيث ضاعت كل محاولاته في أخبار الحلاق أنه يريد
منه أن يقص شعره عند الرقبة ولا يقصه عند أعلى
الرأس.
وعندما أعيته القدرة على مواصلة الإحتجاج، وافق على أن يضفر الحلاق شعره. أعترته
الدهشة للنتيجة التي أقنعته." لقد
أظهرت قصة الشعر شيئاً لم أعرف بوجوده سابقاً." لكنه فكر بعد ذلك مباشرة في
أنه إذا ظهر في ثكنته بشعره المضفور فلن ينسى قط سخريات زملاءه. التقط المقص وجز
جانباً من شعره المضفور وأرغم الحلاق على إكمال الأمر، بينما حزن في داخله على عدم
قدرته على فعل ما أراد.
مع نهاية هذه
الحكاية تنضم زوجة ديكر وأبنته البالغة من العمر اثنتي عشرة سنة الى الجمع ، وبعد
أن تعرفوا على الموجودين تعتذر السيدة ديكر للزي الذي يرتديه زوجها
وتضيف قائلة " جميع الرجال من وحدته يرتدون نفس الملابس" لكن الأبنة
تقول " ألا تعتقدين أن والدي يبدو مضحكاً في هذه البدلة؟" ولبرهة "
كان التعبير في عينيه وكأنه نفس التعبير عندما التقط المقص من الحلاق الفرنسي، لكن
الموقف مرّ بسرعة وأبتسم ديكر ..." يسحب ديكر طفلته ويقول لها برقة "
ألا تعتقدين أن والدك يعرف ذلك مثلما تعرفينه أنت؟"
إذا كان ملخص القصة
محيراً لبرهة من الزمن فالقصة أيضاً محيرة لأن الأسلوب غير مباشر. يهدف الكاتب في
هذه القصة الى وصف صراع داخل الشخصية وتمكيننا من رؤية الرجل من الداخل ومن إلقاء
نظرة خاطفة على كل ما هو شخصي في داخله حتى لو كان خافياً عن العالم. يريد ديكر،
الملتزم في الظاهر، في سره يريد أن يكون متميزاً ويريد أن
يكون أنيقًا ومواكبًا للموضة، متجاهلًا علنًا قواعد اللباس الشائعة. ، لكنه يخشى
سخرية الناس. قبل خمسة عشر سنة من تاريخ بدء القصة أستسلم ديكر لخوفه من السخرية
بأن جزَّ شعره المضفور، ما زال حتماً الأن مستسلماً لذلك الخوف. ولأن جميع أفراد
الكتيبة أختاروا زياً مزخرفاً للإجتماع يستطيع ديكر الظهور بطريقة ترضي نفسه. لكن
وراء الفرح الظاهري، وتلك هي النقطة الأساسية في القصة، يقبع الوعي المحزن لمظهره
المضحك الذي تركزه ملاحظة الأبنة ورد بيكر عليها " ألا تعتقدين ان والدك يعرف
ذلك مثلما تعرفينه أنت؟"
وعندما نفهم القصة
سيظهر أنها تتمتع بالعناصر التقليدية للتركيب السردي. يوجد صراع لكنه لا يتوضح
بصورة مباشرة للقارئ. يكون هدف الكاتب الرئيس جعل القارئ يرى الصراع ويدركه كي
يستطيع فهم ديكر الإنسان. يتوضح ذلك عن طريق الحدث، وهذا الأمر يبعد القصة عن
الأسلوب التقليدي. يوجد مشهدان غير مترابطين في الظاهر، الأول في صالون الحلاقة في
مدينة تولوز، والثاني في باحة فندق عندما تظهر الزوجة والابنة. إن الإفتقار
الظاهري للترابط مقصود. لن يكون التأكيد على تتابع المشاهد وتلاحقها أو على ما
أسميناه سابقاً الخاصية الهندسية وأنما يكون على المعنى. عندما يقدم ذلك الجزء من الفسيفساء الى القارئ، حسب تعبير سترونغ، فعليه أيجاد الصورة
الكبيرة . تكون العبارة التالية مفتاح ذلك
الفيسفساء : " كان التعبير في عينيه وكأنه نفس التعبير عندما التقط المقص من
الحلاق الفرنسي." وعندما يقول ديكر في نهاية القصة " ألا تعتقدين أن
والدك يعرف ذلك مثلما تعرفينه أنت؟" فيجب أن يربط القارئ، في لحظة تجلي،
العبارتين وتقديم ما تم حذفه أيضاً. إن الأمور المحذوفة عبارات واضحة عن ماهية
صراع ديكر الداخلي وعن حقيقة التقاليد التي خذلته أكثر من مرة .
أخيراً تلبي القصة الشرط الثالث لبناء الحبكة حيث يقوم الحدث في
حل الصراع. ويكون الأسلوب هنا غير مباشر أيضاً. وتُقدم العقدة بشكل ضمني. فبدلاً
من أن ينقلنا الكاتب الى داخل عقل ديكر يقدم لنا عبارتين موضوعيتين ، واحدة عن
النظرة في عيني الرجل والثانية حول ما يقوله. يتوقف الكاتب بعدما يقدم للقارئ
الإيحاءات المطلوبة. يصبح التلميح هذه المرة إشباع ديكر رغبته في اللبس بالطريقة
التي تعجبه والتي تجنبه السخرية. لكن ملاحظة أبنته أعادته بصورة محزنة الى واقع
عالم ذي نزعة تقليدية. ويحل الصراع المباشر عندما يستسلم ديكر ثانية لخيبة الأمل.
حقاً أن القصة تستمد كثيراً من قوتها في قدرتها على وضع مخيلة القارئ وراء حدود
القصة لجعله يدرك ان حياة ديكر قد شملت تجارب عديدة مماثلة وأن خيبة أمله ستستمر
أفتراضا حتى نهاية حياته. إضافة الى ذلك يجب ملاحظة أن حل العقدة ولحظة الإدراك في
مثل هذه القصة متزامنتان عملياً وان العاطفة تثار أساساً في النهاية عندما يفهم
القارئ الموقف .
إذن يمكن القول أن مثل هذه القصة تمتلك عناصر البناء التقليدي.
يكون مبدأ الوحدة فيها هو مبدأ العلاقة المدركة. تساهم كل حادثة في إدراك تلك
العلاقة، وهنالك ترتيب أجزاء مفروض وسيتسبب حذف أية حادثة في تدمير الوحدة، بل
تدمير المعنى كله. من الواضح أن هذه القصة تضع شروطاً على الكاتب والقارئ. يجب
حساب التلميحات والإيحاءات بدقة كي يتم الكشف عن المطلوب دون زيادة أو نقصان ويجب
أن يكون القارئ يقظاً في الإستحواذ على ما يقدم له ويبني منه مخطط المعنى المطلوب.
المثال الثاني لقصة من النوع الحديث هو قصة جون أوهارا[8] المعنونة هل " سنسافر غداً " من مجموعته المعنونة "أرتال مستعرضة" :
" تقيم السيدة والسيد
كامبل، وهما زوجان شابان من مدينة مونتريال، في منتجع في الولايات المتحدة.
الزوجان منعزلان عن الأخرين الى حد بعيد، رغم أن " السيدة كامبل وهي امرأة
جميلة وودودة" قد كونت علاقات بسيطة مع بعض النزل الآخرين. يقابل الزوجان
بالصدفة السيدة والسيد لومس في بار الفندق ويتحدثون قليلاً أثناء تناولهم
المشروبات. نعرف بأن " السيدة كامبل سعيدة جداً في ذلك الأصيل."لكن السيد
كامبل لم يقل شيئاً.
في إحدى الأماسي وبعد أن عرضت إدارة الفندق
أحد الأفلام يصر السيد لومس على تقديم المشروبات الى السيدة والسيد كامبل. عندما
يطلب السيد لومس المشروبات، يطلب السيد كامبل من النادل ان يحضر القنينة كلها.
وبعد لحظة من التردد يؤكد السيد لومس ما قاله السيد كامبل. يتناول الحديث أشاعات
نجوم السينما بينما يبقى السيد كامبل متحفظاً بصورة ملفته للنظر ، وهو يواصل شربه
بأعتدال. لكن عندما يشعر السيد والسيدة لومس بذلك ويوجهان ملاحظاتهما الى السيد
كامبل، يبدأ الأخير في الإستجابة بطريقة مبالغة ويومئ برأسه قبل ان يحين موعد ذلك
ويقول "نعم ، نعم ، نعم" بسرعة. بدأ بعدها بحكاية قصة " عن رجل دين
وتحليلاً للنساء ومواقف لا تصدق وديوث وكلمات لا تكتب ولا شيء." يتمنى السيدة
والسيد لومس، وقد أصابتهما الدهشة والحرج، ليلة سعيدة للسيدة والسيد كامبل ويغادران
.
تقول السيدة كامبل ، التي طأطأت رأسها عندما
كان زوجها يروي قصته، الأن " أتساءل أما زال الرجل عند طاولة حجز تذاكر
السفر. لقد نسيت التذاكر ليوم غد" . يتساءل زوجها " غداً؟ هل سنسافر
غداً؟" تجيب الزوجة " نعم " وتنهض لترتيب أمر التذاكر."
ومن جديد قد تسبب
القصة وملخصها صعوبة مؤقتة. ومع ذلك فقد قدم الكاتب مفتاح الفسيفساء . ولأنها
ترتبط بزوج مدمن يتحول الى شخص عدواني عندما يصبح ثملاً، تقضي السيدة كامبل حياتها
متنقلة بزوجها من منتجع الى أخر. يجري التلميح الى ما يحدث في القصة وهو النمط
المتكرر لحياتهما. عندما يصلان الى فندق جديد يبديان أولاً بعض التحفظ، لكن بعد
فترة تُجبر السيدة كامبل بسبب طبيعتها الودودة على الحديث مع النزلاء الآخرين
وتبادلهم التحيات. وسرعان ما يقيمان علاقات أجتماعية مع الأخرين عن طريق الصدفة.
يكشف السيد كامبل عن حقيقته وتشعر زوجته بضرورة الرحيل ،" السفر غداً ".
إضافة الى حقيقة كون
القصة قصيرة زمنياً مثلما هو الحال في قصة مارج المعنونة "حلاقة في تولوز"
، فأنها تحمل مواصفات مشابه على العموم. هنالك وقبل كل شيء صراع في القصة، صراع
مباشر بين السيدة والسيد كامبل، لكن من وجهة نظر أوسع هذا الصراع هو بين رغبات
السيدة كامبل في إقامة صداقات إجتماعية أعتيادية وبين الأعراف الإجتماعية التي لا
تستطيع مسايرتها بسبب تصرفات زوجها. وكما في قصة مارج، لا يتوضح الصراع هنا بصورة
مباشرة أمام القارئ بالرغم من أن القصة تهدف برمتها الى جعل القارئ يفهم هذا
الصراع. وعندما يفهمه يتعاطف مع السيدة كامبل . مرة أخرى يكشف الصراع عبر الحدث
الذي يكون متقطعاً من الناحية الدرامية لكنه يهدف الى علاقة مفهومة. هنالك أربعة
مشاهد. المشهد الإفتتاحي حيث تكون السيدة والسيد كامبل مجرد متفرجين في الفندق.
والمشهد الثاني هو اللقاء العرضي مع السيدة والسيد لومس، ثم هناك مشهد اللقاء
الثاني مع السيدة والسيد لومس حيث يحكي كامبل قصته، المشهد الأخير الذي يصل ذروته
عندما ندرك الموقف كاملاً وندرك من وراءه نمط حياة الزوجين. تصبح كلمة
"نعم" رداً على سؤال زوجها " غداً؟ هل سنسافر غداً؟" مفتاحاً
للقصة . في هذه اللحظة وعندما تتوفر كل الأمور المحذوفة الضرورية تصبح جميع
المشاهد والتفاصيل السابقة ذات معنى. في هذه الحالة ترتبط الأمور المحذوفة
الأساسية بماضي عائلة كامبل. على القارئ أن يلاحظ أن ما يظهر في القصة سبق وأن ظهر
مرات عديدة في السابق. أخيراً يحل الصراع المباشر حين يتضح أن السيدة كامبل فشلت
مرة أخرى في تحقيق رغبتها. وكما حدث في قصة مارج، فأن حل العقدة ولحظة الإدراك في
هذه القصة متزامنتان. ويجري أثارة العاطفة في نهايتها ولا يحل الصراع الأساس فيها
ما دامت حياة السيدة كامبل مستمرة على شكل سلسلة من " الرحيل غداً ".
الوسيلة الثانية
لإثبات وجود بناء في مثل هذه القصة هي إعادة تشكيل الأجزاء في المخطط الدرامي
التقليدي. يمكن ان تبدأ القصة - على سبيل المثال - بوصول عائلة كامبل الى المنتجع
الجديد. بعد ذلك ربما نتعرف على ماهية مشكلة السيدة كامبل وكيف تتطلع نحو علاقات أجتماعية
وكيف أنها حاولت مراراً تحقيق بداية جديدة كما تحاول الأن عند بداية القصة. ستبني
السيدة كامبل أمالها مجدداً بعد اللقاء
العرضي الأول مع أسرة لومس، ليهِدها تصرف زوجها في اللقاء الثاني مع أسرة
لومس. وستكون النهاية نفس النهاية، الإشارة الى التذاكر والى الرحيل غداً. لو أن
القصة كتبت وفقاً للمخطط الدرامي فأن البناء التقليدي للصراع والحدث المتتابع وحل
العقدة سيظهر بصورة واضحة. سيلاحق القارئ، بعد معرفته بالوضع مبكراً في بداية
القصة، الحدث بصورة أساسية ليعرف النتيجة. سيكون السؤال: هل ستنجح السيدة كامبل أم
تفشل؟ على كل حال، وكما هو الأمر في القصة فأننا سنصل الى فهم الموقف أو الصراع
والمحصلة أو حل العقدة بصورة متزامنة. ومع ذلك فأن عناصر البناء السردي موجودة رغم
إختلاف النمط .
عليه يبدو لي أن
القصة القصيرة الحديثة تُثبت إمتلاكها للبناء السردي المستمد من الحبكة. لا يختلف
بناء القصة القصيرة الحديثة في الجوهر إختلافا كبيراً عن بناء القصة التقليدية أو
القصة القديمة، لكن أسلوبها يختلف، وكثيراً ما يسيء النقاد والقراء فهم أختلاف
الأسلوب على أنه إفتقار للبناء.
[1] القصة القالب formula Story
هي القصة التي يتم فيها إعادة استخدام الأحداث الرئيسية أو الحبكات إلى الحد الذي
يتمكن معها القاريء من تنبوء ما ستؤول
اليه الأمور. وهي تشابه ما يعرف بالقصة-الجنس الأدبي Genre Storyالتي تحدد عدداً من
المشاهد التي يعاد أستخدامها بشكل متكرر.
تُستخدم تسمية القصة القالب في النقد الأدبي للإشارة إلى الافتقار إلى
الأصالة. تتضمن الحكاية القالب Formulaic tales
حبكات أعيد استخدامها كثيرًا بحيث يمكن وبسهولة التعرف عليها. لا ينبغي الخلط بين
القصة القالب وبين محاكاة عمل آخر أو أسلوب مؤلف آخر وهو ما يعرف ب (pastiche) ، على الرغم من أن الأخير بطبيعته قد يتضمن عناصر من الأول.
غالبًا ما ترتبط القصة القالب بالمجلات الرخيصة التي شاعت في النصف الأول من القرن
العشرين .
[2] سارة أورني جيويت Sarah Orne Jewett
(1849–1909) روائية وكاتبة قصة قصيرة وشاعرة أمريكية ، اشتهرت بأعمالها ذات الطابع
المحلي للمناطق الواقعة على طول الساحل الجنوبي لولاية مين أو بالقرب منه.
[3] الأولى The Fall of Usher House بقلم أدغار آلان بو Edgar Allan Poe الثانية Merkheim لروبرت لويس ستيفنسون Robert Louis Stevenson و الثالثة Ethan Brand لناثنيال هوثون Nathaniel Hawthorne
[4] Sherwood
Anderson .A Story Teller's Story: A Memoir. UNIVERSITY OF MICHIGAN REGIONAL.2005
[5] Bonaro
Overstreet,” Little Story, What Now?” Saturday Review of Literature, XXIV
(nov.22,1941)
[6] ليونارد ألفريد جورج سترونغ Leonard Alfred George
Strong (1896 - 1958) روائي وناقد
ومؤرخ وشاعر إنجليزي شهير ، يكتب تحت أسم إل جي سترونغ L. A. G. Strong.
شغل منصب مدير دار النشر Methuen Ltd
من عام 1938 إلى عام 1958.
[7] ويليام مارج William March
(1893 - 1954) كاتب أمريكي ، أصدر ست روايات وأربع مجموعات قصصية ، وقد أشاد به
النقاد ولكنه لم يحظ بشعبية كبيرة أبدًا. تطوع في مشاة البحرية الأمريكية وشارك في
الحرب العالمية الأولى .بدأ في كتابة القصص القصيرة أولاً ، ثم في عام 1933 أصدر رواية مستمدة من تجربته في الحرب أسماها
السرية ك . تضمنت أعماله التالية سلسلةروايات بيرل كاونتي
وروايات وقصص قصيرة تدور أحداثها في موطنه الأصلي جنوب ألاباما ، أنجحها رواية
المرآة ، الا أنه لم يحقق الشهرة . نُشرت روايته الأخيرة بذرة الشر في عام 1954 ،
وهو العام الذي مات فيه الكاتب. حققت الرواية نجاحاً كبيراً وتحولت الى مسرحية في
عام 1954 ، ثم فيلم في عام 1956 و 1985 و 2018.
.jpg)
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق