ممالك الدهشة: الذاكرة والاسطورة و الواقعية السحرية في رواية " جزء مؤلم من حكاية

 



في رواية جزء مؤلم من حكاية، يجذب أمير تاج السر القارئ إلى عالمٍ يرتجف فيه العادي تحت وطأة الاستثنائي، حيث يبدو الواقع نفسه متلألئًا بأنوارٍ خفية. تميل الرواية إلى الواقعية السحرية، وهو تيار أدبي متجذر في السرد القصصي العربي، ولكنه يزدهر عبر القارات، مازجاً معًا الصوفي والسريالي والأسطوري. بين يدي تاج السر، تنبض شوارع وأسواق ممالكه الخيالية المألوفة بحياةٍ غريبة: يصبح الدنيوي مسرحًا للدهشة، وكل إيماءة، وكل ذكرى، تحمل شرارةً خفية من المستحيل.

 

تتكشف الرواية عبر عالمين: مملكتي طير وقير. في رواية "طير"، تدور أحداث ايلول/ سبتمبر 1750، مؤطرةً بداية القصة وخاتمتها، بينما يكمن قلب السرد في قير، مملكة الذاكرة والتذكر، حيث ينكشف الماضي على مئات الصفحات كنهر طويل متعرج. الزمن هنا مرن؛ تكاد البدايات تعكس النهايات، وتتشابك الذكريات مع أحداث الحاضر، مانعةً الخط الفاصل بين التاريخ والخيال. هذا البناء المعماري يُحوّل الرواية إلى سجل للذكريات، تأمل في كيف تسكننا القصص قبل أن ننطقها بوقت طويل.

 

في قلب هذا العالم المُنير المُظلل، يقف ديباج الكوثري، حائك التعويذات ومُحرّض الموت، ومرحلي سواركي، أداته المُترددة والمطيعة. علاقتهما خيطٌ تتدلى عليه أحداث الرواية المعقدة: شبكةٌ من الأوامر والطاعة، والفتنة والخوف، والخطيئة والضمير. إتقان ديباج للطقوس والسحر والتلاعب يجرّ مرحلي إلى متاهةٍ من الأفعال لا مفرّ منها بسهولة. يرتكب مرحلي أعمال العنف هذه بانعزالٍ غريب، إلا أن كل جريمة تتركه مسكونًا، مقيدًا بكوابيس ترفض التحرر منه. تحوّل الرواية هذه الأفعال إلى انعكاسٍ ليس فقط للقسوة، بل للنفس البشرية نفسها: لجروح الطفولة التي تنعكس في خيارات النضج، وللوحدة والغربة التي تجعل الانهيار الأخلاقي شبه حتمي.

 

تتحرر الشخصيات من المراسي المألوفة للعائلة والتقاليد والانتماء. يشهد ديباج والده يقتل والدته؛ ويهرب مرحلي من منزل طفولته. يُغذّي انفصالهم عن الأصول التوتر بين حياتهم الداخلية وأفعالهم الخارجية. إنهم مزدوجون، ممزقون، ومع ذلك ينبضون بالحياة - قادرون على الرقة حتى في خضم الرعب، مدركون لوحشيتهم حتى وهم يتصرفون بناءً عليها. في هذا، تصبح الواقعية السحرية لتاج السر مرآة للتعقيد البشري: لا يبرز السريالي لتزييننا، بل لإضاءة الظلال التي تسكننا جميعًا.

 

تتجلى الواقعية السحرية للرواية في أسماء ومهن وأحداث تتأرجح بين العبث والعمق. أسماء مثل ديباج، ومرحلي، وحربال، وزرفة تتردد صداها بإيقاع مألوف ومن عالم آخر. هذه المهن - قراءة الكف، وصنع التعويذات، وتحضير الجرعات، ودفن الموتى - تضفي على الحياة اليومية كثافة طقسية. أحداث غريبة تتخلل الرواية كتيار خفي: دجاجات تضحك وتغازل الديوك، ظلال أموات تعود إلى الأحياء، شجرة تشيخ لأكثر من مئة عام لكنها تخاطب الأحياء. هذه اللحظات تُزعزع توقعات القارئ للمنطق، وتجذبه إلى عالم تلتقي فيه الأسطورة والذاكرة.

 

الرواية زاخرة بالأساطير والمستحيل: شخصيات تعود من الموت، وجزر تعج بالشعراء العميان، وأشباح تتدخل في شؤون البشر. أرملة ترقص بين الظلال، وابنة تسبح بلا ذراعين، وحبيب وجهه خريطة لملامح شيطانية - هذه الصور مذهلة، لكنها تخدم غرضًا يتجاوز مجرد الصدمة. تتشابك معًا لتشكل عالمًا رمزيًا، حيث يُنير السريالي الواقع، حيث يسمح لنا الخيال بإدراك حقائق معقدة للغاية بالنسبة للسرد العادي.

 

ومع ذلك، وسط هذه الدهشة، تُقدم رواية "تاج إلسر" تأملًا تأمليًا في الثقة والسلطة والعواقب. يُذكَّر القارئ بأن الخيانة قد تنبثق من أقرب مكان، وأن السلطة تحمل في طياتها الإغراء والخطر، وأن العدالة، وإن تأخرت أو قُنَّعت، حتمية. من خلال مشهدها الساحر، تُخاطب الرواية التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها: القسوة والتعاطف، الانبهار والنفور، الذاكرة والنسيان. في كيمياء الواقعية السحرية، تصبح القصة أكثر من مجرد سرد؛ بل تُصبح بحثًا أخلاقيًا وعاطفيًا وفلسفيًا.

في نهاية المطاف، يُظهر جزء مؤلم من حكاية كيف يُمكن للواقعية السحرية أن تُعيد إلى سرد القصص ما تجرده الحياة الحديثة غالبًا: شعور بالدهشة، والقدرة على الدهشة، والاعتراف بأن الحياة - سواءً العادية أو الاستثنائية - لا تنفصل عن الألغاز التي تحتويها. يُعد عمل تاج إلسير جسرًا بين العوالم: الملموس والأثيري، والتاريخ والأسطورة، والحزن والبهجة. تدعو الرواية القارئ للتجول عبر ممالكها، والتوقف في الفضاء الذي يلتقي فيه الواقعي بالخيالي، والخروج بفهم أعمق لكيفية تشكيل القصص لقلب الإنسان.

 

في هذه المنطقة المضيئة، لا يكون العادي عاديًا حقًا. يحمل كل شارع، وكل سوق، وكل زاوية مظللة نبضه الخاص، وحياته السرية الخاصة. تتصرف الشخصيات، وتعاني، وتحب، وتموت، ومع ذلك يتردد صدى مصائرهم خارج أنفسهم، مُرددةً إيقاعات العدالة والرغبة والمصير الأوسع. وبينما يغلق القارئ الكتاب، تظل ذكرى ديباج، ومرحلي، وعالمهما السحري، المرعب، والجميل باقية في ذهنه - دليلاً على أن قوة السرد، عندما تتشابك مع الدهشة، يمكن أن تترك القلب متألمًا ومستنيرًا في نفس الوقت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير