نهر دويريج

 



انقضى المساء كأي مساء،

لفافة سجائر مألوفة وحديث هادئ.

انسلت الظلال أزواجًا،

وتناوب رجالنا على خط الليل،

كلٌّ منا ينتظر نفحات الراحة

كطبق ساخن ، أو كوب شاي،

أو الزفير الأخير البطيء لسيجارة.

 

لم تكن الرصاصات الأولى جديدة، مجرد همسات عابرة .

كانت قذائف الهاون سعالًا بعيدًا،

قرعًا مألوفًا على التلال.

كان الأمر طبيعيًا، يكاد يكون جزءًا من همهمة الليل الهادئة.

أنهيت عشائي، وشربت آخر ما تبقى من الشاي،

وضغطت عقب السيجارة على التراب.

ثم، صوت أعمق -

قرع مدفعية، إيقاع منخفض ومستمر.

قنابر تنوير ، حولت الليل إلى نهارٍ زائفٍ قاتم.

بعدها أوامر عبر الجهاز: إخلوا الموقع فوراً .

خلفنا، النهر.

 

أعرف هذا النهر. أعرف جيداً .

في وضح النهار، كخيط فضي رقيق، قادم بهدوء من بعيد

يمر بهدوء عبر مزارع وتلال هادئة.

يتوقف ليلتقط أنفاسه في برك زجاجية صغيرة،

نصطاد منها بعض السمك

ثم يمضي كأنه نفسٌ خفيف في طريقه إلى البحيرة.

نعبره ضاحكين، صخرةً صخرةً،

كي لا تبتل بساطيلنا .

 

لكن الليلة، دوريج غاضب يزبد.

الليلة، لم يعد دوريج النهر الذي نعرفه ،

وحشٌ استيقظ من نوم عميق،

وجهه داكنٌ وغاضب.

هدير صوته تهديدٌ

أعلى من أصوات البنادق، ومن دوي الانفجارات.

يصرخ على ضفافه، غضبٌ مستمرٌّ هائجٌ من الماء والزبد.

المدّ مرتفع، موجةٌ مفتول العضلات،

قبضةٌ مغرقة مرفوعةٌ علينا.

 

لا أعرف السباحة.

 

هذا النهر الصغير، هذا الخطّ الرفيع من الماء، أصبح محيطًا.

كل حجرٍ وثقتُ به قد اختفى،

ابتلعه فمٌ باردٌ هادر.

خوفي ليس العدو.

خوفي هو الماء. غضب النهر.

صوت قلبه النابض، يتوعدني بسحبي إلى الحضيض.

علينا العبور. علينا العبور.

ينطلق زئيرنا في وجه صوت الحرب،

وللحظة، خفت من النهر أكثر من خوفي من الرصاص.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير