تانغو الشيطان: سبع ساعات ونصف من الصمت، رحلة في الخراب والجمال المؤلم

 


في عالم الأدب المعاصر، حيث يلتقي الواقع بالخيال في أعمق انعكاسات النفس البشرية، تظهر رواية لاسلو كراسنهوركاي "تانغو الشيطان" كصوت صاخب في صمت الخراب، نص يتدفق بلا توقف، بلا فواصل واضحة، جمل طويلة ممتدة تعكس بطء الزمن وشقاء الحياة. منذ اللحظة الأولى، عندما تستيقظ شخصية فوتاكي على صوت الأجراس في صباح خريفي متقشّف، يتمكن القارئ من استشعار النفوس الممزقة، الأرض المتهالكة، الهواء الثقيل، كل شيء يحمل عبء التاريخ والخراب واللامعنى. هذا النص، الممتد، المليء بالجمل المعترضة والصور المتشابكة، هو أشبه برقصة متكررة للحياة، حيث كل خطوة للأمام سترافقها ست خطوات للوراء، كما في رقصة التانغو، في انسجام تام مع جوهر الرواية، حيث الزمن ليس خطيًا بل دائرة مغلقة لا نهاية لها.

 

الرواية ليست مجرد سرد لأحداث مزرعة تعاونية زراعية مهترئة، بل هي بناء معقد لوعي الإنسان التائه، لعجزه، لحميمية الألم الذي يصيب كل كائن. الشخصيات تبحث عن معنى وسط الخراب، تجد نفسها أسيرة دورة لا تنتهي من الأفعال التافهة، الطمع، الاعتداء، الانتهاك، وحتى الموت العشوائي. مشهد الفتاة التي تعذب قطة ثم تنهي حياتها هو مجرد مثال على هذا الخراب النفسي، حيث تتلاقى الرغبة في السيطرة مع لذة الألم، في لعبة خفية بين اللاوعي والوجود. الرواية تمنح القارئ مساحة للتأمل، لتصبح كل لحظة تمر فيها الكائنات على الصفحة أو الشاشة انعكاسًا للخراب النفسي والروحي الذي يحيط بالبشر، حيث كل شيء مؤلم وجميل في الوقت نفسه.

 

عندما تحولت الرواية إلى فيلم طويل لمخرج المجري بيلا تار عام 1994، تم إعادة خلق هذا العالم على الشاشة الكبيرة في سبع ساعات ونصف من الزمن السينمائي، حيث تتحرك الكاميرا ببطء، مثل شخصية راقصة في رقصة صامتة، تصوّر الأبقار، الماء، الحقول، البشر، كل شيء في حركة بطيئة تجعل المشاهد يعيش التأمل في كل تفصيل. الأبقار التي تتحرك بلا هدف، تقترب ثم تبتعد، تعكس حالة البشر في البحث المستمر عن معنى متوارٍ، عن لحظات ممتدة من التوتر والرغبة، عن زمن يبدو أنه لا يتغير رغم كل الأحداث المتكررة. الفيلم يمتد ليغوص في الوجود الإنساني، في الانحطاط الروحي، في الصمت الذي يملأ الفراغ ويعطيه وزنًا، يجعل المشاهد يختبر الشعور باللاجدوى واللاختلاف عن كل ما تعوّد عليه في السينما التقليدية.

 

الفيلم، مثل الرواية، ينقسم إلى فصول متكررة، لكنها ليست مجرد تقسيم سردي، بل هي تأمل في التكرار نفسه، في دورة الزمن، في أن الأحداث نفسها يمكن أن تُروى من زوايا متعددة، كل زاوية تكشف طبقة جديدة من الانكسار الإنساني، من الطمع، من الشر الخفي، من العجز. مشهد الرقص في الحانة، المنفذ بطريقة ارتجالية من قبل ممثلين سكارى، يظهر الزمن النفسي المختلف عن الزمن الفيزيائي، كما يراه برغسون، والزمن النسبي كما شرحه أينشتاين، حيث كل منظور يضيف معنى جديدًا إلى الحدث نفسه، ويجعل التكرار ليس تكرارًا، بل تجديدًا للمعنى، تجربة روحية تتجاوز حدود الصورة والصوت والحركة.

 

تتجاوز الرواية والفيلم حدود السرد المعتاد لتصبح تجربة وجودية، حيث الشخصيات والبيئة والزمان والموت والشر والخراب جزء من نسيج واحد، خيوط متشابكة من اللاوعي الجماعي والفردي. كراسنهوركاي يخلق النص، تار يعيد تشكيله بصريًا، في عالم يعيد تعريف العلاقة بين القارئ/المشاهد والنص/الفيلم، بين الواقع والخيال، بين الحياة والموت. هذا الجمع بين النص المكتوب والصورة الحية يجعل تجربة "تانغو الشيطان" تجربة متكاملة، حيث الأدب يلتقي بالسينما، والفكر بالفن، والوعي باللاوعي، والصمت بالموسيقى، والخراب بالجمال.

 

الفيلم يحقق امتدادًا لمفهوم الرواية عن الجحيم الجميل، عن استبطان الانحطاط الإنساني، عن التجربة التأملية التي تجعل الزمن مرنًا، والأحداث دائرية، واللاجدوى معيارًا للفهم العميق. الموسيقى الحزينة، الحركة البطيئة، الصور الطويلة الثابتة، جميعها تعمل على تشكيل وعي المشاهد، على جعل كل من يتابع هذه الرقصة الطويلة يتحسس العدم، يواجه الخراب، يدرك الطبيعة البشرية في أشد لحظاتها سوداوية وروعًا، وفي الوقت نفسه يكتشف جمال الألم، جمال الصمت، جمال الفراغ.

 

هذا العمل، سواء في الرواية أو في الفيلم، يقترب من مفهوم السينما التأملية أو سينما المنفيين، حيث لا تهدف إلى تصفيق الجمهور، ولا الجوائز، ولا الشهرة، بل إلى إيصال رسالة دقيقة، فلسفية، وجودية، تجعل كل مشاهد أو قارئ يختبر ذاته، يختبر علاقته بالعالم، يختبر زمنه ووجوده، في تجربة ممتدة ومركبة، مليئة بالرموز والصور والتكرارات والصمت. هذه هي السينما كما يجب أن تكون: ليست للهروب، بل للمواجهة، ليست للترفيه السريع، بل للاختبار العميق للروح.

 

في النهاية، يمكن القول إن "تانغو الشيطان" ليست مجرد رواية أو فيلم، بل هي تجربة فنية كاملة، حيث النص الأدبي يلتقي بالصورة السينمائية، والفلسفة تلتقي بالتأمل النفسي، والزمن النفسي يلتقي بالزمن السينمائي، ليخلق تجربة متكاملة تجعل القارئ والمشاهد في رحلة ممتدة نحو فهم الحياة، الخراب، الصمت، والوجود، حيث كل شيء مؤلم وجميل في الوقت نفسه، وكل شيء مرئي لكنه غامض، وكل شيء محسوس لكنه يتجاوز الحواس المباشرة، رحلة تبدأ بصوت أجراس استيقاظ خريفي، ولا تنتهي إلا في صمت أعماق النفس.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير