أشرف العشماوي في مواليد حديقة الحيوان

 



رواية "مواليد حديقة الحيوان" لأشرف العشماوي ليست ثلاثية بقدر ما هي تأليف موسيقي واحد للأَسِرْ، مؤلف من ثلاث حركات: "الكابينة التي لا ترى البحر"، و"مزرعة الخنازير"، و"مواليد حديقة الحيوان". كل رواية تتمتع باستقلالية، بشخصياتها وأزمنتها وحبكاتها، ومع ذلك، فإنها معًا تدوي كأصداء داخل متاهة، تعود إلى نفس الرثاء الجوهري - فقدان الحرية، وإرث الجروح، وضياع الهوية في ظل نظام اجتماعي جامد. تُقرأ القصص كما لو كانت مأخوذة من أقفاص مختلفة داخل حديقة الحيوان نفسها: بيئات مختلفة، لكنها جميعًا مغلقة، ومرصودة، ومقدر لها التكرار.

 

في الرواية الأولى، "الكابينة التي لا ترى البحر"، يضع العشماوي حكايته في مواجهة أفق المنصات الرقمية الحديث، لكن التسلسلات الهرمية القديمة للسلطة والفقر لا تزال قائمة. يرث الحفيد قيود جده ذاتها، ليس من خلال الدم وحده، بل من خلال نظام مصمم لإعادة تدوير المعاناة. بصفته كبش فداء للأثرياء، يُضحى به لحماية سمعتهم، ويُحكم عليه بالسجن مقابل حريتهم. تتجلى قسوة الظلم الطبقي في أبشع صورها الحسابية: "الأغنياء بحاجة إلى الحرية، والفقراء بحاجة إلى المال". ومع ذلك، حتى هنا، يصبح البحر - رمزًا تقليديًا للانفتاح والفداء - عدائيًا، عدوًا يلتهم الذاكرة: "الآن أرى البحر الذي كرهته، بعد أن ابتلع كل ذكرياتي، تاركًا لي ذكرى قاسية لم أعد أتحمل تذكرها". تصبح صورة الماء اللامتناهي سجنًا آخر، عميقًا لا يرحم، مرآةً ملحية لمصيره.

 

تُقطّر "مزرعة الخنازير" كوميديا ​​البقاء الغريبة إلى مأساة تحول. يصبح فايز حنا، المزارع القبطي، الشخصية الأكثر إثارة للقلق في الرواية. لتفادي الاضطهاد والإبادة على يد الجماعات الإسلامية الصاعدة، أقنعه محاميه بتمثيل موته، ليولد من جديد باسم "الشيخ فايز عبد النبي". ما يلي ليس مجرد قصة تزوير، بل قصة منفى وجودي: رجل مُجبر على التخلي عن ماضيه وإيمانه وجسده ليبقى على قيد الحياة. فايز، الذي تحول إلى "تاجر لحوم مسلم"، لا تطارده الثروة التي جمعها من بيع لحم الخنزير على أنه لحم بقري، بل شبح الموت الدائم الذي دفعه إلى التنكر في البداية. كل فعل من أفعاله غارق في جنون العظمة، ويُعاد كتابة حياته بواسطة محامٍ يتحكم في مصيره كما لو كان يكتب نصًا مسرحيًا. في هذه القصة، ينسج العشماوي نسيج مصر السادات المظلم: طوابير في التعاونيات، وحظر ذبح الإناث، وقبضة التطرف الديني المُحكمة. إن عبثية تحويل الخنزير إلى لحم بقري تعكس عبثية تحويل حنا إلى عبد النبي - وهو تنكر يقبله المجتمع لأن الجميع متواطئون بالفعل في آلية الخداع في المدينة. "الكل يبحث عن فرصة للخداع في هذه المدينة"، يذكرنا فايز، وجوده دليل على صحة القاعدة.

الرواية الثالثة، "مواليد حديقة الحيوان"، تُكمل الثلاثية، وتعود إلى أقفاص حديقة الحيوان. وُلد إسماعيل، ابن حارس حديقة الحيوان، داخل استراحة حديقة الحيوان، ورغم أنه نشأ ليصبح طبيبًا بيطريًا، إلا أن الفقر يدفعه إلى نفس الجدران التي كان يأمل في الهروب منها. تدفعه رغبته في الزواج إلى استعادة الاستراحة كمنزل للزواج، لكن حديقة الحيوان تبتلع أحلامه كما ابتلعت طفولته. يتمسك بأسطورة عن والده وهو يصارع أسدًا - قصة لا يصدقها أحد غيره - لأنه بدونها، لا يملك شيئًا بطوليًا لينقله. حياته مُقيّدةٌ بسياجٍ: " على أرضها وُلد، وبين أقفاصها كبر، ووراء أسوارها عاش ُ." . فيه، تكتمل استعارة حديقة الحيوانات: رجلٌ لم يعرف الوجودَ وراء القضبان، يؤمن بالقصص فقط لأن الواقع لا مفرّ منه.

تتخلل الثلاثية مجموعةٌ من الصور التي تُحطّم الحدود بين الإنسان والحيوان. يُوصف الخضوع بأنه " خنزير يأكل أي شئ يُقدّم له يأكله ولو كان قمامة "، والتردد بأنه " قطة ترفع قدماً وتتراجع بأخرى "، والتهديد بأنه نظرة " تسبق افتراس الأسد للحمار ". تتحول الحشود إلى "ضباع"، والمدينة الفاسدة إلى أرض صيد. في هذه المقارنات، تُجرّد الحياة البشرية من أوهامها وتنكشف في طبيعتها الحيوانية الخام، حيث يتغلب البقاء على الكرامة، ويصبح القدر غريزةً لا أكثر.

 

يُشكّل لغز الكلمات المتقاطعة، المُنتشر في الروايات الثلاث، أكثر عناصر الكتاب غموضًا. يظهر أولاً بين يدي الحفيد على شاطئ البحر، الذي يتعثر في الإجابة المقابلة لكلمة "مخير ". ثم يظهر مجدداً في مكتب المحامي، الذي يدفس مخططاته في شبكته السوداء والبيضاء قبل أن يعيد كتابة حياة موكله. وينتهي في صحيفة مدير حديقة الحيوان، مطويةً فوق الإجابة غير المحلولة لكلمة "مغفل ". هذا اللغز المتكرر، الذي لم يُحل تماماً، يُصبح رمزاً للحالة الإنسانية في رؤية العشماوي: الوجود لغزٌ غير مكتمل، حيث تبقى الإجابات بعيدة المنال ويتلاشى المعنى إلى الأبد.

مجتمعةً، لا تُعدّ "مواليد حديقة الحيوان" ثلاث روايات، بل رثاءً واحدًا مُنعكسًا في ثلاث حكايات: الميراث، والتمويه، والحصار. تكشف الرواية عن مجتمع يُورث فيه القدر كما تُورث الملكية، حيث يتطلب البقاء خيانة الذات، وحيث لا يجد الحب موطنًا خارج القضبان. ومثل حديقة الحيوان نفسها، يُصوّر الكتاب البشر كمعارض - يُسخر منهم، ويُراقبهم، ويُتجاهلهم - مُلمّحًا إلى أن القضبان الحقيقية لا تكمن في الحديد، بل في التاريخ، والطبقة، والخوف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير