أناشيد آدم يفوز في وهران
أناشيد آدم
– عندما يرفض الزمن أن يكبر
تُوّج
الفيلم العراقي "أناشيد آدم" للمخرج عدي رشيد، بــ "جائزة الوهر
الذهبي"، وذلك ضمن فعاليات الدورة الـ13 من "مهرجان وهران الدولي للفيلم
العربي"
في فيلم
"أناشيد آدم" (2024)، لا يكتب المخرج العراقي عدي رشيد سيناريو فحسب، بل
رثاءً - ترنيمة لبلد نسي كيف يتنفس. يفتح نصه، المصقول بلمسات من الواقعية السحرية،
نافذة هشة على سينما تجرؤ على الحلم بما يتجاوز الخراب. يدعو الخيال إلى العادي، كما
لو أنه يستعيد، من خلال الخيال، ما سرقه التاريخ من العراق: الدهشة، والحنان، وحق التوقف.
في قلب هذا
الحلم يقف آدم، طفل يختار التوقف عن النمو - تمردًا هادئًا على الزمن نفسه. بتجميد
إيقاع جسده، يرفض أن يرث الحزن الذي يغمر وطنه. يصبح سكونه احتجاجًا، شكلًا يائسًا
من الرحمة. ففي العراق، كما يبدو أن رشيد يخبرنا، النضوج حكمٌ - أن تشهد الفقد، أن
تصبر على خيبة الأمل، أن تحمل ذكرياتٍ ثقيلة كالأطلال.
يبني رشيد
فيلمه على هذه البادرة الاستثنائية: إرادة إيقاف الزمن. ومن حوله، يبني عالمًا من الدقة
الآسرة، حيث يلتصق غبار الماضي بكل وجه، ويطن الهواء بقصص لم تُروَ. لا يهتم بسرد أحداث
التاريخ بقدر اهتمامه بتتبع ندوبه - تلك الجروح الخفية التي تُولّد الخوف والاستسلام
والشوق للهروب من إيقاع القدر الذي لا يُطاق. من خلال آدم، يتخيل رشيد طفل يُحوّل الألم
إلى موسيقى خاصة، لحن لا يسمعه أحد غيره.
بهدوء الشاعر
ودقة الحرفي، يُؤلف رشيد صوره كأبيات شعر. تعود عبارة " كان يا ما كان في بلاد الرافدين"
مرارًا وتكرارًا، عائدةً بالقصة إلى الأسطورة، إلى الأرض التي خاطبت فيها الآلهة ذات
يوم عبر الأنهار. يتنقل الخط الزمني للفيلم عبر عقود العراق المتصدعة - 1946، 1952،
1964، 1981، 2014 - سنوات تمر كالأشباح. ومع ذلك، يبقى آدم على حاله، طفلًا متجمدًا
أمام تيار التاريخ، بينما تتلاشى الحياة من حوله إلى مأساة.
تحدّيه يُحيّر
قريته. وبينما يكبر أصدقاؤه ويتعثرون، يبقى، شابًا إلى الأبد - شاهدًا على أحلامهم
المتلاشية. تتعمق وحدته عندما يحبسه والده، ويتخذ قراره، الذي ولد من رؤية جثة جده،
بُعدًا أسطوريًا: تحدي الموت بإيقاف الزمن نفسه. وراء هذا الفعل تكمن استعارة رشيد
المؤلمة للعراق - أمة تتوق إلى إيقاف معاناتها، لحبس نفس بريء لم تمسسه الحرب.
تواريخ الفيلم،
التي تومض بهدوء على الشاشة، لا تشرح التاريخ؛ إنها تستدعيه. إنها تُثير صدى حروب لا
تنتهي، وسنواتٍ مُحطمة تُطارد الأحياء. عبر صمت آدم، نلتقي بأخيه علي - جندي ينهار
في حالة سُكر ويأس؛ وابنة عمه إيمان، التي تتلاشى أحلام الحب في جنون؛ وأمه التي تهجر
كل شيء؛ وصديقه أنكي، الذي ابتلعه تيار داعش المظلم. آدم وحده يبقى بمنأى عن العقود
العابرة - طفلٌ أصبح رفضه للنمو فعل مقاومة، رثاءً للبراءة نفسها.
ومع ذلك،
فإن أناشيد آدم ليس فيلمًا عن الزمن. فمثل بطله، يتوق إلى الهروب من سطوة الزمن، حتى
وهو يُحدق في أعماقه. يُبدع رشيد عملاً يتحرك على إيقاع الدعاء، رقيقًا ومُتأنيًا،
وشعره نابع من ضبط النفس. يبدو كل لقطة وكأنها تتنفس، مما يسمح للصورة والصمت والموسيقى
بالاندماج في تأمل هادئ في الفقد والصمود.
تتجسد هذه
الرؤية بفضل طاقم تمثيلي يتشارك الأدوار عبر العصور - جوقة وجوه شكّلتها عواصف التاريخ
- وبفضل التصوير السينمائي الرائع لباسم فياض، الذي التقطت عدسته جمال الضوء العراقي
الهش. والنتيجة فيلم بسيط وعميق في آن واحد، غني بالصمت، مشعّ بالحزن.
يُهدي رشيد
فيلمه إلى عباس كياروستامي، وهو يُظهر: نفس التواضع أمام الحياة، نفس الإيمان بشعر
السكون. أناشيد آدم قصيدة لما يبقى حين ينهار كل شيء آخر - نظرة الطفل التي ترفض التصلب،
وإصرار الروح الهادئ على الحلم، حتى وسط الغبار.

تعليقات
إرسال تعليق