محمد سامي : لوحات تثير القلق وتدعو للتأمل

 


محمد سامي هو رسام من مواليد العراق، تتناول لوحاته بعمق موضوعات الصدمة والذاكرة والآثار الدائمة للحروب  وُلِد في بغداد عام 1984، وبدأ مسيرته الفنية في معهد الفنون الجميلة ببغداد، حيث درس الرسم والتصوير، وتخرج عام 2005. خلال سنواته الأولى، رسم جداريات في عهد النظام السابق  وكانت هذه تجربة تكوينية أثرت لاحقًا على فنه .في عام 2007، لجأ سامي إلى السويد، ثم تابع تعليمه الفني. حصل على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة أولستر في بلفاست عام 2016، وأكمل ماجستير الفنون الجميلة في كلية جولدسميث، جامعة لندن، عام 2018. يقيم ويعمل حاليًا في لندن، حيث اكتسب فنه شهرة واسعة.

 تتميز لوحات سامي بجوها المميز، وغالبًا ما تصور ديكورات داخلية وأشياء ومشاهد تثير شعورًا بالقلق والتأمل. من أبرز أعماله:  غرفة الإعدام  (2022)،  البوابة الشرقية  (2023)، و  هيروشيما حبيبتي  (2023)، تظهر لوحاته تقاطعات واضحة بين الشخصي والجمعي، والظلال التي تخلفها الحروب . من خلال استخدامه المثير للمكان والشكل، يدعو سامي عبر لوحاته إلى مواجهة تعقيدات الذاكرة والأثر المستمر للصدمات . نظم معارضه في أماكن بارزة مثل مركز كامدن للفنون في لندن، وقصر بلينهايم، ومتحف كارنيجي للفنون في بيتسبرغ ..

تتميز أعمال محمد سامي بقدرته الاستثنائية على ترجمة الصدمة والذاكرة إلى شكل بصري. فعلى عكس الفنانين الذين يصورون الحرب أو الصراع بطرق درامية أو مثيرة بشكل صريح، تحمل لوحات سامي كثافة خفية. غالبًا ما يخفي سامي موضوع العنف أو الصدمة خلف أشياء يومية، أو تصميمات داخلية صامتة، أو شخصيات غامضة جزئيًا، مما يخلق توترًا بين ما يُرى وما يُلمح إليه. يدفع هذا النهج المشاهد إلى تأمل العمل مما يشجع على استجابة عاطفية أعمق بدلًا من الصدمة الفورية.

من أهم جوانب مهارة سامي  إتقانه للأجواء والتكوين المكاني . غالبًا ما تصور لوحاته تصميمات داخلية بسكون آسر، حيث يتم التلاعب بالضوء والظل والمنظور للتعبير عن القلق أو التأمل. هذه الدقة تجعل اللوحات تبدو سينمائية - كلحظة متجمدة في الزمن - ومع ذلك، تبقى شخصية للغاية. كل عنصر، من كرسي مائل إلى نافذة بالكاد تُرى، يُسهم في سردية الغياب والفقدان وأصداء التاريخ المُترسبة.

تُبرز براعة سامي في الجانب التقني أيضًا. فغالبًا ما تمزج لوحاته ألواناً بدرجات لونية هادئة مع اندفاعات لونية مفاجئة، مما يُبرز عناصر عاطفية رئيسية أو يُوجّه النظر  داخل المشهد. أسطح لوحاته مُصممة بعناية، وأحيانًا تكون مُتعددة الطبقات أو مُكشطةً أو مُزخرفةً لتُثير إحساسًا بالعمر أو الذاكرة أو التحلل. هذا الاهتمام بالتفاصيل لا يُظهر فقط مهارة تقنية، بل يُظهر أيضًا فهمًا مفاهيميًا لكيفية حمل الوسيلة نفسها للمعنى.

ومن أسباب الإشادة بسامي قدرته على مزج الشخصي بالجمعي. غالبًا ما تُشير أعماله إلى تراثه العراقي، وتجربة المنفى، والظلال الثقيلة التي يُلقيها الصراع، لكنها لا تبدو أبدًا وثائقية بحتة. بل إنه يُعمم الصدمة والتشرد، مما يجعل لوحاته تلقى صدى لدى المُشاهدين الذين قد لا تربطهم صلة مباشرة بالعراق أو الحرب، لكنهم يشعرون بالتوتر والهشاشة الكامنة في أعماله. هذا ما يجعل فنه حميميًا وذا صدى سياسي في آنٍ واحد - وهو مزيج نادر في الرسم المعاصر.

وأخيرًا، تتميز أعمال سامي بـضبطها العاطفي المقترن بالعمق الفكري . فبينما قد يُغرق بعض الرسامين الذين يتناولون مواضيع العنف أو الذاكرة بتفاصيل تصويرية، غالبًا ما تُلمّح صور سامي إلى الصدمة بدلًا من عرضها صراحةً. ويسمح هذا الغموض الناتج بتفسيرات متعددة وتفاعل مستمر، ولهذا السبب يُسلط النقاد الضوء باستمرار على "الكثافة النفسية" للوحاته. فيُترك المشاهدون يتأملون ما يختبئ وراء السطوح، وهذا التأمل المُستمر هو جزء مما يجعل فنه قويًا وخالدًا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير