لماذا نضحك؟

 



هل فكرتم بهذا السؤال؟ ننجح أو نتفوق نبكي ، نرى صديق لنا يخفق نضحك ، كان يجب أن نضحك في الحالة ونبكي في الحالة الثانية .... كنت أدرس طلابي أحدى مسرحيات بيكيت ... فيها ثلاث شخصيات رجل في الوسط وعلى يمنيه وشماله امرأتان... كل واحدة من الشخصيات الثلاثة اجلست في زير كبير و لانرى منها سوى الوجوه التي طليت بنفس لون الزير ... يضحك الطلاب ... بعد لحظات يتوقف الضحك... ويحل محله وجوم ثم حزن ... لم يتغير المشهد .. روبرت بروفن  يقول أن أكثر ضحكاتنا ليست استجابة لشيء مضحك! بعد أن راقب هو ومجموعة من الطلاب محادثات الناس في الأماكن العامة ووجدوا أن 10-20% فقط من مجموع 1200 حالة ضحك كانت استجابة لشيء مضحك.   

أن الضحكة التي نطلقها بلا عناء لها آليات معقدة جدا. كل ضحكة نضحكها مكونة من تعابير جسدية وأصوات. خمسة عشرة عضلة تنقبض، تُحفَّز عضلتا الوجنة الكبرى  والصغرى وهذا يسحب زاوية الفم إلى الأعلى وإلى الخلف فيعطي شكل الابتسامة. يضطرب الجهاز التنفسي لأن لسان المزمار يغلق جزئي الحنجرة. فيمر الهواء عبر حبال صوتية مغلقة ويخرج صوت الضحكة. في بعض الحالات تُنشَّط القنوات الدمعية. ولأننا عندما نضحك نفتح أفواهنا ونغلقها باستمرار ونحاول التقاط أنفاسنا، يصير الوجه رطبا ويحمرّ. وأثناء هذه التعقيدات التشريحية، تقل مستويات الكورتيزول والإبينفرين، وهما هرمونان يطلقان في حالات القلق. تنتشر في الجسم خلايا b-cells وخلايا t-cells التي تعزز مناعة الجسم. وأخيرا يكافؤنا جهازنا العصبي بالإندورفين الذي يخفف الألم ويجعلنا نشعر بالسعادة. كل هذا بالإضافة إلى دور الضحك في تعزيز الروابط الاجتماعية وكسب العلاقات والسيطرة على المواقف المحرجة حتى عند الرئيسيات الأخرى كالشمبانزي. لذا نحن نضحك، ولذا نحتاج إلى الضحك حتى عندما لا يتعلق الأمر بنكتة أو مشهد كوميدي.

على الرغم من شيوع الضحك بين البشر، فإن طبيعته النظرية ومحدداته النفسية والاجتماعية ما تزال موضع نقاش واسع. وقد سعت مجموعة من المقاربات الفلسفية واللغوية والاجتماعية إلى تفسير ماهية الضحك ووظائفه وسياقات إنتاجه، إلا أنّ الأدبيات الحديثة تميل إلى تركيز البحث حول ثلاث مقاربات مركزية هي: نظرية التنفيس  ونظرية التفوق ونظرية التناقض. وتعتبر نظرية التناقض الأكثر حضورًا في التحليلات المعاصرة.

أولًا: نظرية التنفيس (Relief Theory)

ترى هذه النظرية أنّ الضحك يمثل آلية لتحرير التوترات النفسية أو تفريغ الانفعالات المكبوتة. وبموجب هذا التصور، يُنظر إلى الضحك بوصفه استجابة فسيولوجية-انفعالية تُعيد التوازن النفسي في مواقف الضغط أو القلق. وقد اعتُبرت الدغدغة مثالًا كلاسيكيًا يُظهر تراكم التوتر وانفراجه.تاريخيًا، استخدم أدباء مثل صموئيل جونسون وجون درايدن فكرة التنفيس في سياق التحليل الدرامي. ويُعدّ هربرت سبنسر وسيغموند فرويد من أبرز منظّري هذا الاتجاه. فوفقًا لسبنسر، يعمل الضحك بوصفه تصريفًا للطاقة العصبية الزائدة نتيجة توقعات خاطئة. أما فرويد، فيميّز بين الفكاهة "المغرضة" التي تسخر من الآخر، والفكاهة "البريئة" التي تُعدّ غطاءً اجتماعيًا يُخفي عدائية ضمنية.

ثانيًا: نظرية التفوق (Superiority Theory)

ترجع جذور النظرية إلى مقولات توماس هوبز، ويربطها الباحثون كذلك بأفلاطون وأرسطو. وتقوم على أن الضحك ينشأ من إحساس المتلقي بتفوّقه على الآخرين نتيجة خطأ أو نقص أو سقوط لحظي يصيبهم.يرى أفلاطون أن الضحك يجمع بين متعة وألم نفسيين ينجمان عن الشماتة بالآخر. ويذهب أرسطو إلى أن الفكاهة ترتبط بـ"الرديء" أو "القبيح"، وأن كثيرًا من النكات فيها عنصر مفاجأة (التناقض) وبُعد عدائي. أما هوبز، فيعرّف الضحك بأنه "مجد مفاجئ" ينشأ من إدراك المرء لتفوّقه على موضوع السخرية، سواء كان هذا الموضوع يخصّ الآخرين أو يتعلق بأخطاء الشخص نفسه في الماضي. طوّر زيلمان وكانتور امتدادًا نفسيًا لهذه النظرية، أسموها نظرية المزاج العاطفي (Disposition Theory)، مؤكدين أن استجابة الجمهور للفكاهة تعتمد على موقفهم الأخلاقي والعاطفي من الشخصيات: فالجمهور يضحك عندما يصيب السوء شخصية "سيئة" أو ينال الخير شخصية "مكروهة"، بينما يقلّ الضحك عندما تُمسّ الشخصيات المحبوبة. ويؤكد هذا الاتجاه دور الفروق الفردية والسياق الأخلاقي في تشكيل الضحك.

 ثالثًا: نظرية التناقض (Incongruity Theory)

تُعالج هذه النظرية الضحك بوصفه استجابة لإدراك تناقض غير متوقع بين ما يُتوقع وما يحدث فعليًا. ويُعدّ التلاعب بالألفاظ مثالًا تقليديًا على هذا المبدأ، كما في النكات التي تعتمد على قلب المعنى في نهايتها. تعود الصياغات الأولى للنظرية إلى فرانسيس هاتشيسون، ثم طوّرها مفكرون كُثُر، أبرزهم كانط وشوبنهاور وبيتي.  يرى كانط أن الضحك هو "تحوّل مفاجئ لتوقع مُرهق إلى لا شيء"، ويعتبر عنصر المفاجأة شرطًا أساسيًا. ويرى شوبنهاور أن الضحك ينشأ من تناقض بين الفكرة وتمثيلها الواقعي، وأن شدّة التناقض تحدد قوة الاستجابة. أما برغسون فيركّز على الطابع "الآلي" في السلوك البشري، حيث تنشأ الفكاهة من مواجهة بين الحيّ والجامد أو بين الذكاء والعادة.قدّم ماكجرو ووارن نظرية اسموها نظرية الانتهاك الحميد (Benign Violation Theory) بوصفها تطويرًا للسياق الأخلاقي للتناقض. وتفترض أن الضحك يتطلب انتهاكًا لقاعدة ما يتزامن مع إدراك هذا الانتهاك على أنه غير ضار. فإذا كان الارتباط بالقاعدة شديدًا، يصبح الانتهاك مسيئًا، وإذا كان ضعيفًا جدًا، لا يُنظر إليه على أنه انتهاك أصلًا. ويُظهر هذا الإطار بوضوح سبب اختلاف استجابات الأفراد للمزحة ذاتها باختلاف معتقداتهم وخبراتهم.

رابعًا: النظريات اللغوية الحديثة

 نظرية الضحك الدلالية القائمة على النص (SSTH)

قدّم فيكتور راسكين إطارًا لغويًا خالصًا لتحليل النكات، يفترض أن النص المضحك يجب أن يكون قابلًا للقراءة في نصين دلاليين متعارضين، وأن لحظة الانتقال من أحدهما إلى الآخر تُحدث الضحك. وقد صاغ راسكين قائمة من "معارضات النصوص" مثل: حقيقي/غير حقيقي، طبيعي/غير طبيعي، فاحش/غير فاحش، وغيرها.

 النظرية العامة للفكاهة اللفظية (GTVH)

 

طوّر راسكين وأتاردو هذه النظرية بوصفها توسعًا للنموذج الدلالي، مضيفين ستة محاور تحليلية تشمل آليات النص، السيناريو، اللغة، ونمط السرد، من أجل توصيف أعمق للبنية اللفظية للنكات.

تكشف تعددية النظريات عن تعقيد الظاهرة واستحالة ردّها إلى آلية واحدة. فالتنفيس يفسّر الوظائف الانفعالية، والتفوق يضيء البعد الاجتماعي-الأخلاقي، بينما يقدم التناقض تفسيرًا معرفيًا وبنائيًا. وقد دفع هذا التعقيد الباحثين إلى مقاربات تركيبية تتعامل مع الضحك باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الثقافة، واللغة، والسياق، والاختلافات الفردية.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير