بين الجنون والعبقرية: مونش.. حين يصبح الألم لونًا

 



 

على مرّ العصور، ارتبط الفن بالجنون كما لو كانا توأمين في رحم واحد. فكم من فنانٍ وُصف بالاضطراب أو الغرابة، وكم من لوحةٍ وُلدت من رحم الألم. يتصدر هذه القائمة فنسنت فان غوخ، الرسام الهولندي الذي عاش حياة قصيرة، لكنها أشعلت نورًا طويلًا في تاريخ الفن. دخل مصحات الأمراض النفسية أكثر من مرة، وقطع أذنه في لحظة انهيار، بل أكل من ألوانه في نوبات من الهوس، قبل أن يُنهي حياته برصاصة عام 1890. ومع ذلك، لم تمت ألوانه؛ فقد تحولت مع الوقت إلى لغة للضوء والرحمة والجنون الجميل.

 

أما في شمال أوروبا، فقد عاش النرويجي إدوارد مونش حياة لا تقل اضطرابًا. صاحب لوحة الصرخة، التي بيعت عام 2012 بأكثر من 120 مليون دولار، حمل في داخله خوف طفولته حتى آخر أيامه. فقد والدته في الخامسة بسبب السل، ثم شقيقته صوفي بعد سنوات بالمرض نفسه، بينما عانت شقيقته الأخرى من انفصام الشخصية. أما والده، فتوفي عام 1889، فترك في نفس مونش جرحًا لم يلتئم.

 


منذ بداياته، كان مونش يرسم ما لا يُقال. التقى بالفيلسوف العدمي هانس ييغر الذي نصحه بأن يرسم مشاعره الداخلية، ففعل ذلك بجرأة نادرة. تأثر بفان غوخ وبول غوغان، واتجه إلى الرمزية والتعبيرية، محولًا الألم إلى أشكال وألوان تصرخ كما تصرخ النفس في صمتها.

 

قدّم مونش أكثر من 1700 لوحة، بينها الصرخة ومادونا والطفل المريض. ومع كل نجاح، كانت معاناته تتضاعف: نوبات هلع، اكتئاب، هوس، عزلة، وهلوسات. عاش في صراع دائم مع ذاته، حتى أنه أطلق النار على نفسه أثناء مشاجرة مع عشيقته، فأصاب يده وأثّر ذلك على قدرته على الرسم. كان يضحك ويتحدث إلى لوحاته، يراها أبناءه ويرفض بيعها.

 

عام 1908 انهار تمامًا، ودخل مصحةً نفسية لثمانية أشهر، لكنه عاد بعدها ليعيش ما تبقى من حياته في عزلة هادئة حتى وفاته عام 1944. في الثلاثينيات، نُعت فنه بالمنحط من قبل النازيين، فخبأ أعماله خوفًا عليها من المصادرة، وكأنها آخر ما تبقّى من قلبه.

 


في النهاية، ترك فان غوخ ومونش درسًا خالدًا: أن الفن ليس زينةً للعالم، بل شهادة على هشاشته. وأن الجنون، في بعض وجوهه، ليس إلا شكلًا آخر من أشكال الرؤية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير