في الذكرى الـ135 لميلاد الأديب والشاعر ميخائيل نعيمة

 


 



 

تمرّ الأيام وتتغير الوجوه والأحداث، لكن هناك أرواح تبقى خالدة بين الكلمات، وبين صفحات الكتب، وبين وجدان القرّاء. ومن بين هؤلاء العظماء، يظل ميخائيل نعيمة واحدًا من أبرز أعلام الأدب العربي الحديث، شاعرًا وفيلسوفًا ومفكّرًا ترك إرثًا أدبيًا وفكريًا خالدًا، أثرى الحياة العربية بالكلمة والروح والفكر.

ولد ميخائيل نعيمة في بلدة إهدن اللبنانية عام 1889، في بيئة جبلية غنية بالتراث والفكر الديني والفلسفي. منذ صغره، كانت الكلمة تشد انتباهه، وكان الشعر وسيلته للتعبير عن أعماق الروح الإنسانية. وعندما انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية في شبابه، اختبر الغربة والمفارقة بين الثقافات، فتحولت هذه التجربة إلى جزء أساسي من رؤيته الأدبية والفكرية، وجعلته قادرًا على الجمع بين الروح الشرقية والفكر الغربي في نصوصه.

كان نعيمة جزءًا من حركة المهجر الأدبية، التي حرّرت اللغة العربية من قيود الأسلوب التقليدي، وأدخلت مفاهيم الحرية والتجريب والإبداع في الكتابة. ومن أبرز أعماله الرسالة، والخلاص، والنفس المشرقة، حيث نجد في كل منها دعوة صريحة للتأمل في النفس، للحرية الفردية، للبحث عن المعنى، وللارتقاء بالإنسان فوق قيد الماديات والتقاليد الجامدة.

في كتابه النفس المشرقة، يقول نعيمة:

"الإنسان يخلق ذاته من خلال ما يختاره من فكر وأفعال، لا من خلال ما يُفرض عليه من تقاليد ومعتقدات."

هذه الكلمات تصف فلسفة نعيمة في الحرية والاختيار، وتضع الإنسان أمام مسؤولية الوعي بالنفس وبالفكر، وهو ما يجعل قراءه اليوم يجدون فيها صدى حياتهم وتجاربهم.

 

أما في الشعر، فقد تجاوز نعيمة الأشكال التقليدية، وابتكر أسلوبًا يمزج بين الشعر والنثر، بين الخيال والفلسفة، بين التأمل الروحي والانغماس في جمال الطبيعة. في قصيدته الشهيرة وَشَلٌ مِن بَحر، يعكس موج البحر المتلاطم صراع الإنسان بين الحرية والقيد، وبين الروح والجسد، وبين الحلم والواقع، في صورة شعرية غنية بالرمزية والتأمل العميق:

 

"والبحر أمامي، كحزن لم ينتهي،

ويموج قلبي مع أمواجه،

أسافر بلا سفينة، وأحيا بلا وطن."

 

كما عبّر نعيمة عن تجربة الغربة والحنين إلى الوطن في موسم الغربة:

"لو عاد بي الزمن إلى أمي وأرضي، لما وجدت نفسي إلا في قلب الغربة، حيث أتعلم كيف أكون إنسانًا حقيقيًا."

هنا يتضح تزاوج التجربة الشخصية مع العمق الفلسفي، فالغربة ليست مجرد بعد عن الوطن، بل رحلة للذات وفهم الحياة.ونجد في الخلاص رؤية واضحة للحرية والأخلاق:

"لا خلاص للإنسان إلا في أن يعرف نفسه، ويحبها، ويصنع من حياته رسالة للحياة."

هذا المعنى يجعل نصوصه تتجاوز الشعر والنثر، لتصبح فلسفة حياة حقيقية، ودعوة لكل إنسان للتفكر في معنى وجوده والحرية التي يجب أن يسعى إليها.

ميخائيل نعيمة لم يكن شاعرًا فحسب، بل مفكرًا شاملًا جمع بين الفكر والفلسفة والدين والأدب. وقد جعل من اللغة أداة للتعبير عن الروح، ومن الفكر مرشدًا لفهم الحياة. لقد علّمنا أن الأدب ليس مجرد كلمات جميلة، بل تجربة حياة، وفلسفة وجود، ورسالة مستمرة لكل من يبحث عن الحقيقة والمعنى والجمال.

 

واليوم، في الذكرى الـ135 لميلاده، نستعيد عبق إرثه الأدبي، ونتأمل صوته الذي يهمس في أرواحنا، ونتعلم منه أن الحرية والفكر والجمال ليست كلمات فحسب، بل حياة ينبغي أن نعيشها، وروح ينبغي أن نرتقي بها، ورسالة ينبغي أن نحملها. فنصوصه ما زالت حية، وكلماته ما زالت تلهم الأجيال، وتحث على التفكير المستقل، وعلى التأمل في المعنى الإنساني لكل فعل وكلمة.

لقد ترك ميخائيل نعيمة إرثًا خالدًا، يجعلنا نتذكره ليس فقط كشاعر وفيلسوف، بل كمرشد للروح، وكقائد للفكر، وكصوت للحرية الإنسانية. فقراءة أعماله اليوم هي دعوة للعودة إلى الذات، والتأمل في الحياة، وفهم العالم من منظور عميق ومبدع. إنه أستاذ الإنسانية، وصديق الروح، ومعلّم الفكر، الذي لم تتوقف كلماته عن التأثير في كل من يبحث عن المعنى والحرية والجمال.

فلنحتفل اليوم بهذا العظيم، شاعر الغربة والحرية، مفكر النفس والروح، مؤسس الأدب الحديث، ونقرأ كتبه، ونستحضر صوته، ونستمع إلى نصوصه كما لو كانت نبضًا للحياة نفسها. فلنسمح لكلماته أن تغذي أرواحنا، وتضيء طريقنا، وتعلّمنا كيف نحب، وكيف نعيش، وكيف نبحث عن معنى للحياة في كل شيء حولنا.

ميخائيل نعيمة سيظل خالدًا، ليس كاسم في كتب التاريخ، بل كروح في القلوب، وكلمح للحقيقة في عيون كل قارئ يعرف قيمة الكلمة، وسمو الفكر، وعظمة الحرية. إن الاحتفاء به اليوم هو احتفاء بالقيم التي آمن بها، وبالحرية التي دعا إليها، وبالجمال الذي عاش من أجله، وبالإنسانية التي رسخها في نصوصه.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير