تحولات الماضي والحاضر، الفانتازيا والواقع، جميعها في عمل واحد : زعفرانة

 

 


رواية "زعفرانة" للكاتبة هدى النعيمي توثق رحلة الإنسان في إعادة تعريف هويته وسط تحولات اجتماعية وسياسية كبرى في الخليج العربي بعد اكتشاف النفط، ممتدة عبر أجيال متعاقبة ومناطق متنوعة مثل قطر وعمان ومصر وتنزانيا وكينيا. تحمل الرواية أصوات الشخصيات من "مريم" الجدة، إلى "زعفرانة" الحفيدة، مرورًا بأبنائها "شهلا" و"يعرب" و"صالح"، وصولًا إلى "ذيب"، زوج "شهلا"، وقد نجحت الكاتبة رغم كثرة الشخصيات وتعدد الزمان والمكان في الحفاظ على انسجام القصة وتماسك أحداثها.

 

تميزت الرواية بأسلوب **الواقعية السحرية**، إذ منحت الشخصية المحورية "زعفرانة" قدرات خارقة، مثل التواصل مع روح الكون والانتقام من أعدائها بمجرد النظر إليهم، ما أضفى بعدًا دراميًا وفانتازيًا على النص. استُخدمت الفانتازيا لتعزيز ارتباط القارئ بالقصة وإضفاء حالة من الدهشة، مثل قدرة "زعفرانة" على منع الذئب من الاقتراب من فريسته أو سماع صوت طفلها قبل أن تعرف بزواجه، كما استُدعيت الأساطير المحلية، مثل أسطورة الفتاة والنسر في الجبل الأخضر، والموروث الشعبي من طقوس وعادات قديمة، إلى جانب شخصيات مثل "عجوز السلوم" الذي ساعد "يعرب" في الشفاء من صداع مزمن.

 

استخدمت الكاتبة بنية زمنية مرنة، مزجت بين الزمن الخطي والاسترجاع والاستباقات، لإبراز العلاقة بين الإنسان والمكان، وكانت شخصية "زعفرانة الكبرى" الرابط الذي جمع الشخوص وحافظ على محور الأحداث. عبرها طرحت الكاتبة قضايا سياسية واجتماعية مثل حرب ظفار في عمان، صراع الأهالي مع الانتداب البريطاني، والغزو الأمريكي للعراق، لتسليط الضوء على معاناة شعوب المنطقة عبر الزمن والمكان. كما رصدت الرواية قضايا اجتماعية ونفسية، مثل الفقر والتفاوت الطبقي ومعاناة النساء وحرمانهن من التعليم والحقوق الأساسية، وزواج الأطفال، وتهجير العائلات، وحرمان الأبناء من الدراسة أو المشاركة في القرارات المصيرية.

 

استدعت الرواية التراث كمرآة للهوية ووسيلة للحفاظ على الجذور وسط التحولات الكبرى، فظهرت الموروثات في ممارسات شعبية كالطب التقليدي، الألعاب، الرعي والغوص، إضافة إلى مهن وأزياء تقليدية مثل المطوع والبخنق والغترة، وطقوس اجتماعية كـ"دزة العروس" وولائم الهدايا ومقامات الأولياء. لم تقتصر الرواية على الواقع فحسب، بل انتقلت إلى الخيال والفانتازيا من خلال "كتاب الغزال" الذي ورثته زعفرانة عن أبيها، واستخدمته للتواصل مع الكون، مستثمرًا الرموز والأحلام لبناء التوتر الدرامي وتقديم البعد الرمزي للأحداث، مثل حلمها بسفينة أبيها الذي أدى إلى موته في رحلة الغوص، أو حلم "مريم" الذي كشف عن خوفها الكامن من ضياع الأمانة.

 

كما أضافت الرواية معارف تاريخية وجغرافية تعكس العلاقات الإقليمية وتأثير الإمبراطوريات، مثل أثر الإمبراطورية العمانية في الساحل الأفريقي الشرقي، وتجربة السفر بين عمان وزنجبار، إضافة إلى معلومات عن جبل الأخضر وظفار والقاهرة القديمة. وقد سلطت الرواية الضوء على شخصية الإنسان وسط هذه التحولات، وكيف تطورت الشخصيات عبر الزمن، مثل تحول "زعفرانة الأولى" من حياة دلالية إلى يتيماً لدى عمها، ثم شريكًا في معارك الحياة، أو "شهلا" التي تحولت من حياة رغدة إلى العيش في الكهوف والمقاومة، و"فاطمة" التي انتقلت من رفض الحرب إلى المشاركة فيها انتقامًا من الخسائر العائلية.

 

وبهذا، قدمت رواية "زعفرانة" لوحة بانورامية للحياة في الخليج العربي عبر العقود الأخيرة، مجسدة **التحولات بين الماضي والحاضر، الأصالة والحداثة، القمع والحرية، والمعاناة الإنسانية**، مع الحرص على إبراز الدور المركزي للمرأة والموروث الشعبي، والفانتازيا التي تعزز قدرة الرواية على خلق رابط عاطفي ووجداني مع القارئ. وبينما تستعرض الرواية التاريخ والجغرافيا، تظل القصص الشخصية والنضالات اليومية للشخوص محورًا للتأمل، ما يجعل النص غنيًا بالأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والفانتازية في الوقت ذاته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير