دريهم
كانت رحلة
العودة من المدرسة إلى المنزل قصيرة عادةً، ربما ربع ساعة ، لكن ليس في ذلك اليوم. فقد حوّل
مطر الصباح المئتين متر غير المعبدة في ذلك الطريق إلى طريق موحل . وبحلول الوقت الذي
أنصرفنا به من المدرسة كانت السماء قد تحولت بنفسجية تتخللها حمرة لشمس خجلى وهي
تغيب ، بدأت السماء مثقلة بسحب سوداء كثيفة تتكاثر بإستمرار . وصلتُ إلى السيارة
وكانت عبارة عن باصات خشبية ، وبينما كنتُ أجلس في مقعدي، صعد السائق. غمرتني موجة
من الخوف - خوف شعرت معه ببعض البرد . الجميع
يعرفونه أنه ثمل في الصباح و المساء . لماذا يسمحون له بالقيادة.
كان رجلاً
ضخم الجثة، وجهه يبدو منتفخًا باستمرار. كانت عيناه واسعتين ،ترة فيهما عروق حمراء
و صفراء تراها من مسافة ، هل بسبب السيجارة التي تلتصق بفمه . كان أنفه وشفتاه وأسنانه
كلها كبيرة، مما منحه مظهرًا مخيفًا دائمًا. نادى رجل في المقدمة، بصوت مشوب بالقلق
مخاطباً السائق : "من فضلك، لا تسرع ! لسنا في عجلة من أمرنا". ثم تمتم بصوت
منخفض بما يكفي لسماعنا فقط: "أرواحنا غالية". انطلقت الحافلة للأمام، وبعد
دقائق قليلة، وصلنا إلى الجزء الموحل غير المُعبَّد. كان التوتر في الجو كثيفًا، وزادته
رائحة الكحول الواضحة. كان ثملًا، كلنا تيقنا من ذلك . صرخ السائق بصوتٍ مُتلعثمٍ وعالي:
"لا تقلق، الأمور بخير!".
فجأة، بدأت
الحافلة بالتأرجح. بدا السائق وكأنه يتصارع مع مقود السيارة . علت وجهه حمرة وهو
يلف المقود سريعاً الى جهة اليسار ليعود به و بنفس السرعة الى جهة اليمين . رأيت
قطرات من العرق تخر سريعاً في تضاريس وجهه . كانت السيارة عنيدة لأنها واصلت
الترنح و نحن نترنح معها ممسكين ببعض أو بجدرانها من الداخل. كان خوفنا الأكبر هو النهر الذي يقطع طريقنا في
المنتصف ،وصلنا الجسر وحبسنا أنفسنا ، هل سينتهي الأمر بنا في النهر ؟ القلوب كانت
تدعي أن نعبر الجسر بسلام ، ولكن ما إن عبرنا، انحرفت الحافلة بعنف إلى اليسار، وكادت
أن تصطدم بحفرة كبيرة عند حافة الطريق مليئة بالماء . كافح السائق لإعادة سيارته إلى الطريق، وأطاعته
"سيارته العنيدة" أخيرًا.
ما إن وصلنا
إلى الشارع المُعبّد، حتى تنهد الجميع . بدت الرحلة القصيرة وكأنها أبدية. أقسم الركاب
في سرّهم ألا يركبوا مع هذا السائق مرةً أخرى. ذكرى عينيه الحمراوين اليائستين وهو
يُكافح للسيطرة على السيارة شيءٌ لن أنساه أبدًا.

تعليقات
إرسال تعليق