قراءة القصص القصيرة وكتابتها
يودوار ولتي
1
علمتنا التجارب بأننا عندما نكتب نكون وحيدين وبلا معين وفي
حالة من العزلة المطلقة. وعلمتنا التجارب كذلك بأن كل قصة هي شيء محدد وليس شيئاً
عمومياً أبداً ، أبداً . وقد تكون الكلمات التي نكتبها في القصة الأن لم تستعمل قط
من قبل. لكنها تتألق جميعاً. إنها لم تتلوث
مطلقاً. تعتبر القصص أشياء جديدة والقصص تجعل الكلمات جديدة. تلك هي إحدى خدعها
وجانب من جمالها. وبالطبع فأن قصص العالم العظيمة هي القصص التي تبدو بإستمرار
جديدة لقرائها لأنها تحتفظ بقدرتها على كشف شيء ما.
لكن بالرغم من أن
جميع القصص التي ما تزال في مخاض الكتابة تبدو جديدة، وبالرغم من أن القصص الجيدة
هي قصص جديدة وتبقى جديدة فأن هنالك دوماً بعض المواصفات والوظائف الخاصة بها (وهي
قديمة قدم الدهر والطبيعة البشرية ذاتها) التي تجعل القصص متشابهة الى حد ما أو
على الأقل تنتسب لعائلة واحدة. وربما هنالك أشياء أخرى، لم تُكتشف بعد، تتعلق
باللغة وبالأسلوب وبالمعرفة الكونية تحيد بها عن فهمنا الحاضر. يتناول النقاد
والمؤرخون والباحثون مثل هذه القضايا - وهم على بينة جيدة بها- أما نحن
كتّاب القصة القصيرة وعندما يصيبنا الفتور- في المدة بين كتابة قصة وأخرى- فإننا
نخوض في عموميات تستحق الحديث عنها.
بين كتابة قصة وأخرى- نعم، هذا عندما نستطيع الحديث.
أعتقد أننا نكتب القصص على أمل تحقيق التواصل، ويحدونا الأمل
نفسه عندما نعد طبقاً من الهُلام. إن التواصل وأمل تحقيقه هما من مستلزمات الحياة
ذاتها. لنعتبر الأمر مفروغاً منه ولن تُضللنا الإثارة . نأمل أن أحداً سيتذوق
الهُلام الذي أعددناه ويتناوله بمتعة تفوق ما يستحقه ويطلب المزيد- لا نطلب أكثر
من ذلك عندما نكتب القصص. في أعماق قلوبنا وعقولنا هنالك دوماً مثل هذه الآمال
ومخاوف حاضرة من أننا قد نفشل- نفعل كل شيء بدافع شكل من أشكال الحب أو الرغبة في
الإرضاء. إن كتابة القصة توظف حتماً قوة هذا الحب أو الأمل ولن توظف الشكل البسيط
والسطحي الذي يشبه الشكل الذي يظهر- رغم جماله- عندما نُعد الهُلام.
عند كتابتنا إحدى
القصص نضغط كل ما نملك من طاقة لتصل الى حالة تغيير تامة - كي نعمل من أجل الهدف الوحيد
والمكثّف في جعل عملنا ممتازاً ويتماشى مع الفكرة التي نحملها عن الجمال . إن تبدد
هذه الطاقة سيمنع ، على المدى البعيد ، قصتنا من تحقيق التواصل الى الحد الذي
سيمنعها من أن تكون فيه قصتنا .
على العموم فأن مشاكل
القصة العملية هي تفاصيل صغيرة قد لا تستحق الإهتمام. لن تتوقف الأشياء الصغيرة
التي تغيضنا وتشغلنا في كل قصة. هناك تكون المساعدة ممكنة. ولكون تلك الأشياء
صغيرة قد يفسر لنا سرعة تخلصنا منها تماماً حالما ننهي كتابة القصة. من منا سيتذكر
بعد ذلك إرهاصات تفقد الأولاد أو إعداد القارئ لجريمة القتل أو وضع القمر في
المكان الصحيح من السماء؟ إنها حقاً ليست مشاكل مهمة، والصبر هو الجواب - الزمن
والصبر .
وكي نصل الى المشاكل
العمومية علينا أن نتوغل عميقاً - في الواقع - الى أبعد نقطة نستطيعها- في عملية
الكتابة ذاتها. إن المسألة برمتها ذاتية. كل ما نعرفه عن الكتابة هو ما تتبدى لنا
عليه. إنها ليست عملية محاكاة.
كل ما لدينا هو
الإرتباط المباشر بالقصص القصيرة، قراءتها وكتابتها. ليس من واجبنا ملاحظة
المؤثرات ومتابعة التواريخ ودراسة الإتجاهات. نصبح في معمعة القصص من خلال
إرتباطنا الشخصي والمباشر بها. ننظر نحن الكتّاب الى فن القصة القصيرة من خلال هذه
الزاوية القريبة وغير الرومانسية، وربما من زاوية أقل يقيناً وأكثر عاطفية بكثير .
إذا تعلمنا من النقاد
في الغالب أشياء صغيرة عن التقييم فهل
سيعلمنا العمل الأشياء الكبيرة ؟ أعتقد أنه الطريق الوحيد لكنه ليس بالطريق
المحصن. إي لا يوجد ما يضمن أننا سنكتب قصة أفضل في المرة القادمة من تلك التي
أنهيناها تواً. تبقى بعض القصص الأولى أحسن ما قدمه بعض الكتّاب. نحن نعمل بالقصة
(كوحدة قياس). تكون القصة التالية شيئاً مختلفاً دائماً. الأيام لا تتشابه- الزمن
يتحرك. ليس هناك قصتان متشابهتين- الزمن يتحرك. كنا في قصة ونحن الأن في قصة أخرى-
عالمان- وهنالك العديد منها أيضاً، رغم أن هذه الفكرة لا تغني ولا تشبع في أي من
تلك القصص التي نحاول جاهدين كتابتها الأن .
2
كيف نكتب قصة؟
بطريقتنا الخاصة. ما خلا ذلك أعتقد من الصعب تحديد طريقة لذلك. يكون العقل أثناء
كتابة القصة بين أحضان المخيلة وليس وسط حسابات التحليل. هنالك خط فاصل كبير في
وظائف العقل الذي يصب طاقته في إتجاهين: فهو يخلق من خلال الخيال ويُحطم من خلال
التحليل. لكل من الإتجاهين طريقته الخاصة في قض مضاجع الإتجاه الأخر. لكن لماذا لا
يذهب كل واحد في سبيله بسلام ؟
في البداية علينا أن
لا نتجاهل قدرات النقد الجديد ومنجزاته. سيكون ذلك غروراً وتجاهلاً متهوراً. عندما
يكون النقد القصصي مملاً وفطرياً يصبح عندها نقداً أعمى. ومن جانب أخر يمكن لهذا
النقد أن يرى الأشياء ككيانات كبيرة وكعلاقات صغيرة سنكون مغفلين لو أهملنا
تفحصها. بالرغم من كل ما حققه النقد فهو مع ذلك يستطيع أن ينير الطريق إلا أنه غير
مضطر كي يوضح الكيفية. وهنا يكمن الحد الفاصل الكبير .
كصديقة أود أن أقول
للكتّاب المبتدئين أن لا يأبهوا كثيراً لتحليلات القصص التي قد يجدونها في بعض
الكتب المنهجية أو المقالات النقدية. إنها تحليلات بارعة ومفيدة بلا شك للأهداف
التي كُتبت من أجلها، لكنها يجب ان لا تكون مرعبة لأنها ومن زاوية عملية لا ترتبط
عملياً بالكتابة.
وعندما أتحدث عن
نفسي ككاتبة، وهي الحالة الوحيدة التي يحق لي الحديث عنها، فقد أربكتني التحليلات
والنقد لبعض قصصي. عندما أري قصصي تحلل، على الأغلب تفكك الى عناصرها، أفكر
احياناً قائلة "هذه ليست قصتي". ليس لأني أنفر من هذه العملية بسبب
غروري ، لكنني لا أتذكر أنني ابتدأت القصة مع تلك العناصر، أو مع أي شيء يمكنني ان
أسميه كذلك. إن مسألة إرجاع القصة الى عناصرها أو تحليلها لا يعني بالضرورة أنها
بدأت بها، حتماً ليس بصورة مقصودة. يمكن أن تبدأ القصة بأغنية عصفورة.
إن النقد، أو بتحديد أكثر التحليل، هو طريقة مستحيلة لتعلم
الكيفية التي كُتبت بها القصة. إن التحليل هو عملية أحادية الإتجاه، وهو مفيد فقط
بعد وقوع الحادثة .عندما تُعرض قفزة الى الماء بصورة معكوسة في الأفلام الإخبارية
القصيرة يستطيع السباح الرجوع الى أعلى خارجاً من الماء ويختفي الرذاذ ويطير في
الهواء ليعود سالماً وجافاً فوق منصة القفز. لكنك في واقع الأمر لا يمكنك عن طريق التحليل
العودة الى نقطة بداية الإلهام. لأن ذلك سيبدو ضد بعض قوانين الكون. أنا نفسي
أفتقد الى الثقافة العلمية. أسمع بوجود سهم الزمن وأنا متأكدة بكل جوارحي من وجود
سهم الخلق.
سيتذكر قراء السير أرثر أدنكتون[1]،
والذي يستمتع به حتى القراء الذين يتمتعون بخلفية علمية فقيرة إن هم أحبوا الأدب
الجيد، بأن مصطلح الانتروبيا[2] يعني
بالنسبة له التقدم الى الأمام. إن عالمنا المادي في حالة تقدم دائمة الى
الأمام وليس في حالة معاكسة. لا يمكنك أن
توقف قفزة غطس أو تعيد همبتي ودمبتي[3] سوية
من جديد أو أن تعيد السهم بعد إطلاقه الى القوس. لم يكترث السيد أدنكتون لكتابة
القصص القصيرة ولم يذكر ذلك. لكنك لا تستطيع تحليل قصة ما الى عناصرها الاولية وأن
تعثر هناك حقاً على الهدف الذي بدأت معه القصة ثم على الشيء الذي غيّر القصة
وحددها، وعلى ما يجعل منها فعلاً قصة عظيمة وليست مجرد قصة جيدة. إن القصة في
نهايتها هي ليست الشيء نفسه الذي بدأت به. شيء ما يحدث- كتابة القصة. إنها تتقدم
الى الأمام ، وعندما يحدث ذلك فأنا أعتقد بأن قراء تلك القصة يفهمونها من خلال تلك
العملية –التقدم الى الأمام - من خلال
الاستمتاع.
لننظر الى بعض القصص القصيرة بوصفنا كتّاباً للقصة القصيرة وممن
أعجبتهم تلك القصص.
لنراقب برهة كيفية ترتيبها ولنلاحظ حركاتها ونستمتع بها.
لحسن الحظ لن نواجه أية مشكلة تتعلق بعدم الإستمتاع بتلك القصص.
سنتجنب مسألة وضع القصة في مكانها المناسب. إن وضع قصة في مكانها عندما يغدو ذلك
أكثر الأشياء أهمية يعني حتماً عدم الإستسلام الى القصة. ويعني أيضا الإستغراق في
جدية مناسبة والحذر الشديد من الإنخداع وأن لا نكون في وضع يصعب التراجع منه.
وعندما نستمتع بها فسنخرج بالكثير. ومع ذلك فإن هنالك متطلباً أصعب للإستمتاع وهو
المرونة وتفتح العقل وربما تفتح المسامات. لأننا لن نشعر بالإهانة كوننا ننشد
الفهم من خلال المتعة.
أعتقد أننا سنتأكد
من ذلك لو سألنا أنفسنا كيف نريد لقصة نكتبها أن يفهمها القراء؟ من خلال المتعة.
من خلال قرائتها فقط ومن أجل التأثير القوي الأول والدهشة المرافقة له.
أليس ذلك هو الجواب الصادق؟ إن أول أمل راودنا عندما قدمنا قصة
جديدة هو أمل أن تُقرأ القصة بشكل جديد. وهي الطريقة التي يجب أن نقرأ بها القصة.
يا لها من سعادة!
تصوروا كم مرة نُحرم من ذلك. لهذا السبب نفكر بكتب الطفولة بصورة رقيقة جداً. لكن
أليس من حق الكاتب أن يتمنى أن تقرأ قصصه بتلك الطريقة؟ وأليست هـذه الأمنية
مُضمنة في القصة ذاتها ؟ فعن طريق القراءة غير المباشرة أو القراءة الانقيادية كما
تعلمناها أو من خلال الإقتراب من القصة بعقلية غير متفتحة نحن نسيء الى ميزة القصة
الأولى- وهي تفردها_ ونسيء الى ميزتها الأخرى وهي الطراوة أو النضارة. سنصبح
قراءاً منهكين ومتعبين- قراءاً موجَهين وضحايا للملخصات وللكتب المنهجية. ما الذي
سيحدث لنا إذا كتبنا قصصنا ونحن ضحايا هذا الموقف؟ وبينما نحن نقرأ ونكتب علينا أن
ننسى كل ما يقال لنا بإستمرار ولنعثر على العالم الطري من جديد- عالم المتعة
والإستمتاع والقصة الطهور التي يكرهها القراء أو يحبونها لذاتها فحسب.
لا أقصد بالإستمتاع
أن نتساهل مع القصة. يجب أن لا نلين كما طلب وليم سارويان أحيانا من القراء. أقصد
أن لا نُقلق القصة، لا نزعجها أو نفسرها بطريقة مخادعة وكأنما الضمير في محنة. يجب
أن ننظر اليها بصورة موضوعية. إن نراها واضحة وكما هي.
بعد كل ذلك فان
المجاميع والأشكال التي تعودنا رؤيتها في السماء هي مسائل خاصة بنا، و لأن أشياءنا
المشتركة وأبطالنا ظهروا لحظة ظهورنا نحن، أستطعنا ومنذ مدة طويلة رؤية كوكبة فرسوس في السماء وليس مجرد تبعثر عشوائي لأنوار
باهته. لننظر الى قصة محددة ولنعتبرها وحيدة في الفضاء وليس جزء من تيار محدد.
الان ليس مهماً من كتبها أو متى أو في أية مجلة أو كتاب نُشرت أو رفضا نشرها وكم
حصل كاتبها أو كان عنده وكيل أو أستلم هو رسائل عندما طبعت القصة تقول " تبين
أن قصتك لا يمكن إرجاعها الى العناصر الخاصة بالقصة" نحن نرى تلك القصة مثل
عالم صغير في الفضاء الخارجي، مثلما نستطيع عزل نجمة في السماء من خلال الرؤية
المركزة.
3
أول ما نلاحظه
على قصتنا أننا لا نستطيع فعلاً رؤية حدودها الحقيقية- تبدو سابحة في شيء خاص بها.
إنها مغلفة بجو معين وهذا ما يجعلها تشع وربما يخفي في الأساس شكلها الواضح
والحقيقي أيضاً.
يجب أن لا يغيب عن
بالنا بأن الجو العام في القصة قد يكون ألقها الأول- وقد يعطينا أيضا أنطباعاً
مناقضاً جداً لما يكمن تحته. قد يكون الألق ناجم عن الدوران في حلقة. تزيغ بعض قصص
الحدث أمام أكثر هالات الضوء سطوعاً وإبهاراً مثل القصص التي نذكرها هنا. إن
نظرتنا الثاقبة تولد لنا في النهاية الشك بأن هذا الشيء المزدحم مظلم جداً في
الداخل على الرغم من الغيوم المتشكلة جراء السرعة وتلك الألوان الأساسية الحمراء
والصفراء والزرقاء . تبدو مثل واحدة من قصص همنغواي ، وهي فعلاً كذلك .
إن القصة تتصرف
وتتحرك عبر مراحل ، وهذا جانب منها. بعض القصص تخلف شريطاً من الضوء خلفها، مثل
النيزك، بحيث يمكننا أن نرى معناها وكأنه تأثير متأخر بعد فترة من أنبهار عيوننا
بضيائها. تعتبر هذه القصص المندفعة بقوة ومن عدة نواحٍ من أكثر القصص إمتاعاً، هي
من نوع القصص الذي يسمى أحيانا الرؤيوي. أعتقد أن قصص فوكنر هي مذنبات وليست
نيازك. إن قصص فوكنر، وهي بطريقة ما زالت تتخطى تطرفها وفجائيتها وعدم التزامها
بالأنظمة الثابتة للزمان والمكان، تشبه
المذنب في كونها تمتلك مساراً خاصاً بها. إنها تعاود الظهور وخلال ظهورها تكرر
معناها وفي التكرار تظهر قصصاً كاملة جديدة تتجاوز معناها الوحيد.
واذا كنّا قد فكرنا
بقصص همنغواي بوصفها قصصاً جرداء وصلدة تشبه كرات البليارد ونظيفة بطريقة مثيرة
للشك من النعوت ومن كل كلمة زائدة وواضحة كوضوح الفعل[4] فأننا
قد نفكر بها مرتين. إن الجو العام الذي يغلف قصص ديفيد هربرت لورنس هو جو الإحساس
الذي يشكل غلافاً نقياً لكنه كثيف. إنه غلاف من الهواء المشبع ذاتياً، لكن الجو
الذي يغلف قصص همنغواي كثيف أيضا إلا أن بعض القراء يرونه أقل إشعاعاً. قد يكون
الحدث غامضاً، ربما أكثر غموضاً من الإحساس. وقد يكون الحدث مثيراً للحواس
وضبابياً مثله مثل الإحساس لكنه أكثر إخفاء للمعنى.
عليه يكون لغز القصة
هو أول ما نراه منها. وفي أحسن القصص نعود في النهاية لنرى اللغز من جديد. لكل قصة
جيدة لغزها، ليس لغزاً مربكاً وأنما لغزاً مغرياً. ليس من الضروري أن يتناقص لغز
القصة كلما زاد فهمنا لها. إنه يزداد جمالاً.
الأن ممَّ تتكون هذه
القصة التي نراها؟ بعبارة أخرى، ما هي الحبكة ؟
في كتابه عن الرواية
يضع فوستر حداً فاصلاً بين الحبكة والخيط السردي. تعتبر القصة "سرداً لأحداث
مرتبة زمنياً. والحبكة أيضاً سرد للأحداث مع تركيز على العرضية." ومع الحبكة
نحن لا نسـأل عما سيحدث بعد ذلك وإنما نسأل لماذا ؟ في قصة همنغواي "المخيم
الهندي" - وهي واحدة من قصصه المبكرة - يذهب نيك مع والده الطبيب لمعاينة
إمرأة هندية مريضة. إنها على وشك الوضع. يجري الطبيب عملية للمريضة بدون تخدير.
وعلى السرير فوق رأسها يضطجع زوجها بقدمين متقرحتين. بعد أن تنتهي العملية ويولد
الطفل حياً يكتشف الطبيب أن الزوج قد مات بعد أن قطع حنجرته لأنه لم يستطع تحمل
الآم زوجته. يتساءل نيك "هل الموت مؤلم يا أبي؟" " كلا. أعتقد أنه
سهل جداً." يجيبه والده .
تتكون القصة من عدم القدرة على تحمل الألم،
من الرغبة في الموت بدلاً من مواجهة الالم. أهذا هو عالم أحمر وأزرق؟ أعتقد أنه
معتم كالليل- إن عالم همنغواي هو دائماً عالم خوف وقسوة جسدية وألم وإحداث الألم
وبالمقابل عدم القدرة على تحمل الألم الاّ بالمقدار المناسب- إتجاه واحد. وكما
نعرف، يوجد في قصص همنغواي إتجاه واحد. إنه عالم أكتسحه الخوف. ويعتبر طرد الأرواح
الشريرة هو الطقس الوحيد في ذلك العالم - رمزية مصارعة الثيران وقوانين الرياضة
والحرب. تُروى هذه القصة مراراً بشهية وإستمتاع شديدين. ويعتبر التناقض بين الجوهر
والمظهر أحد الأمور الآسرة والفريدة التي نعرفها عن همنـغواي، إنه التناقض بين لغز
الرجل وقيمته. ويفتقد مقلدو همنغواي تلك القيمة وذلك اللغز. إن العنف بذاته لا
يشكل قصة. هنالك العنف وهنالك قصة أو حبكة العنف .
كيف ينتابنا ذلك
الإحساس بالغموض في قصص همنغواي؟ ليس لأن تلك القصص هي قصص أحداث، لأن الحدث قد
يكون مشعاً كما نعرف، وليس لأنها خالية وجرداء من النعوت والجلبة: لماذا يُفترض أن
تكون الأحاسيس والنعوت في ذاتها أكثر أو أقل اشعاعاً من الحدث والفعل؟[5]
تعتبر قصص همنغواي
غامضة عند القراء لأنها قصص ذات صبغة أخلاقية. وحتى تكون القصص ذات صبغة أخلاقية
يجب أن تكون مسطحة ومكشوفة. يجب أن تتموضع خلف حاجزٍ واقٍ. ليست القصص في واقع
الأمر مكشوفة تماماً رغم أنها في العراء. فميدان القصة يتحول الى كمين وقد تموضع
الكاتب وبدأ بإطلاق النار على القارئ.
كن حليماً. لقد
علّمنا همنغواي، وهو تعليمي المنهج، بأن هناك طريقة نكون بها أحسن حالاً. يقول
همنغواي بأن العالم مليء بالخوف والخطر. ونقول نحن حسن، هو كذلك. ويقول همنغواي
أقدم لكم المراسم. من الأفضل عدم التقرب والمحافظة على أماكننا. لذلك تخطو الشجاعة
والخوف والتعليمات والطقوس القادمة خطوة أمام الواقع بنفس الثقة التي تخطو بها
العاطفية. لكوكب المريخ الغاضب قلب غير معروف وغير مكشوف .
لكننا يجب أن نتقدم
من هناك. ما هي نتيجة ذلك؟ إن جزءاً من قوة همنغواي تأتي مباشرة من هذا التكييف
الذي يفرضه على قصصه. في سان فرانسيسكو توجد لوحة لـغويا[6] يوظف فيها
الضوء والحدث والبعد الأخلاقي بصورة فعّالة. أن حلبة المصارعة وحشد المتفرجين
الضخم المهتز يشطران قطرياً الى نصفين بواسطة ضل الأصيل الكبير. هنالك تكمن روعة
اللوحة، يقترن النصف الغامض بالشمس الذهبية الواضحة ويقترن أحد نصفي الحدث بظلٍ
كثيف متخثر. تلك هي الحالة في حبكات همنغواي .
وبنفس الطريقة ينبع
أحد مصادر قوة إستعمال همنغواي للحديث من حقيقة ظهور ذلك الحديث في جمل مترجمة [7]أو
متقطعة- ظلٌ يُقحم بين المتحدثين المباشرين. لحديثه لمسة غامضة وسحرية في الوقت
نفسه. إنه يشع من الجوانب ويلفت إنتباهنا الى حقيقة كون التواصل مستمراً .
وعندما نرسم قصة
همنغواي الأن، تبدو القصة من الأمام معتمة وغير شفافة وتنبع حزمة ضوء القصة من
الجانب ومن الخارج ومن مصدر أخلاقي. كما أن قصة همنغواي غير مشعة لكنها ذات ضوء
مسلط. ألا نشعر عند قراءتنا قصص همنغواي بالمتعة ذاتها التي نشعر بها عادة عندما
نشاهد مسرحية؟
4
كما لاحظنا جميعاً
يمكن للحبكة أن تلقي بثقلها بطرق مختلفة تتنوع من حيث التعقيد والمرونة والأهتمام.
يقع الثقل على السرد أو الموقف وعلى الشخصية وعلى تفاعل الشخصيـات وعلى نواحٍ
سامية من الشخصية وعلى حالات عاطفية ...الخ حيث تتراجع القوانين، إن هي وصلت معنا
الى هذا الحد، ويبدأ عندها العالم المجهول. لننظر الى قصص أخرى، لسنا نهدف بعد الى
تقييم مؤلفي تلك القصص أو تقييم بعض القصص ضمن مجاميع بعض المؤلفين، لكننا نختارها
حيثما تكون طالما توضح لنا بعض مظاهر الحبكة المختلفة .
تحكي قصة ستيفن كرين
"العروسة قادمة الى مدينة يلوسكاي"[8]
قصة موقف. أنها قصة هزلية توظف موقفين متناقضين .
لقد ذهب جاك بوتر
ويعمل شريفاً لمدينة يلو سكاي الى مدينة سان أنتون وتزوج هناك وهو في طريقه الأن
مع زوجته الى منزله مستقلاً القطار - إن الرحلة بأكملها ستكون مفاجأة كبيرة لمدينة
يلو سكاي" إنه عرف جيداً أن زواجه يعتبر شيئاً هاماً لمدينة يلو سكاي. لا
يوجد حدث أهم من ذلك سوى حادثة حريق الفندق الجديد."
ويتنامى في مدينة
يلو سكاي موقف أخر بسرعة كبيرة. يظهر رسول عند بوابة حانة ويري جنتلمن[9] صارخاً
" إن سكراتشي ولسن ثمل وطليق." " وفجأة خيم غمٌ طقوسي مهيب على
المكان." إن ولسن بارع جداً في أستعمال المسدس وأن خرج غاضباً فعلينا
الأختفاء جميعاً - وهذا أمر طبيعي."
يدخل ولسن المدينة حاملاً مسدسيه " ودوت صرخة تحديه الهادرة في أرجاء
الصمت. كان لحذائيه كعبان أحمران ونقوش مموهة من النوع الذي يفضله في الشتاء
الصبية الذين يتزلجون في تلول نيو أنكلند... مشى ببطء وكأنه قطة ليلية. أطلق
الكلمات كالزئير متوعداً كلما حلا له ذلك. في حين كانت أصابع يديه تتحرك أحياناً
وكأنها أصابع موسيقي. وكانت نداءاته المرعبة هي الأصوات الوحيدة المسموعة."
والأمر برمته ممتع
لنا لا لذاته فحسب وأنما للدور المثير الذي يؤديه وكذلك لأنه يؤكد توقعاتنا. وكلما
أصبح ولسن أكثر وحشية زادت متعتنا. ويُشبع شعورنا بالعدل وإنسجام الأشياء عندما
" يمطر ولسن دون عناء نوافذ منزل صديقه الحميم بوابل من الرصاص. كان ولسن
يلعب بالمدينة. كانت المدينة بالنسبة له مثل الدمية." تقدم لنا حبكة الموقف
هذه نوعاً من المتعة الدينامية وهي تشبه ركوبنا الأرجوحة. لا تكمن المتعة فقط في
أين نكون نحن ولكن أيضاً في أين يكون الأخرون .
يصل القطار ويترجل
بوتر وعروسه. ويحل اللقاء الحميم بين بوتر ومدينة يلو سكاي. يصبح ولسن بطلاً
للمدينة. يتقابل الرجلان وجهاً لوجه ويقول بوتر " ليس عندي مسدس يا
ولسن." ويقرر سريعاً قبول المواجهة والموت مقتولاً في يوم زفافه.
يسخر ولسن من المارشال قائلاً " إن لم يكن لديك مسدس،
لماذا لم يكن لديك مسدس؟" ويرد بوتر قائلاً " ليس عندي مسدس لأنني وصلت
تواً من سان أنتون مع زوجتي. انا متزوج." " متزوج ؟" يسأل ولسن -
وكان عليه ان يطرح السؤال مرات لأنه لم يفهم ."متزوج ؟"
" يبدو ان ولسن
قد رأى المرأة الكئيبة لأول مرة الى جانب الرجل ." كلا !" قال ولسن. بدا
وكأنه مخلوق تطلع الى عالم أخر." هل هذه هي السيدة؟"
" نعم. هذه هي
السيدة." أجاب بوتر .
" حسن قال ولسن
اخيراً وببطء " أعتقد ان الأمر انتهى الأن."
".... لم يكن
تلميذاً من تلاميذ الفروسية. لم يتعد الأمر أن تحول في هذا الظرف الغريب الى طفل
ساذج من أطفال السهول البكر. التقط مسدسيه ذوا النجمة ووضعهما في غمديهما وذهب.
وتركت أقدامه أثاراً تشبه الأقماع على الرمل الكثيف."
إذن يوجد في قصة
كرين موقفان أو قوتان تتوحدان وتلتقيان، أو بالأحرى إحداهما تجذب الأخـرى،
وتتصادمان. يختفي إحداهما- غير المتوقع - ببراعة وغرابة ويبقى المختفي حياً. يوجد
في القصة كل مرادفات الملهاة.
5
توجد في قصة كاترين
مانسفيلد "الأنسة بريل" شخصية
واحدة وموقف واحد. إن القصة بسيطة وكل ما تفعله الأنسة بريل هو الجلوس فقط. أنها
لا تفعل شيئاً سوى الذهاب والجلوس في الحديقة والعودة الى المنزل والجلوس على
فراشها في غرفتها الصغيرة. لكن الموجود من عناصر القصة في هذا العمل الصغير أكثر
منه في قصة كرين السابقة. إن الحبكة مليئة بالتلميحات.
تُقدم القصة في جوٍ
من المتعة " بالرغم من ان الجو كان صافياً متألقاً، لقد ذرت السماء الزرقاء
ذهباً، وقطرات ضوء كبيرة كأنها خمرة بيضاء تلامعت في الحديقة العامة، إلا أن الأنسة
بريل كانت سعيدة لأنها قررت لبس معطفها الفرو .... رفعت يدها ولمست معطفها. أيها
الشيء الصغير العزيز!" ونرى بعد ذلك أن الأنسة بريل تعتبر البهجة نوعاً من
أنواع الراحة تجلس وتستمع الى الفرقة الموسيقية. وهذه عادتها في أيام الآحاد
" وبدأت قطعة فلوت- جميلة جداً ! سلسلة صغيرة من القطرات المتألقة. كانت
متأكدة بأن القطعة ستُعزف ثانية. وعُزفت من جديد. رفعت رأسها وابتسمت."
للأنسة بريل ثقة
بعالمها- عالم التوقع : ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ آه ، لكنها تعرف. إنها فرحة لكنها
آمنة. إنها تنظر الى الأخرين من مكمنها، عن بُعد - تنظر الى الماشين اولاً ثم الى
الجالسين على مقاعد الحديقة." لقد لاحظت الانسة بريل هناك شيئاً غريباً
بالنسبة لهم جميعاً: كانوا وحيدين وصامتين وكباراً في السن، وبدوا
من طريقة تحديقهم وكأنهم أتوا للتو من غرف صغيرة مظلمة أو من خزانات ملابس."
لم تشعر الآنسة بريل بالتعاطف معهم بتاتاً.
إن الصراع ضعيف في
هذه القصة. ليس تصادماً. بدلاً من ذلك فإن القوى التي تلتقي في الحديقة العامة
تخترق إحداها الأخرى في نهاية القصة وتخرج من النهاية الثانية. لا يوجد تصادم
وإنما تغير، وهو شيء أكثر أهمية. وسبب ذلك يعود لوجود مشهد واسع ومعقد، وهو العالم
الخارجي، يفهم ضمنياً بجانب المشهد الصغير الذي تجري أحداثه أمامنا .
تعتبر الحياة ذاتها
إحدى القوى في القصة، ويمكن القول بأنها تشابه دور ولسون في القصة السابقة. إنها
ليست حياة عنيفة، وإنما حياة في حديقة في أصيل يوم أحد في مدينة باريس . بالنسبة
للآنسة بريل، الحياة روتينٌ أنيقٌ من التنزه في الحديقة، على أنغام موسيقى الفرقة
الموسيقية. تجربتها تتلخص في مشاهدة مشاهد قصيرة خلابة، تتخللها أحيانًا لحظاتٌ
قصيرةٌ غير سارة. هذه ليست حياةً مليئةً بالصراعات الدرامية أو التهديدات الجسيمة،
بل هي تدفقٌ لطيفٌ وملونٌ من اللحظات الهادئة والتجارب الدقيقة.
ولأنها حياة فأن فيها وعيداً. لكن كيف؟ حسن ،
تصبح همسة سريعة عن الأنسة بريل أكثر إيلاماً من مسدس مزخرف. وتوضع صورة الانسة
بريل عن الحب بصورة إعتباطية وجهاً لوجه مع صورة حب أخرى أكثر قساوة. عاشقان
يجلسان على مقعدها لكنهما يتوقفان عن الحديث بسببها حيث الآنسة بريل أعدت نفسها
للإستمتاع رغم إنها لم تزل تترنم بهدوء وعلت محياها تلك البسمة المرتعشة .
" كلا ، ليس الأن " قالت الفتاة " ليس هنا، لا
أستطيع."
" لكن لماذا؟ أ بسبب تلك العجوز الحمقاء الجالسة عند نهاية
المقعد الأخرى؟... لماذا تأتي الى هذا المكان- من يريدها؟ لماذا لا تبقي وجهها
الهرم الأبله في البيت؟"
" إن معطفها الفرائي مضحك " قهقهت الفتاة " إنه
يشبه سمكاً مقلياً."
" آه، أغربي عن وجهي" قال الفتى في همسة غاضبة .
إذن فقد انهزمت
الآنسة بريل البريئة التي كان بمقدورها العيش بعيداً عن شفقة العالم - والشفقة هي
إحساس المتفرج . لقد أباحت لنفسها التطلع بصورة عرضية في الحديقة الى أناس ليسوا
سعداء جداً وحركت في داخلها خفقات حزن واهنة. لكن ذلك كان متعة أيضا- المتعة علاج
يحاول الزوار بواسطته إزالة البرودة عن مكان غريب. لم تكن تعرف ان الأمر لم يكن
جيداً. جلست طوال القصة في مقعدها الخاص- وهذا يمثل دعامة صغيرة أخرى للتحمل- ولم
تكن تعرف إنها جلست في خطر مميت. هذه هي القصة. يقترب الخطر وتُلفظ كلمة وتسقط
الضربة - ولإثارة الضحك تنسحب الآنسة بريل صاغرة بصورة سخيفة مثلما أذعن الرجل ذو
المسدسين صاغراً في قصة “العروسة قادمة
الى مدينة يلوسكاي” السالفة الذكر. لكن
الآنسة بريل كانت واهنة وخاسرة منذ البداية وتغدو هزيمتها عميقة جداً. يمكننا
التأكد بأن تلك الهزيمة نهائية .
6
تعتبر حبكة
القصة القصيرة في كثير من الحالات وإلى حد بعيد مكان لعرض الشخصيات. في حالة محددة
جداً، ولكنها مثال جيد، قد ينظر الى سلسلة الحوادث الغامضة بأكملها في نوفيلا "دورة اللولب" [10] كرؤية -
عبارة عن سلسلة حالات هلوسة للمربية التي تروي القصة. في الواقع إن القصة دليل
مصطنع ضد الشخصية الأساسية.
ليست الحبكة دائماً مكاناً لعرض الشخصيات، ولو بشكل مبدئي. يمكن
أن نذكر وليم سانسوم[11] وهو كاتب
إنكليزي شاب، بوصفه كاتباً يحترم كثيراً الفكرة المجردة. كانت فرجينيا وولف، على
الأقل، مهتمة بشعاع ضوء مثلما هي مهتمة بنوبة غضب.
تتشابه حبكات العديد
من القصص في مظهرها الخارجي - وذلك ليس بذي قيمة مثلما أن للعديد من الناس عيوناً
زرقاء. في الواقع أن الحبكات هي الشيء الذي نرى بواسطته. ما يراه الإنسان هو الشيء
الذي يهتم به .
وعند مستوى معين فأن
جميع القصص هي قصص بحث - وهذا ليس بغريب مطلقاً. فمن توغل الصياد العميق في الغابة
للصياد في قصة "الدب" لفوكنر وحتى النزهة الأحادية الجميلة في قصة "الأنسة
بريل" لكاترين مانسفيلد، ومن الرحلة الصعبة لوالد نيك في قصة "المعسكر
الهندي" لهمنغواي وحتى الخيال المحلق في عالم المخيلة الشعرية في قصة "الحافلة
السماوية" لفورستر، ومن رجل الإطفاء الذي يتجه صوب مكان الحريق في قصة "وردة
رجل الإطفاء" لسانسوم وحتى بطل هنري جيمس في قصة "الركن البهيج"
الذي يبحث بألمٍ وهلوسة كبيرين خلال ممرات بيت مهجور عن نفسه وما كان يجب أن يكون
عليه الان- فالحبكة في أية مجموعة من القصص نختارها هي حبكة بحث. إنها الأوديسة
القديمة والشيء الذي كان موجوداً عندما ظهرت الأوديسة أول مرة. ورواية "عوليس"
لجيمس جويس هي العمل الحديث الجبار الذي يدور حول نفس الموضوع، ولكن عندما تجلس
الأنسة بريل في الحديقة فأننا نشعر بأن مفتاحاً قديماً يدور في قفل قديم من جديد-
أنها تبحث ايضاً. تساهم أحلامنا القديمة في إقناعنا بأن أصيل يوم الأحد المزعج
للآنسة بريل هو مغامرة العمر بالنسبة لها وهو مقياس هزيمتها بالنسبة لنا .
يوجد دائماً الوجه
الآخر من المسألة الذي يقابل البحث. فعلى الوجه الأول من قصة جويس هنالك البحث،
وعلى الوجه الأخر هنالك المحنة، في حين ينشغل فوكنر بالمصير والتاريخ، وينشغل
همنغواي بالمهنة والطقوس والمصير... وهكذا ومع البحث هنالك نجاحات الحياة
وإخفاقاتها وهنالك الكبرياء والتواضع. وترى فرجينيا وولف المهمة وكل ما شابهها وهي
تتلاشى في لغز كبير جداً .
عندما تصبح الحبكة،
بغض النظر عما تفعله وكيفما تتحرك، التجسيد الخارجي لجوهر القصة الفعلي فإنها تصبح
الحبكة الأنقى- ويصبح الخيط السردي عندها أقل مقاومة ويصبح خارج المسار. عندما
تتطابق الحبكة في كل حركاتها مع حركات الكشف البسيط تكون عندئذ موظفة توظيفاً
ممتازاً. يمكن توظيف الحبكة بصورة جميلة للكشف عن الشخصية أو الجو العام وأستنشاق
هذا الجو وكذلك للكشف عن أسرار الحياة الداخلية (أي الحقيقية) الخفية. إن ذلك
الكشف يعتبر متعة. إنه قناعة لذيذة- من أين تأتي؟ ربما من وعي عميق نملكه جميعاً
لجمال التنظيم- لذلك الشيء الأقل تعريفاً - لجمال الشكل .
من اين يأتي الشكل
وكيف نحصل عليه؟ أعتقد أن الشكل يتطور. إنه الفضلة أو الشكل المنبوذ لفعل الكتابة
الحقيقي كما أراه. إنه العمل وتجسيده مضافاً اليه الشخصيات والحبكة والإنطباعات
الحسية- أنه نتيجة لكل هذه الأشياء التي تعتبر أكثر من مجرد مجموع رياضي. أنه كل
هذه الأمور مضافاً اليه شيء أخر ينبع بدرجة كبيرة من الكلية. إنه يتعلق بجوهر
القصة. نستطيع القول أن كاتب القصة يربط الشكل الى حد كبير مع طريقة عمل القصة. إن
الشكل هو العمل. ونستطيع القول أن القارئ يربط الشكل مع الإدراك. فالشكل في أية
قصة هو الذي يعيننا على أن نعرف الذي ننظر اليه وكذلك نعرف الشيء الفريد الذي
نتأمله بقوة لفترة من الزمن. يبدو أن الذاكرة هي ذلك الجزء من العقل الذي يخاطبه
الشكل ويصل اليه.
7
إن قوة القصص
اليوم لا يمكن تفسيرها من خلال بنيتها التقليدية؛ فتأثيرها محسوس بعمق حتى من دون
شكل صارم.. إن قصة ذات نمط معين أو تصميم محدد قد تفتقد خاصية شمولية ضرورية
نسميها نحن الشكل. ربما كان أدغار آلان بو ومجموعة أخرى من الكتّاب أعتمدت أهدافهم
النهائية على النمط أو على بناء كامل ومنسجم (لاحظ العلاقة مع الألغاز والكشف
والغموض) سيشعرون بالرعب الحقيقي إزاء قصة للورنس أولا وذلك أن سرد لورنس يفتقد
الشكل تماماً. إن عالم الفعل القصصي والحوار عند لورنس بعيداجداً عن الكمال الجامد
وعن المواقف الجامدة لأدغار آلان بو كما نعتقد. إن عالم قصص لورنس مخضب بالدماء-
عالم تحرر تواً مثل غرفة مدبرة منزل غير مرتبة .إن أشياء أخرى هي أكثر أهمية من
هذا الرماد. قد يقول لورنس ذلك وقد يكون محقاً في ذلك مثلما هو محق دائماً من أطلق
تلك الصيحة .
ماذا عن شخصياته؟ هل هم
رجال ونساء حقيقيون وبسطاء ويمكن التعرف عليهم؟ هل كنت ستتعرف عليهم لو رأيتهم؟
أعتقد أن ذلك لن يحدث حتى لو تحدثوا في الشارع مثلما يتحدثون في القصص وبنفس
الكلمات- إنهم سيبدون وكأنهم أناس مضطربون. يبدو أن الحقيقة تكمن في أن شخصيات
لورنس لا تتحدث بكلماتها - ليست بصورة الحديث المألوفة، ليست شخصية تتحدث الى
أُخرى. إنها لا تتحدث في الشارع لكنها تتدفق مثل الينابيع وتشع مثل القمر أو تثور
مثل البحر، أو أن صمتها يشبه صمت الصخور الملعونة. المعروف لدينا أن لورنس يكتب عن
علاقاتنا الإنسانية في هذا العالم بلغة الخلود وأن المصطلحات التي يستعملها تحدد
الشكل الخاص به.
يظهر المؤلف نفسه في
مؤلَفَه بأوجه مثل القمر وهو يباركنا أحيانا ويسحقنا أحياناً بينما نحن واقفون
تحته. لكننا نرى بأن حبكاته وشخصياته هي جميعاً قرابين لشيء معين. يعتقد لورنس
بوجود شيء يتجاوز الحبكات والشخصيات معاً ويرى الآخرون بأن ذلك الشيء قد تخطى
الحبكات والشخصيات فعلاً. لكن لورنس وحده- وهذا ما أعرفه الأن- يعتقد بإمكانية
العثور على ذلك الشيء مباشرة من خلال الحواس. إن عالم الحواس هو العالم الذي يكتب
داخله لورنس ويعمل ويفكر ويعتمده وسيله له- وأن كان ذلك غريباً بالنسبة لنا، ألسنا
نحن الخاسرين؟ سيرسل لورنس قصته عبر ذلك العالم الذي يشكل الحبكة أيضا. إنه سبب
وجود القصة، ومن خلال بوابة الجنس تجري الحواس بعمق وغموض قاطعة طبقات وقروناً
وبلداناً من النفاق .
وتقدم فرجينيا وولف نوعاً مشوقاً من هذا
المفهوم. إنها رفيعة الثقافة. وبسبب إدراكها الشديد لقضية الجنس فقد كانت مهتمة
بها فكرياً وفلسفياً. كانت تستطيع تحويل عالمها الى خيال وكان بإمكان شخصياتها أن
تضحك. لكن جمال كتاباتها الحقيقي يكمن الى حد كبير، كما يبدو لي، في حقيقة واحدة
وهي أن فرجينيا وولف ترى أن سجن الحياة في الكلمة مسألة ترتبط بالحواس مثلما هي
ترتبط بالعقل. إن الرائحة والإشارة والنفس الذي يخرج من بين الشفاه وصوت الساعة
وهي تدق والملمس الرقراق لسطح الماء والهواء الجاريين هي أشياء حاولت فرجينيا
جاهدة إدراكها لأنها تمثل الظلال الخفاقة والإنعكاسات الملونة لعالم الروح المجرد
وهي الشيء الذي يعكس الواقع .
إن المبدأ
الإنطباعي القائل بأن الضوء هو أهم عناصر الصورة يمكن تطبيقه على أعمال فرجينيا
وولف. يتحرك الضوء في أعمالها بإستمرار وكأنه إحدى الشخصيات وهو يؤدي شؤونه الخاصة
عبر المشاهد المتتالية. ويبقى الضوء وحده بعيداً عن التأثر بالرؤيا البشرية
القاسية والضعيفة . ويصبح الضوء في قصة “الضوء الكشاف" الشخصية الرئيسية .
لكن يجب ملاحظة أن
شعاع الضوء في قصص فرجينيا وولف لا ينبع من العقل الباطن وأنما من الوجود الواعي.
أنه يتحرك مثل عصا الساحر ويلمس ويميز هنا وهناك يقوده هدف دقيق ورقيق، وربما
متعجرف، وذلك كي يوضح بجلاء كل ما هو خاص في العالم المجرد. ويقترب الجانب الحسي
كثيراً في قصصها من الجانب الفلسفي بحيث أن كلمات مثل يتنفس وتنفس وما شابهها
تمنحنا الإحساس بوجود خالق معين ينفخ الحياة في مخلوقاته بصورة واعية ومستمرة .
وبينما تستعمل
فرجينيا وولف حواسها عقلانياً فإن لورنس يستعمل عقله حسياً وبينما يشيد تشيخوف
شخصياته فإن لورنس يهدمها. هذه التضادات توظف من أجل غاية واحدة ألا وهي الوصول
الى الحقيقة .
يشابه لورنس الى حد
ما أميرة الحقيقة[12] التي
أحست بوجود حبة بازلاء من وراء أربعين لحافاً .
إن إحساس لورنس بالزيف يشابه إحساس تلك الأميرة بحبة البازلاء. وهو متأكد
بنفس الدرجة من إعلان الأضرار.
كيف يستطيع لورنس أن
يكون مشاكساً معنا وفي ذات الوقت يفرحنا بقدراته الفائقة من خلال مساعدتنا على
رؤية الجمال وتحسسه؟ لكن إحساسي بكتاباته هو إحساس بالعظمة في كل مكان. خذها
جميعها. إنها ليست قضية مثيرة للضحك. من الأفضل الإستسلام للجمال الذي يضعه لورنس
ومن الأفضل أن نظهر الشجاعة والتحمل إزاء قسوته - فهو قاسٍ- بدلاً من الضحك أو
التحمل من خرائبه المخضبة بالدماء التي يخلقها من حياته اليومية.
نحن جميعاً نوظف
الحياة اليومية في قصصنا وبعضنا يشعر بأنه ميال أو حتى مضطر الى منح تلك الحياة
نظرة أو معالجة سريعة على الأقل. لكن لورنس لا يعبأ للأمر. إنه لا يشعر بالإلتزام
مطلقاً حيال ذلك. إنه لا يكترث لو عانت فعاليات الحياة اليومية ودعائمها في قصصه
من التشويه أو حتى العبثية ، أو أن سردياته أستحالت الى مجرد سخافات ، تلك أمور
لاتعنيه ، قد تذكرك حبكاته بنوع من الطيور الاستوائية - أنها غير جميلة الشكل
وصعبة التمييز عندما تكون على الأرض، لكنها عندما تفرد جناحيها وتطير فإن معجزة
تحدث. يختفي الغموض والوحشية ويصبح جسد الطير فعالاً بصورة عجيبة وتتقزح ألوانه
أثناء الطيران .
يدير وليم فوكنر
نوعاً من حبكة التطوير لم أتطرق اليه بعد. وكلما تعددت كتاباتنا وقراءتنا كانت
نظرتنا الى الطرق العديدة لتوظيف المادة أكثر وضوحاً. يتجمع بعض تلك المواد بعناية
كبيرة وحرص من خلال الإضافة والطرح لنحصل على مقدار معين يشكل قصة يمكن رسم حدودها
عند الحاجة. أحيانا يبدو هنري جيمس وهو يستعمل هذه الطريقة وكأنه يرسم على نحو
بارع خطوطاً بيانية متتالية لأنواع مختلفة من المحن. ويقطر كتاب أخرون المادة
للحصـول على خلاصات أكثر نقاء ووضوحاً بطريقة تشبه عملية الغلي- كما يفعل لورنس
مثلاً . يبدو أن فوكنر ينفذ مادته ليستنبط قصصه منها.
8
تعتبر السرعة الصاخبة لقصص فوكنر واحدة من علامات الكاتب
المتنبئ. تبدو قصص فوكنر وكأنها تسابق الزمن والعالم. نتذكر (ومن يستطيع النسيان
؟) جملة واحدة تتكون من ألف وستمئة كلمة في قصة "الدب" كيف يتسنى لمثل
هذا البناء الشاهق أن يركض- وكأنه ديناصور ينطلق عبر الحقول في الآزمنة السحيقة -
هي مسألة تعلمنا أساسا بأن العجائب لا تنتهي في عالم القصة . لكن تلك الجملة تجري
بكيفية غريبة ومطوقة للزمن وكأن كل شيء فيها يحدث مرة واحدة. وبينما نواصل القراءة
فأننا ما نزال نسمع الجزء الذي انهيناه تواً وأن الجزء الحالي يردد بإستمرار الجزء
السابق. إنها تجعلنا ندرك حقيقة أن النثر عبارة عن بناء في كل جزء منه- عندما نكتب
تدار المخيلة بواسطة الغريزة أو أي شيء أخر. ويمكن إحكام السيطرة على الجملة مثلما
تحكم السيطرة على جسر أو كنيسة. قد لا يكون الأمر بنفس الدقة والوضوح ، وإلا قد
يبدأ القارئ أثناء عملية القراءة مقارناته، وهذا التصرف يكون قاتلاً للقصة .
لكن سبب قدرة جمل
فوكنر التي تبدو غير بارعة على الجري هو تنظيمها العالي- التنظيم الموسيقي. يعتبر
فوكنر عالي التنظيم والإثارة التي يخلقها تنبع من المكان الذي تصدر منه الموسيقى.
لن ندع تمرده يعمينا. فالبناء واضح هناك- وهو بناء جسور. أعتقد أن فوكنر، من بين
جميع كتّاب القصة المعاصرين، يقف سابقاً عصره- إنه أقواهم وأكثرهم عاطفية بصورة
ملفتة للنظر. تعتبر قصة "الدب" قصة رؤيوية عن نهاية البرية. تنتهي القصة
برنينٍ أخرق يحدثه رجل يسحق بغباء اجزاء بندقيته المحطمة بينما يتقافز مذعوراً أربعون
أو خمسون سنجاباً على شجرة الصمغ فوق رأسه. إنها تعلن من ضمن أشياء عديدة وصول عصر
الآلة والطواحين الصاخبة. تتضمن القصة الماضي والمستقبل، إنها تتضمن كل ماضي الأرض
منذ العصور الهندية وحتى اللحظة الحاضرة. في القصة شخصيات ملحمية عظيمة وشخصيات من
البرية وشخصيات رمزية. ومع كل حادثة من حوادث القصة تزداد معرفتنا بعالم البرية
الجميل وبتاريخ المسيسبي كاملين .
لأن بناء الزمن في
قصة "الدب" محفوف دائماً بخطر التمزيق من قبل المؤلف- فإن الزمن كله
يخرج من بين الشقوق ليصل الى زمن القصة الحاضر. ويتمتع هذا التمرد في الإحساس
بالزمن وهذا التصلب في الإحساس بالمكان ( وهو كل السطح المنتفخ للقصة ) بخاصية
ذاتية تلوح من بعيد. أنها خاصية النوع بالإحتمالات. ومثلما يتمدد البالون يتمدد
الزمان والمكان كي يضما أشياء أكثر، بينما يبقى شكل القصة ووظيفتها على ما هما
عليه .
وهذا في الأساس ما
يجعل قصة "الدب" أكثر من مجرد قصة صيد. إنها قصة طويلة تقع في خمسة
أجزاء، ويتبدد في الجزء الرابع الحاجز الواهي الذي يفصل زمن القصة عن الزمن الكلي.
إن تاريخ الشعب والأرض بأكمله يزدحم في فصل واسع الفقرات والجمل يستبيح العين
وحدها. يتحرر الزمن والمكان الأن بعدما كانا في السابق مفعولاً به دائماً وجرى
التخلص منهما بتلك الطريقة. إنهما يثاران ويندفعان عبر القصة جيئة وذهاباً وصعوداً
ونزولاً خلال التاريخ الهندي والمستقبل الفعلي مثل مجموعة من وحوش البرية
الحقيقية. وهذا هو جمال القصة. إن تضحية القصة بذاتها هي الطريق الذي تتجاوز به ما
كان سيحل بها إن هي ظلت سليمة ومتماسكة. وهنا تكمن روعتها.
ويمكن القول بأن
شيروود أندرسون أستعمل في قصص "واينسبرغ أوهايو" طاقة التوسيع هذه بطريقة
مختلفة تماماً،(حيث تحولت الحياة المقيدة والهادئة الى حياة مفعمة ومثيرة وكأنما
أضيف اليها بعدٌ آخر عند مرورها عبر الوصف الوجداني ) وكأنما النهر نفسه يجري بين
جدران أكثر ارتفاعاً. بالنسبة لقصة "الدبط أعتقد أن فوكنر رأى في الانفراط
القاسي للمكان والزمان ميزة من مميزات الشيء الذي كان يصفه في القصة، وهي الميزة
المفقودة التي تخفيها القصة وتظهرها بقية قصصه، مثلما يعتبر أندرسون العاطفة
الميزة المفقودة في قصص "واينسبرغ أوهايو" .
أن فوكنر في إطلاقه
الزمان والمكان لم يكن متهوراً أو عارضاً لمواهبه ( رغم أنها ملفتة للنظر ) وإنما
كان صادقاً ومخلصاً لمبدئه بخصوص القصة التي يكتبها. وإذا أخاف هذا الأمر العديد
من القراء، فسيتحتم على أكثرهم خوفاً أن يكون أول المعترفين بذلك الخوف .
9
قد يقع توكيد القصة
الرئيسي على الأمور التي تتألف منها القصة- على الشخصية أو الحبكة أو العالم
المادي أو المعنوي بشكل محسوس أو رمزي. بالطبع أن الطريقة التي يجري بها هذا
التوكيد تحدد قيمة القصة. قد لا تحدد مدى جودة القصة وأنما جدوى كتابتها.
بالطبع فأن العرف
وعادات فهم القصص في مراحل معينة من التاريخ قد يفعلان فعلهما بصورة مقصودة أو غير
مقصودة. على العموم يمكنني القول بأن طريقة التوكيد على قيمة القصة تكون أقرب
الأشياء إعتماداً على العنصر الذاتي أو الشخصي المعني أي الكاتب الذي يقوم
بالكتابة.
يبدو أن كتّاب
القصة القصيرة الجيدين هم من محبي وضع العراقيل. هؤلاء الكتاب يظهرون وكأنهم
يقطعون الطريق على أفضل إهتماماتهم. هذا توهم غريب. لو نظرنا نحو مصدر المتعة
الأعمق الذي نحصل عليه من الكاتب فمن المدهش أن نرى أن العقبة السابقة هي مصدر تلك
المتعة. في الحقيقة أننا في بحثنا عن مصدر متعتنا ندخل عالماً أخر من جديد. نحن
نتكلم عن الجمال .
الجمال ليس صفة واضحة
أو مبهرة؛ ففي أفضل حالاته، يرتبط بالشعور بضبط النفس ومجموعة متنوعة من العوائق
الدقيقة. يرتبط جمال قصة "الدب" بصورة رقيقة بالمقاومة لتحديد القصة
بسياق الزمن وقياسات المكان الاعتيادية الخاصين بها. يخلق فوكنر صعوبة مدهشة حول
الزمان والمكان على حد السواء والنتيجة هي الجمال. يرفض لورنس مراراً أن تروى قصته
أو تتحدث شخصياته بصورة أعتيادية. تتأخر القصة دائماً، ومن خلال تأخير الكاتب
ورفضه ندخل العالم السحري للإحساس النقي والإثارة - وهذا اقصر الطرق المعروفة خلال
الغابة .
أيفشل المرء الذي
ينتقد الصعوبات عند كاتب معين (لماذا لم يكتبها بهذه الطريقة ؟ لماذا لم يكتب قصة
أخرى ؟) وينتقد خرق ذلك الكاتب للقواعد وفشله في أداء واجبه، أيفشل في ملاحظة
الجمال؟ ويفشل أيضا في أن يرى مباشرة أن الجمال ينبع من الإنحراف ومن ممارسة العمل
بصورة حتمية لا طوعية طالما أن الحقيقة في المتناول بغض النظر عما قد تعنيه تلك
الحتمية؟
من أين يأتي الجمال
في القصة؟ يأتي الجمال من الشكل ومن تطور الفكرة ومن التأثير الذي يعقب نهاية
العمل. ويأتي أحيانا من الحرص والتنظيم وطرح الفضلات- تلك هي القواعد حقاً. لكن
ذلك الجمال قد يكون أحيانا جمالاً بارداً عندما تتوفر أنواع جمال دافئة. يجب الحذر
من المنهجية. تكون العنصرية أحيانا اكثر أنواع الجمال تألقاً- كاترين مانسفيلد
أمتازت بها. انه ظرف سعيد يرعى ولادة بعض القصص وكأن عرابة مسحورة قبلت الدعوة
القائمة ودخلت مبتسمة .
قد يفوت الجمال الناقد أحيانا أو ينساه لأنه ليست الوسيلة التي
تتحرك بها القصة أو يتطور به شيء ما في الوجود. وذلك لأن الجمال نتيجة - كما هو الشكل
نتيجة. إنه يأتي ونحن محظوظون عندما يأتي الجمال . لأننا نحاول معظم الوقت أن نكون
محظوظين، ولكن عندما تُحسب حسنات قصتنا ، يقف الجمال متخلفاً. من الخطأ- كما
أعتقد- محاولة الحصول على الجمال. علينا أن نحاول الحصول على أشياء أخرى، ثم نأمل
الحصول على الجمال .
إن الجمال والحدة
هما خصيصتان ستنبعان من مخيلة الإنسان وعاطفته - وتوظفان الحساسية في نتائجها
وقدرتهما التركيزية ( وهذا جدل فارغ مثلما نقول أن القصص الجيدة مردها الى
العبقرية ) في الحقيقة أن الجمال ولاسباب عملية يتوافق مع الحساسية عند كتابة قصة
معينة .
والشيئان اللذان لا
يمكن تقليدهما - الجمال والحساسية - يرتبطان أو ربما تواشجا فعلاً لكننا نستطيع أن
نكافح من أجل واحد منهما فقط. الحساسية هي ذاتنا. إنها اسلوبنا. وفي النهاية يكون
أسلوبنا هو الحساسية. وقد يغدو الجمال جائزتنا.
يمكن لكاتب القصة
القصيرة أن يجرب ما يشاء. لقد جرب شيئاً ما - لكنه، من المحتمل، لم يجرب الأشياء
جميعاً. كان التنوع وما زال وسيبقى غنياً بالإحتمالات وذلك لأن قوة العقل وحيويته
لن تهدأ. إن ما ستفعله تلك القوة سيحدد قطعاً ما تعنيه القصة القصيرة. لن تحدد
القواعد ولا علم الجمال ولا المشاكل وحلولها ما تعنيه القصة القصيرة. لن تفعل ذلك
القواعد ما دامت المخيلة موجودة ولا علم الجمال ما دامت هنالك عاطفة، ولا النجاح
مادامت هنالك حدة وراء المحاولة المطلوبة والمتواصلة التي ستبذل مراراً .
وعند النهاية الأخرى
للقصص يقبع القارئ. في الواقع ما من داعٍ للخوف من القارئ. أن البعبع (القارئ)
القديم الذي يريد من المجلة أن تقدم له ما يساوي المال الذي دفعه موجود بين القراء
اليوم ( ربما هي قارئة تريد ما يقابل المبلغ الذي دفعته ويجب ان تقتنع بأنها حصلت
على ما تريد ) لكن هناك قارئ من نوع أخر، ربما لديه أشياء أكثر يغامر بها.
بدون ريب هذا
القارئ موجود- مثلما نحن موجودون. إنه القارئ الذي يستخدم مخيلته وعقله أيضا.
يلتقط هذا القارئ قصة ما، قد تكون قصتنا الجديدة، ويتطلع اليها ويعتبرها جديدة
ويتلقفها بأمل كبير ومتعة شديدة .
نستطيع نحن،
كتاباً وقراءاً، أن نتمنى الخير بعضنا للبعض الأخر. ألسنا في نهاية الأمر
نجري نحو الشيء نفسه؟ وراء قصة جمال
وعاطفة وصدق؟
[1] السير آرثر ستانلي ادنكتون Sir Arthur Stanley
Eddington (1882-1944)عالم فلك وفيزياء ورياضيات بريطاني
شهير له إسهامات عظيمة في الفيزياء الفلكية أطلق اسمه تكريماً له على حد فيزيائي
للمعان النجوم يسمى (حد ادنجتون)
[2] الانتروبيا Entropy
عامل رياضي لقياس الطاقة غير المستفادة في نظام ديناميكي حراري.
[3] أغنية معروفة للأطفال تقول كلماتها : همبتي ودمبتي جلســا على
حائــــط / همبتي ودمبتي سقطا سقطة قوية /
لم ينجح جميع رجال الملك وخيوله /
في اعادة همبتي ودمبتي سوية من جديد
[4] المقصود هنا بالفعل VERB
كأحد أقسام الكلام
[5] المقصود هنا FEELING
+ ADJECTIVES و ACTION + VERB
[6] فرانسيسكو غويا Francisco de Goya (1746-1828) رسام إسباني شهير إزدادت شعبيته
نتيجة تكليفه برسم الصور الشخصية للنبلاء. وكانت صوره عبارة عن إبداعاتٍ تميزت
بطريقة رؤية الفنان للأشياء ونقلها على اللوحة دون تجميلٍ مصطنع للشخصيات التي
يرسمها. أُعتبر من أعظم الرسامين الإسبان خلال أواخر القرن الثامن عشر وأوائل
القرن التاسع عشر و سماه البعض أبو الفن الحديث.
[7] تعني كلمة "مترجمة
"
الحوار
الذي يتم تقديمه عمدًا بطريقة تحافظ على النكهة اللغوية وبنية شكله الأصلي غير الإنجليزي.
[9] Weary Gentleman وتعني السيد
المتعب
[10] عنوان النوفيلا بالأنجليزية Turn of the Screw يعني إي خطوة نتخذها
وتجعل من الموقف السيء أكثر سوء
[11] ويليام سانسوم William
Sansom (1912-1976) روائي
وكاتب قصة قصيرة بريطاني معروف بأسلوبه النثري الوصفي البليغ .
[12] الأشارة الى "الأميرة
والبازلاء" قصة خيالية أدبية من تأليف هانز كريستيان أندرسن وهو كاتب
دانماركي حول امرأة شابة عُرفت أصولها الملكية من خلال اختبار الحساسية.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق