أسطورة ترفض الموت : رواية مقام سيدي القطقوطي

 



تفتح مي حمزة في مقام سيدي القطقوطي بوّابة خفية على حيّ منسيّ، حيّ ينام عند أطراف مدينة نسيت أسماءها القديمة. لكنها لا تدخل إليه بقدمَي الواقع وحده، بل تمضي إليه بما يشبه المشي فوق حبل مشدود بين الحقيقة والوهم؛ فتتشابك الأجيال الأربعة كأنها خيوط في نول واحد، يُنسج فيه الإيمان جنباً إلى جنب مع الخرافة، وتتجاور فيه الرغبات البشرية مع الظلال التي تصنعها الأساطير.

منذ السطر الأول، ندخل في مدار الواقعية السحرية. طفل يولد، وتُزهق روح أُخرى بجواره، فيُحمَّل بوزر لم يرتكبه. كرم، الراوي الصغير، يعيش بظل اسم لا يشبه طفولته: قاتل أخته. لكن روحه، التي تضيق عليها الأرض، تتسرّب ليلاً في هيئة قطة سوداء. تمشي فوق الأسطح وتخترق الجدران، كأن الحرية لا تُمنح إلا لمن يتخلّى عن شكله البشري. بذلك تمحو الكاتبة الحدود بين ما تراه العين وما ترتجفه الذاكرة الشعبية؛ فالحكايات التي تؤمن بأن القطط مسكونة بالأرواح تجد هنا منزلاً جديداً، وتتحوّل إلى مرآة تعكس توتر الفرد وهو يختبر ضيق العائلة وثقل المجتمع.

وإذ يتقدّم السرد، تظهر أسطورة القطقوطي—ذلك الوليّ الغريب الذي قيل إنه امتلك سبع أرواح، أو أنه تحدث مع الجن عبر أعين القطط. تبدأ حكاية مقامه بخيمة واحدة، خيمة رقيقة كخيط دعاء، ثم تنتفخ حتى تغدو كرنفالاً يبتلع الحي بأكمله. كلما زادت الأعاجيب، ازدادت شرعية الأسطورة، وكأن الخيال حين يتراكم يتحول إلى قدر محتوم.

في قلب هذا العالم، تتحرك الشخصيات ككواكب مضيئة ومتعِبة في آن.طه، الذي ينظر إلى الموت كأنه يستدعيه؛ نادرة، زوجته الصلبة التي تحمل المولد على كتفيها كقدر شخصي؛ كريمة مشلولة الجسد، وصابر الذي تداهمه النوبات، كأنهما شاهدان على هشاشة الجسد أمام شراسة المصير. وتظهر تحيّة اليهودية، العارفة بما تخفيه الأزقة، لتضيف ندبة صامتة على وجه الأعراف. أما سعدية، شاحبة الجمال وحالمة بأن تكون هند رستم، فليست سوى صرخة امرأة تريد أن تهرب من نفسها قبل أن تهرب من بيتها.

 

وفي الخلفية، تقف عدولة—الخالة التي تتعامل مع العالم السفلي كمن يربّت على باب قديم. تمارس السحر وتتحوّل إلى قوة تُخيف الجميع، ثم يحتاج إليها الجميع. عبرها تكشف الرواية هشاشة الإنسان أمام سلطته المتخيَّلة؛ فليس أحد في هذا الحي قادراً على الاعتراف بأن الخرافة التي يخشونها هي نفسها الخرافة التي يصنعونها بأيديهم.

تتوالى القفزات الزمنية كأن السرد يلهث بين الماضي والحاضر، لكن الحكاية لا تخرج عن مدار واحد: كيف تتحول الأسطورة إلى أداة، وكيف يتحول الخوف إلى شكل مستقرّ من أشكال الطاعة. نرى ذلك في قصة سيد عبد الرحيم، بائع الفطير الذي يطوف الشوارع باعتراف معلّق في الهواء: إنه يبيع لحم القطط. يتحول الرجل إلى نبوءة، ثم إلى معجزة، ثم إلى دليل على أن الناس تؤمن بما يخيفها أكثر مما تؤمن بما تراه.

وفي النهاية، يعود الطفل—القطة—إلى مركز الدائرة. يتمرّد كرم على عدولة التي تريد منه أن يحرّك عمامة صاحب المقام، فيرفض، ويضع نقطة أخيرة في وجه الأسطورة التي تكبّل الحي منذ عقود. لكن النار التي تلتهم المقام تُنبت من رماده أسطورة جديدة، كأن الوهم يعرف دائماً كيف يعيد ترتيب نفسه.

هكذا تنسج مي حمزة عملاً روائياً لا يكتفي بكشف كيف يتحوّل المقدّس إلى سلطة، بل يسائل أيضاً هشاشة الإنسان حين يفتش عن معنى في العدم. مقام سيدي القطقوطي ليست حكاية أسرة فقط؛ إنها مرآة لخيال جماعي يصنع الحقائق كما يصنع الأوهام، ويُمسك بالخرافة كأنها حبل نجاة في عالم يزداد غموضاً كل يوم.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير