تيرينس ماليك وسينما الروح والضياء / 1 فيلم أيام النعيم

 

 

هناك مخرجون يروون القصص، وهناك من يبنون العوالم. تيرينس ماليك يفعل شيئًا أندر من ذلك - إنه يبني الوجود. مشاهدة أفلامه تعني أن تجد نفسك واقفًا على العتبة الفاصلة بين المرئي والأبدي، حيث تتحدث الرياح والضوء ببلاغة الأصوات البشرية. سينماه لا تبدأ بالصراع ولا تنتهي بالحل؛ بل تبدأ بالوجود، بغموض الحياة الهش الذي يتكشف مع مرور الزمن.

 على مر العقود، سعى ماليك وراء سؤال واحد بتفانٍ صوفيّ: ما معنى أن تكون حيًا في عالم يجرحنا ويذهلنا في آنٍ واحد؟ كل صورة يبدعها - يدٌ تمشط القمح، ورقةٌ ترتجف، همسةٌ بين عاشقين - هي إجابة، وفي الوقت نفسه دعاء. إنه لا يصوّر ليشرح، بل ليتذكر؛ لا ليحكم، بل ليوقظ. يمكن اعتبار أعمال ماليك بمثابة رحلة روحية عظيمة، ترسم مسار الروح البشرية وهي تتنقل بين البراءة والحرب والضمير. في فيلم "أيام الجنة"، يتأمل جمال الجنة الأرضية وفسادها - قصة حب كُتبت في ضوء الشمس والغبار. في فيلم "الخط الأحمر الرفيع"، يغوص في قلب الحرب بحثًا عن السلام، كاشفًا أنه حتى في خضم المذبحة، يبقى هدوء الطبيعة سليمًا. وفي فيلم "حياة خفية"، يصعد إلى قمة الإيمان الهادئة، حيث تتحدث الشجاعة الأخلاقية بصوت أعلى من أي موعظة.

 كل فيلم، بطريقته الخاصة، هو تأمل في النعمة: كيف تدخل، وكيف تضيع، وكيف تدوم. من خلال مناظر طبيعية متغيرة - حقول ذهبية، أدغال غارقة في الدماء، وديان جبال الألب - يعود ماليك إلى نفس الدهشة: أن الجمال والمعاناة متشابكان، وأن الإلهي مخفي في المألوف، وأن الحب هو السؤال والجواب في آن واحد.

 سينماه ليست لمن لا يصبرون. تتكشف الأحداث ككتاب مقدس تقرأه الرياح - مُجزأة، مُشرقة، وهادئة. نخرج من أفلامه، ليس بفهم، بل بوعي مُتزايد بحضور العالم المُرتجف. النور الذي يُلقي على شخصياته هو نفسه الذي يُلقي علينا.

 إن رحلة عبر أفلام مالك هي تتبع لتطور دعاء واحد: من براءة الخلق إلى ثقل الضمير، من الشوق إلى السماء إلى تقبّل الأرض.

سنلتقي أولاً بفيلم أيام النعيم بعد أن قدمنا سابقاً فيلماً أخر لتيرنيس مالك بعنوان أشجار الحياة ثم نقدم عرضاً لفيلم الخيط الأحمر الرفيع وفي الجزء الأخير نقدم فيلم حياة خفية . أخبرونا أي الأفلام أعجبكم ؟؟؟؟


فيلم أيام النعيم 



 منذ أن هبّت نسمة هواءٍ عابرةٍ عبر حقول القمح، بدا فيلم "أيام النعيم" أقرب إلى ذكرى ترويها الأرض نفسها، لا كقصةٍ عابرة. النور ليس نورًا، بل هو زمنٌ مُتجسّد. كل حفيفٍ لغصن وكل ظلٍّ يلوح في الأفق يحمل همهمةَ الخلود الهادئة. فيلم ماليك الثاني لا يتناول سوى الحب والغيرة والبقاء. بل يتناول، بعمقٍ أكبر، جمال الوجود الهشّ - كيف نعبر هذا العالم بلمح البصر، كغبارٍ ينساب عبر شمس المساء.

 

تدور أحداث الفيلم في السنوات الأولى من القرن العشرين، حيث نقابل  بيل، الشاب الذي يفر من فوضى شيكاغو الصناعية مع حبيبته آبي وشقيقته الصغرى ليندا. لإخفاء علاقتهما، يتظاهران بأنهما شقيقان أثناء عملهما في مزرعة قمحٍ شاسعة يملكها مزارعٌ وحيدٌ مريض. عندما يقع المزارع في حب آبي، يرى بيل فرصةً للثراء والأمان - خدعةً سرعان ما تتحول إلى مأساة. لكن الحبكة، على بساطتها، تتدفق عبر رؤية مالك كتيار خافت تحت إشعاع الطبيعة. القصة الحقيقية ليست ما يحدث، بل ما يشعر به - كيف تومض الرغبة الإنسانية وتتلاشى تحت سماء لا متناهية.

 

يُروى الفيلم من خلال عيني ليندا الشابة، التي يُصبح صوتها، البسيط وغير المُدرَّب، أحد أكثر السرديات السينمائية إثارةً للرعب. لا تتحدث ليندا كراوية قصص، بل كمن يحاول فهم لغزٍ أكبر من أن تُوصفه الكلمات. ينساب صوتها عبر الصور كما لو أن الذاكرة نفسها تتحدث. تقول: "أحيانًا أشعر بأنني عجوز جدًا، وكأن حياتي كلها قد انتهت. كشجرة عتيقة". في دهشتها وتعبها الطفولي، نسمع فلسفة مالك: الحياة قصيرة، لكن قصرها هو ما يجعلها مقدسة.

 

بصريًا، فيلم "أيام النعيم " هو دعاء مكتوب تحت الضوء. صُوِّر الفيلم بالكامل تقريبًا خلال "الساعة السحرية" - تلك اللحظة العابرة بين النهار والليل - فيتوهج بهدوءٍ أشبه بلوحة فنية. يصوّر المصور السينمائي نيستور ألمندروس حقول القمح كما لو كانت حية، تتنفس النور والريح. الطبيعة هنا ليست خلفية، بل وعيٌّ صامت، مراقب، أبدي. المنزل على التل، نيران العمال، الحشرات الراقصة في الهواء - كل شيء جزء من كائن حيّ ضخم يرتجف.

 

ومع ذلك، ورغم جماله، يحمل الفيلم ألم الفناء. يتوهج الشغف الإنساني بشدة في ظل هذا السكون. طموح بيل وقلب آبي المنقسم يُزعزعان النظام الهشّ لهذه الجنة، والحقول التي كانت تتلألأ بالنعمة بدأت تشتعل بالدمار. يأتي الجراد، ويحترق الحصاد، ويتحول العالم الذهبي إلى رماد. لكن حتى الدمار، في نظر مالك، مُلْمُوس بالنعمة. النار التي تلتهم المحاصيل تتوهج كحدث كوني - تذكير بأن النهايات هي أيضًا أشكال من النور.

 

تحت روعة الفيلم البصرية، يكمن إيقاع أخلاقي عميق. يُقارن مالك بين السعي البشري - جوعنا المُستمر للامتلاك - وبين كمال الطبيعة الهادئ، الذي لا يطلب شيئًا ويمنح كل شيء. ينمو القمح، ويحترق، ثم ينمو من جديد. تمر الرياح بين السيقان دون إصدار أحكام. نحن من نُسبب الاضطراب، نحن من نُحوّل الجنة إلى منفى. ومع ذلك، حتى في المنفى، يجد مالك الخلاص في أبسط الإيماءات - لمسة، نظرة، صمت مُشترك عند غروب الشمس.

 

يتحرك فيلم "أيام النعيم " كالموسيقى - بنيته مُتكررة، ونبرته رثائية. تبدأ القصة وتنتهي بالرحيل، لكن بين هذين الرحيلين يكمن شيءٌ هائلٌ وغير مُعلن. يتلاشى السرد، وكل ما يبقى هو أزيز الحشرات، وحفيف الريح عبر العشب، والشعور بأن الحياة تستمر بعد درامانا البشرية الصغيرة. تقول ليندا، وصوتها يتردد في الغسق: "تبدو الشمس شبحية عندما يكون هناك ضباب على النهر. كان كل شيء شبه ميت. كان الناس يقولون إن ذلك هو الوقت الذي يستطيع فيه الموتى التحدث مع بعضهم البعض".

 

يستمع مالك إلى ذلك الضوء الشبح. يبني فيلمه حول الفراغات بين الكلمات - الوقفات، النظرات، والأنفاس بين لحظتين. ما ينبثق ليس مأساة، بل تحوّل. في إشراق الغبار، نلمح الخلود.

 

إذا كان فيلم "شجرة الحياة" قد وسّع رؤية مالك لاحقًا لتشمل نطاق الكون، فإن فيلم "أيام النعيم " هو مقدمتها الحميمة - اللحظة التي وجد فيها إيمانه بالجمال صوته لأول مرة. هنا، ليست النعمة مدوية؛ بل هي رقيقة كالهمس. تختبئ في الريح التي تُثني القمح، في الدفء العابر بين عاشقين، في صمود فتاة هادئة تراقب كل شيء وتعيش لتحكي الحكاية.

في النهاية، تبتعد ليندا على طول خطوط السكة الحديدية، ويتلاشى صوتها في ضجيج العالم. تمضي الحياة، غير مبالية ولا نهائية. تعود الحقول إلى الصمت. ولكن في مكان ما في هذا الصمت، تظل رؤية مالك قائمة ــ الاعتقاد بأنه حتى في الخسارة، يظل العالم مشعاً، وفي كل حبة غبار، يبقى أثر من النعيم .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير