رسام يبيع النور و يعيش في الظلمة

 


قليلٌ من الفنانين في تاريخ الولايات المتحدة ألهموا مثل هذا الحب - ومثل هذا البغض - مثل توماس كينكيد. بالنسبة لملايين الأمريكيين، كانت أكواخه المتوهجة عند غروب الشمس الدائم رمزًا للدفء والإيمان. بلكن معظم النقاد، يرون فيها أشياء مبهرجة وإصطناعية  مثل الزهور البلاستيكية. عندما توفي كينكيد عام 2012، ترك وراءه إمبراطورية بملايين الدولارات وسمعة كواحد من أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في الفن الحديث.

في ذروته التجارية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ترأس "رسام الضوء"[1] شركة حققت أرباحًا تزيد عن 100 مليون دولار سنويًا. ملأت مناظره الطبيعية - أكواخ ريفية، وجداول متعرجة، وجسور مضاءة بالمصابيح - التقويمات والأطباق وبطاقات المعايدة. ومع ذلك، فإن الصور نفسها التي أراح بها معجبيه نفرت المؤسسة الفنية منه . تقول شارلوت مولينز: "أسلوب كينكيد هو فنتازي ساخر ". إنها مُحاكاة عاطفية لمشاهد غابات على طراز ديزني... جميلة لكنها سهلة النسيان.

وصفت الكاتبة جوان ديديون أكواخه ذات مرة بأنها "دافئة للغاية لدرجة أنها تبدو شريرة بالفعل... كل نافذة مُضاءة بتأثير مُثير للرعب، كما لو أن الداخل قد يحترق". كلماتها، التي كانت تُقصد بها النقد، تبدو الآن نبوئية. وكما يكشف الفيلم الوثائقي الجديد الفن للجميع، عاش الرجل خلف تلك النوافذ المُتوهجة حياةً مليئة بالظلام.

كشفت المخرجة ميراندا يوسف ساعات من مذكرات كينكيد الصوتية الخاصة، المُسجلة عندما كان طالب فن طويل الشعر في كاليفورنيا في سبعينيات القرن الماضي. حتى ذلك الحين، كان يُعاني من التفكير فيما إذا كان بإمكانه التوفيق بين طموحه الفني وحاجته لكسب الرزق. بعد رسم خلفيات لفيلم الرسوم المتحركة النار والجليد (1983)، بدأ كينكيد ببيع مناظر طبيعية أمريكية حنينية من كشك على جانب الطريق مع زوجته نانيت.

بحلول التسعينيات، حوّل الحنين إلى صناعة. اختفت المناظر الطبيعية الوعرة؛ وحلت محلها مشاهد جميلة وناعمة، عذبة لدرجة أن "حتى الهوبيت قد يجدها طريفة"، كما قال أحد النقاد مازحًا. تألقت الجداول، وانفجرت الزهور، وتوهجت نوافذ الأكواخ كمواقد سلام أبدي. بالنسبة لعشاقه، كانت هذه ملاذًا من عالم فوضوي. أما بالنسبة للنقاد، فكانت خيالًا خوارزميًا. تقول مولينز: "اليوم نظن أنها من إنتاج الذكاء الاصطناعي، مصممة وفقًا لصيغة - عادية وفارغة".

تقول يوسف بأن تجاهل حرفيته ليس سهلاً . تقول: "رسم آخرون أكواخًا ومشاهد عيد الميلاد، لكن أعماله تفوقت على الجميع". تعتقد أن صقله الفني نابع من الشوق. نشأ كينكيد فقيرًا في بلاسرفيل، كاليفورنيا، على يد أم عزباء، ويطارده أب غائب وعنيف، وكان يتوق إلى الضوء الذي يرسمه. وتضيف يوسف: "يقول الناس إن أكواخه تبدو مشتعلة، لكنه رسم الدفء لأنه نشأ في البرد والظلام". غذّى هذا الحرمان أيضًا سعيه وراء الثروة. حوّل كينكيد صوره إلى أعمال تجارية  - طبع آلاف النسخ،  وافتتح مئات من معارض توماس كينكيد في مراكز التسوق. أصبح شعاره "رسام النور" علامة تجارية مسجلة. أصرّ على أنه ببساطة يجعل الفن في متناول الجميع: "لا يختلف عن مؤلف يبيع روايات أو موسيقي يبيع أقراصًا مدمجة".

قال النقاد إن كينكيد كان غير نزيه" . فقد باع مطبوعات "إصدار محدود" صُنعت بأعداد هائلة. أضاف مساعدوه بضع لمسات سريعة ليظن المشترون أنهم يحصلون على قطعة فنية حصرية .قالت خبيرة الفن شارلوت مولينز إن هذا مُضلِّل، لأن المطبوعات المحدودة الحقيقية يُفترض أن تحافظ على قيمتها بكونها نادرة، لكن مطبوعات كينكيد لم تكن نادرة على الإطلاق - بل كانت تُنتج بكميات كبيرة.

مع ذلك، فإن تحدي كينكيد لنخبة الفن عزز جاذبيته. على التلفزيون وفي التجمعات الترويجية، بشر بأن أكواخه المضيئة هي الترياق لـ"ظلام" الفن المعاصر. بالنسبة للمريدين، كان شراء لوحة من لوحات كينكيد يعني الدفاع عن العائلة والإيمان والوطن في وجه الحداثة الساخرة. وقد أجاد كينكيد أداء الدور: رجل عائلة سليم، ذو شارب كثيف، يرتدي قمصانًا منقوشة، محاطًا بزوجته الشقراء وبناته الأربع. قال بصوت جهوري: "عالم الفن عالم من الظلام. أنا أدافع عن الله والجمال". بالنسبة لأمريكا المحافظة، لم يقدم كينكيد لوحات فنية فحسب، بل انتماءً أيضًا.

لكن شخصيته الفاضلة كانت "مرسومة " بعناية فائقة كفنه. بعيدًا عن الكاميرا، كان كينكيد يُفرط في الشرب ويلعن كل لقطة من فيديوهاته الحلوة. تتذكر بناته أنه طُلب منهن الابتسام لمجرد الظهور، حتى مع ضغوط حياتهن العائلية تحت وطأة إمبراطوريته. تقول المخرجة يوسف: "ألقت العلامة التجارية بظلالها الداكنة الطويلة بشكل غير عادي".

مع تزايد الطلب، كان من المتوقع أن يُنتج كينكيد لوحة جديدة كل شهر، متطابقة في النبرة والموضوع. أفرغه هذا الضغط من جوهره. بحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تورط في دعاوى قضائية مع شركاء أعمال وأصحاب معارض فنية. انهار زواجه. أصبح الرجل الذي كان يدعو إلى السكينة كاريكاتيرًا مُدمرًا للذات - مُدمنًا على الكحول، مُحبًا للنساء، مُتمردًا على الصورة التي رسمها. في عام 2012، عن عمر يناهز 54 عامًا، توفي بسبب جرعة مخدرات كبيرة . بعد وفاته، فتحت عائلته خزنته الخاصة ووجدت مئات الأعمال الفنية المظلمة والغاضبة: وحوش، وراهبات مسلحات، وأكواخ قاتمة تحت سحب عاصفة. دفع هذا الاكتشاف إلى إعادة تقييم. هل كانت هذه اللوحات المعذبة هي كينكيد "الحقيقي" - والأكواخ المتوهجة مجرد أقنعة؟ أم أن كلا النصفين كانا دائمًا يتعايشان، والظلام يتلألأ خلف كل نافذة مطلية؟

تقول المخرجة ميراندا يوسف: "كان هناك أمر واحد واضح منذ البداية. كان لدى معجبيه رؤية ثنائية الأبعاد له، وكان لدى منتقديه رؤية أخرى. أردت أن أجد الشخص ثلاثي الأبعاد بينهما."

يبدو كينكيد، كما نراه اليوم، سابقًا لعصره بشكل غريب. قبل وقت طويل من تصدّر "حروب الثقافة" عناوين الصحف، صوّر نفسه مدافعًا عن المسيحية والوطنية في وجه النخب الليبرالية. كما كان بارعًا في صناعة العلامات التجارية - حوّل نفسه إلى شعار قبل عقود من مطالبة وسائل التواصل الاجتماعي كل شخصية عامة بفعل الشيء نفسه.

 

تقول  يوسف إن كينكيد كان سابقًا لعصره. من الشائع اليوم أن يتعاون الفنانون المشهورون مع علامات تجارية كبرى، مثل يايوي كوساما التي تعمل مع لويس فويتون، أو كيهيندي وايلي التي تعمل مع أمريكان إكسبريس. لكن كينكيد كان يفعل ذلك بالفعل في التسعينيات، عندما ظهرت لوحاته على بطاقات الائتمان.

تكبد كينكيد ثمنًا باهظًا بسبب هذا التبصر. بتحويله نفسه إلى منتج، طمس الخط الفاصل بين الفن والتجارة والذات. أصبح "رسام النور" حبيسًا في توهجه الخاص، عاجزًا عن الهروب من الخيال الذي باعه للملايين.

تختتم المخرجة ميراندا يوسف فيلمها بسؤالٍ لطالما راوده: ما ثمن تحويل نفسك إلى علامة تجارية؟ بالنسبة لتوماس كينكيد، كان الجواب هو كل شيء - النور والظلام الكامن وراءه.



[1] "رسام النور" كان اللقب والعلامة التجارية التي اختارها توماس كينكيد لنفسه.استخدمه كشعار تسويقي وبيان أخلاقي - يهدف إلى ربط مشاهده المتوهجة والمثالية بأفكار الإيمان والخير والنقاء. كما أن العبارة تُعيد صدى جيه. إم. دبليو. تيرنر، الرسام البريطاني من القرن التاسع عشر، والذي عُرف تاريخيًا بـ "رسام النور".لكن في حالة كينكيد، كان للعبارة طابع تجاري وديني أكثر، فقد جعلته بديلًا روحيًا لما اعتبره عالم الفن الحديث المظلم والساخر.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير