عندما أحترقت مدرستي
كان الهواء يدندن بحلاوة مساء ربيعي يومٌ حافل بالألعاب والفرح العارم . كنا لا نزال
غارقين في أحلام اليقظة، وعقولنا تدور بأمل المزيد من اللعب، بدروس لم نتعلمها. نفضنا
غبار الشارع، مستعدين لطقوس العشاء والنوم، عندما شقت الصرخة الأولى الصمت.
"حريق!"
كانت صرخة تنتمي إلى عالمنا، صوتًا مألوفًا، حادًا بالذعر. ركضنا. السماء، التي
كانت يومًا لوحةً شفقيةً ناعمة، تحولت الى لون قرمزي عنيف. رقصت ألسنة اللهب العالية
على الجانب البعيد من الحارة ، ويدٌ جائعةٌ ممدودةٌ نحو السماء. ركض صديقي نحوي، وجهه
لا يتوهج بالرعب، بل بفرحةٍ عارمةٍ منتصرة. "احترقت المدرسة!" صرخ، وكلماته
أغنيةٌ غريبةٌ لاهثة. "غدًا عطلة!"
خطر ببالي سؤالٌ غبي. كيفأحترقت المدرسة ؟ كيف لمكانٍ من البردي والقصب، مليءٍ
بالكراسي الخشبية، أن يشتعل؟ كانت حقيقةٌ تُهمسُ في الأذهان أن مدرستنا سفينةٌ هشة،
تطفو على بحيرةٍ من الزيت، عُرضةً لشرارةٍ واحدةٍ طائشة. هل كانت مزحةً من طلابٍ أكبر
سنًا، أم رميةً "ثملة" لعقب
سيجارة ؟ الناس، نهرٌ من الوجوه المظلمة، يتدفقون نحو مصدر النار . لكني وقت في
مكاني بأمرٍ صامتٍ من آبائنا، خطٍّ لم أجرؤ على تجاوزه.
انطفأت النار، ذلك الوحش الذي كان يتراقص في لهيبٍ لا يمكن نسيانه ، تاركاً
وراءه صمتًا أعمق من ألسنة اللهب. غطّت سحابةٌ
من الرماد الأسود الهواء، شبحًا لما كان. بعد أيام، اجتمعنا لمواجهة الرماد، نستمع
إلى كلمات المدير الجوفاء. سنكون ضيوفًا على مبنى المدرسة المجاورة، مكانٍ أيضاً
من القصب والبردي لكنه مغلف بالطين ، على بُعد عشر دقائق فقط سيرًا على الأقدام. سنقطع
هذه الرحلة يومياً من الحادية عشرة صباحاً الى الثانية ظهراً أو من الثانية ظهراً
حتى الخامسة مساءاً. لا فواصل إستراحة بين الدروس ، سيتوقف المرح وتسكت الضحكات .وإختفت
دروس التربية البدنية والفنية ..... سقطتا ضحايا لتوفير الوقت .
دامت هذه الحياة الجديدة شهرًا، حياةً غريبةً، نصف وجود. ثم عدنا. كانت تنتظرنا
مدرسة جديدة، وُلدت من رماد القديمة. لكنها كانت أيضًا مصنوعة من القصب والبردي، بناء
هشّ ومؤقت، تذكير بالنار التي غيّرت كل شيء، ولم تُغيّر شيئًا على الإطلاق.

تعليقات
إرسال تعليق