جواد سليم :تجسيد لإلتقاء الماضي والحاضر

 



النحات جواد سليم: أبرز أعماله التشكيلية




نصب الحرية /جواد سليم


نصب الحرية-الام والطفل –نحت-فنون تشكيلية-العراق

وُلِد جواد سليم في بغداد عام 1920، في مدينةٍ غارقةٍ في ثنايا التاريخ، حيث كانت رياح دجلة تحمل قصص الإمبراطوريات والشعراء والحرفيين. منذ صغري، تأثر باللغة البصرية لبلاد الرافدين - انحناءات التماثيل القديمة، والإيقاع الهندسي للكتابة المسمارية، والرقيّ الجليل للنقوش الآشورية. انعكست هذه الانطباعات التكوينية لاحقًا في فنه، مُشكِّلةً رؤيةً سعت إلى مزاوجة العالم الحديث مع روح ماضي العراق.

بعد دراساته الأولية في العراق، سافر سليم إلى باريس للدراسة في مدرسة الفنون الجميلة، حيث انفتح على الحداثة الأوروبية. هناك، واجه التجريد والتكعيبية والتجارب الجريئة للنحت في أوائل القرن العشرين. ومع ذلك، وعلى عكس العديد من معاصريه الذين اتجهوا كليًا نحو الأساليب الغربية، ظل سليم متجذرًا في أرض العراق. عاد إلى وطنه حاملاً لغة شكلية تجمع بين الأصالة والابتكار، ثنائية أصبحت جوهر عمله.

لا يسع المرء إلا أن يذكر تحفته الفنية، نصب الحرية، الذي أبدعه بالاشتراك مع المهندس المعماري رفعت الجادرجي. شُيّد هذا التمثال الضخم في ساحة بغداد المركزية عام 1961، وهو أكثر من مجرد حجر وبرونز؛ إنه سردٌ منحوتٌ ثلاثي الأبعاد. يتألف العمل من سلسلة من الشخصيات التي ترتفع وتسقط وتُشير، وتروي قصة نضال العراق من أجل الاستقلال وتطلعات شعبه. لا تكمن عبقرية سليم في تكوينه المادي فحسب، بل في الرقصة الرمزية للأشكال البشرية: محاربون وأمهات ومواطنون متشابكون، ينقلون الصمود والمعاناة والأمل. يعكس انسيابية خطية النصب استمرارية التاريخ ونبض أمةٍ تخطو نحو الحداثة.

لوحات سليم، وإن كانت أقل شهرة عالميًا من منحوتاته الضخمة، تحمل نفس العمق التأملي. تستكشف لوحاته المناظر الطبيعية والناس والتقاليد العراقية، والتي غالبًا ما تُجرد في أشكال نابضة بالحياة وألوان جريئة. في أعمال مثل بستان النخيل و مشاهد شوارع بغداد، يلتقط جوهر الحياة اليومية مع استحضار إيقاع الأرض الخالد. ضربات الفرشاة متعمدة وشاعرية في آن واحد، توحي بالحركة والذاكرة والتيارات الخفية للمشاعر الإنسانية التي تتدفق عبر المدينة والريف على حد سواء.

 من السمات المميزة لعمل سليم هو دمجه للتراث والحداثة. في نصب الحرية، على سبيل المثال، تعكس الأشكال والزاوية للشخصيات النقوش البارزة لبلاد ما بين النهرين القديمة، ومع ذلك يتنفس التكوين التجريد الحداثي. وبالمثل، في لوحاته، تتعايش الأنماط الهندسية التي تذكرنا بالفن الإسلامي التقليدي مع التجريب الحي في اللون والفضاء. هذه الثنائية ليست جمالية فحسب؛ إنه فلسفي. تصور سليم عراقًا حديثًا يبقى راسخًا في ذاكرته الثقافية، مؤكدًا أن التقدم بدون تاريخ غصن مقطوع، بينما يصبح التراث بدون تجديد متحجرًا.

كما جرب سليم المقياس والمادة. فإلى جانب البرونز والحجر، استكشف الإمكانيات الملموسة للطين والجص والوسائط المختلطة، عاملًا كل سطح كحوار بين الفنان والمادة والمشاهد. تعكس حساسيته للملمس انتباهه للعاطفة؛ فكل خط وانحناءة وتجويف يحمل دلالة. بصفته نحاتًا، أدرك سليم أن الأعمال الضخمة مثل نصب الحرية لا يمكن أن تحمل معنى سياسيًا وتاريخيًا فحسب، بل صدى عاطفيًا للمواطنين العاديين، الذين يصادفون العمل يوميًا ويرون أنفسهم منعكسين في أشكاله.

ومن السمات المميزة الأخرى لنهج سليم اهتمامه بـشاعرية الحركة. حتى في السكون، تبدو شخصياته تنبض بالحياة. إن صعود الأشكال في نصب الحرية لا يوحي فقط بحركة تصاعدية، بل بتطلعات مجتمع يسعى إلى الحرية والكرامة. وبالمثل، في منحوتات أصغر حجمًا، مثل الأم والطفل، تستحضر حميمية الإيماءة، وانحناءة الجسم، وتوتر الأطراف، سرديات تحكي عبر الأجيال. فن سليم ليس زخرفيًا بحتًا؛ إنه وسيلة لسرد القصص، ومستودع للذاكرة الجمعية، وجسر بين الماضي والمستقبل.

يمتد تأثير جواد سليم إلى ما هو أبعد من أعماله؛ فقد ألهم جيلًا من الفنانين العراقيين. لقد دافع عن فكرة الفن كتعبير وطني واستكشاف شخصي، مؤكدًا على أن الإبداع يجب أن يكون متجذرًا في السياق الثقافي والتاريخي للفرد. ومن خلاله ازدهر المشهد الفني الحديث في العراق، منتجًا رسامين ونحاتين حملوا قيم جواد سليم: توليفة من التراث والابتكار والتأمل في الحالة الإنسانية.

مع ذلك، كانت حياة سليم قصيرةً بشكلٍ مأساوي. توفي عام 1961 عن عمرٍ يناهز ٤١ عامًا، تاركًا وراءه أعمالًا فنيةً ناقصةً لكنها بالغة التأثير. يُضفي موته المُبكر على فنه لمسةً إضافيةً من الألم؛ إذ يشعر المرء بإلحاح كل ضربةٍ ونقشٍ، ورغبةً في صياغة رؤيةٍ قد تدوم حتى بعد قِصر الحياة.

إن الانغماس في أعمال سليم هو عبورٌ للزمان والمكان في آنٍ واحد. ينجذب المُشاهد إلى سهول بابل القديمة، وأزقة بغداد، والشوارع الحديثة لأمةٍ ما بعد الاستعمار. لا يُثير فنه تاريخ العراق فحسب، بل يُجسد أيضًا التجارب الإنسانية العالمية: النضال، والأمل، والصمود، والسعي وراء الجمال. بهذا المعنى، يتجاوز جواد سليم المحلي؛ فهو يتحدث بلغة الفن العالمية، لغةً تتواصل عبر الثقافات والعصور.

في الختام، يُجسد جواد سليم التقاء التاريخ والثقافة والابتكار. من خلال منحوتاته ولوحاته، يُخلّد ذكرى بلاد الرافدين، مُتصوّرًا عراقًا حديثًا ومستقلًا. أعمالٌ مثل "نصب الحرية" لا تزال شاهدًا خالدًا على قدرته على ترجمة السرديات السياسية والاجتماعية والعاطفية إلى أشكال بصرية. إرثه لا يقتصر على العراق؛ بل يتردد صداه أينما يسعى الفن إلى تكريم الذاكرة، ومواجهة الحاضر، وإنارة المستقبل. يُذكّرنا سليم بأن الفن الحقيقي هو انعكاس ونبوءة، ومرساة وشراع، ونصب تذكاري للماضي، ودعوة نحو الغد.

 

Jawad Salim, Iraq’s pioneering modern artist, combined heritage and modernism in painting and sculpture. His iconic works, especially Nasb al-Hurriyah, express national memory, human resilience, and artistic innovation that transcend time and geography.

#جواد_سليم #الفن_العراقي #النحت_والرسم #الفن_الحديث #تراث_ميسوبوتاميا #فن_معاصر #إبداع_عراقي # التاريخ_والثقافة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير