عندما أضربت مدرستنا

 


انتصار كبير ، فتحنا أبواب المدرسة الثانوية قبل نصف قرن من الزمان ، أصبحنا طلاب فيها وأمامنا عالم جديد نغزوه. هنا، بين هذه الجدران، وُلدت حكاية، منسوجة من خيوط صف التاريخ ومعلمه العنيف . رجلٌ سريع الغضب ويدٌ أسرع ، كأنه عاصفةً لا يجتازها إلا المستعدون . دفتر ملاحظات صغير فيه أسمائنا، ينادي أحد الأسماء ، سؤال - ثم يعطيه درجة ( ناقص واحد زائد واحد ... لا نفقه من تلك الأُحجية شيئاً)  ، غالبًا ما يصاحب ذلك السؤال و الدرجة صوت صفعة أو اثنتين قويتين .

 

بيننا جلس طالب أسمه جاسم، همسٌ هادئ في غرفةٍ تعجّ بالصراخ، أدبه درعٌ رقيق يحميه من العالم. صوته، سلعةٌ نادرة، حجبته ابتسامته الدائمة الثابتة. كانت جزءًا منه، ثابتة على وجهه كما هو أنفه، وفمه وعينيه .

 

في ذلك اليوم المشؤوم، نُودي باسم جاسم. كعادته، جلس المعلم على كرسيه، دفتره الصغير سجلٌّ لمصيرنا. طُرح سؤال، ارتسمت على وجه جاسم نظرة حيرة. ومع ذلك، صمدت الابتسامة، منارةً هادئةً في لحظة حيرته.

"أنت تضحك يا أحمق،" زمجر المعلم بصوتٍ كالرعد. بقيت الابتسامة، ثابتةً، رافضةً الاستسلام. ضرب المعلم  الغاضب، كأفعى ملفوفة. صفعةٌ نزلت على خد جاسم ، لكن الابتسامة لم تتلاشى. الغضب، الذي أصبح جحيمًا مستعرًا، طالب بالمزيد. تلتها صفعةٌ ثانية، وثالثة، ورابعة، كلٌّ منها كانت بمثابة لمسةٍ حمراء على وجه جاسم. ومع ذلك، أبت الابتسامة، تلك الابتسامة الجميلة العنيدة، أن تُمحى.

 

استمر الدرس، ضبابٌ من الكلمات والتواريخ، لكن أفكارنا كانت في مكانٍ آخر، مُعلقةً بصورة صديقنا المبتسم. قصته، سرٌّ مُهموس، شعلةٌ هادئة، انتشرت في أرجاء المدرسة. غضبٌ، تيارٌ عارم  اجتاح الطلاب. تصاعدت أصوات تحتج ، تمردٌ صامت. في اليوم التالي، خلت الفصول الدراسية، شاهدًا على عزمنا. ساد الصمت القاعات، التي عادةً ما تعجّ بصخب الطلاب ، إلا من توسلات المدير القلقة. لكن عزمنا صمد. لم ينتهِ اليوم بلسعة صفعة، بل بانتصارٍ هادئٍ للتضامن. انتقمنا لصديقنا المبتسم، ووعدٌ صامتٌ أوفينا به. لم يُعاقَب أحد، ولم يُلاحق أحد. كانت تلك أيامًا جميلة،  فيها الكثير من الصفعات !!!!  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير