تيرينس ماليك وسينما الروح والضياء /2 فيلم الخط الأحمر الرفيع
الخط الأحمر الرفيع: حيث ينزف الضوء
منذ لقطاته
الافتتاحية - التمساح ينزلق بصمت تحت الماء، والأدغال تتنفس حياةً رتيبة - يُعلن فيلم
"الخط الأحمر الرفيع" عن نفسه كفيلمٍ آخر غير فيلم حرب. إنه تأملٌ مُقنّعٌ
في صورة معركة، ترنيمةٌ تُهمس وسط الانفجارات. يعود تيرينس ماليك بعد عقدين من الصمت،
ليس بقصة جنودٍ واستراتيجيات، بل برؤيةٍ للروح البشرية المُعرّضة للرعب والجمال. في
عالمه، لا تُخاض الحرب بين البشر فحسب؛ بل تُشنّ في القلب، بين الخوف والشفقة، بين
الدمار والشوق إلى النعمة.
هناك عددٌ
لا يُحصى من الأفلام عن الحرب، لكن قلّةً منها تُصوّرها من منظور الطبيعة. لا تُركّز
كاميرا ماليك على آليات المعركة، بل تتجه بدلاً من ذلك نحو الريح في العشب، إلى الضوء
المُتسرّب على وجه جندي، إلى ارتعاش طائرٍ جريح. يُشعرنا الفيلم بأن مأساة الحرب الحقيقية
لا تكمن فقط في الأجساد التي تُسيطر عليها، بل في التناغم الذي تُمزّقه. مناظر غوادالكانال
الطبيعية الخصبة ليست خلفيةً بل حضورٌ حيٌّ - شاهدٌ حيٌّ على جنون الإنسان. يسأل صوت:
"هذا الشرّ العظيم، من أين يأتي؟". ليس السؤال بلاغيًا، بل هو نبض الفيلم
بأكمله.
الجنود الذين
نلتقيهم ليسوا شخصياتٍ في حبكةٍ بقدر ما هم أصواتٌ في رثاءٍ مشترك. يُطلق عليهم مالك
أسماءً - ويت، ويلش، بيل، ستاروس - ومع ذلك، يتسللون إلى الفيلم ويخرجون منه كأجزاءٍ
من وعيٍ واحد. كلٌّ منهم يتساءل بطريقته الخاصة عن معنى أن يكون المرء حيًا وسط الموت.
الجندي ويت (جيم كافيزيل)، المحور الأخلاقي والروحي للفيلم، يتحرك عبر الحرب كما لو
كان في حديقةٍ مدمرة .
تحمل نظرته الحزن والدهشة؛ يرى النور حتى في الأرض التي تغطيها الدماء . الرقيب ويلش
(شون بن)، العنيف والمتشكك، يُمثّل نقيضه - الواقعي الذي لا يثق بكل مفاهيم النعمة.
تُشكّل نقاشاتهم حوارًا قديمًا قِدَم البشرية نفسها: جدلٌ بين الإيمان واليأس، والحنان
واللامبالاة. تكمن عبقرية ماليك في رفضه منح النصر لطرف واحد. يعيش الفيلم في أجواء
التوتر بينهما - حيث ينزف النور. هذا النور النازف ليس إشعاعًا ساطعًا كضوء فيلم "أيام
النعيم "؛ إنه شيء ألطف، جريح، غامض. يتسرب من خلال الأوراق، من خلال دخان المعركة،
من خلال عيون رجال لم يعودوا يعرفون سبب قتالهم. يُذكرنا بأن الجمال يبقى حتى عندما
يبدو العالم خارجًا عن الخلاص. هذا الثبات - وليس النصر - هو معجزة الفيلم.
بنية فيلم
"الخط الأحمر الرفيع" سلسة كتدفق البحر الذي يُحيط به. ينثني الزمن، وتتلاشى
الذكريات، وتتداخل الأصوات كدعاء. السرد - تلك الأسئلة والتأملات الهامسة - يُحوّل الفيلم إلى نوع من ترنيمة سينمائية. إنه
لا يسأل عما حدث، بل عما كان يعنيه. حرب ماليك ليست بين أمم، بل بين رؤى للعالم: رؤية
ترى الوجود بقاءً وحشيًا، وأخرى تُلمّح إلى المقدس في كل شيء. تبدو الغابة نفسها وكأنها
تتأرجح بين الجنة والجحيم، كما لو أن الخلق غير متأكد من نواياه.
كل لقطة هي
فعل إجلال. الجنود صغار أمام ضخامة الطبيعة - العشب ينتصب فوقهم، والجبال تلوح في الأفق،
والسماء واسعة جدًا يصعب إدراكها. عدسة مالك تُذلّ المقياس البشري. كاميرته لا تُمجّد
الشجاعة؛ بل تُقدّس الانتباه. ارتعاش اليد، وميض الضوء على الماء، والسكون قبل إطلاق
النار - كلها تُعامل برقة متساوية. نشعر بثمن كل لفتة. نُذكّر بأن الحرب ليست مشهدًا
سينمائيًا بل اعتداء على الوجود نفسه.
ومع ذلك،
لا يتخلى مالك عن الأمل. من خلال الرعب، يرسم شوقًا للتواصل - بين البشر، بين الإنسان
والطبيعة، بين الخلق وخالقه. عندما يُضحي ويت بنفسه لإنقاذ الآخرين، يبدو موته تحوّلًا
أكثر منه مأساة. لا يُخبرنا الفيلم ما إذا كان يرى الرب ؛ بل يُظهر لنا أنه يرى. تمتلئ
لحظاته الأخيرة بنفس النور المتلألئ الذي سقط ذات مرة عبر أشجار طفولته التي يتذكرها.
في تلك الرؤية، الموت ليس النهاية بل هو ممر إلى إيقاع العالم الأبدي.
الموسيقى،
كما هي الحال دائمًا في سينما مالك، هي التيار الخفي الذي يربط كل شيء ببعضه. موسيقى
هانز زيمر - الرثائية، النابضة، شبه المضاءة - لا تتحرك خلف الصور بل داخلها. إنها
تحمل ألم الضياع ووعدًا خافتًا بالعودة. عندما يرتفع صوت الجوقة في المشاهد الختامية
للفيلم، لا يُترك لنا حل، بل سؤال مرتجف: كيف يمكن لعالم واحد أن يحتوي على كل هذا
الجمال وهذه القسوة؟
في
"الخط الأحمر الرفيع"، لا يقدم مالك إجابة. بل يقدم بدلاً من ذلك طريقة للرؤية
- طريقة تعترف بالمعاناة دون الاستسلام لها. عنوان الفيلم نفسه متناقض: "الخط
الأحمر الرفيع" هو الحد الفاصل بين النظام والفوضى، وخيط النعمة الهش الذي يمر
عبر قلب العنف. حيث ينزف الضوء، تستمر الحياة؛ حيث يتعثر الإيمان، يبقى العجب.
قال مالك
ذات مرة إنه يتمنى أن تكون أفلامه "صلوات، لا مواعظ". فيلم "الخط الأحمر
الرفيع" هو ذلك بالضبط: دعاء للعالم، لا يُقال بالكلمات بل بصورٍ تنبض بالشفقة.
إنه فيلم يؤمن - بعناد وهدوء - أنه وسط الدمار لا تزال هناك موسيقى، وأن " المقدس" قد يسكن أكثر الأماكن دماراً.


تعليقات
إرسال تعليق