مفهوم العتبة الانطولوجية للمرعب في روايتي ستيفن كينغ بلدة سالم و نيدي أوكورافور ما رأته ساني في اللهب

 



تقوم هذه الدراسة على مفهوم الحديّة أو العتبية[1]  كما طوّره أرنولد فان غينيب ثم فيكتور ترنر،[2] واللذان ربطاه بمرحلة الانتقال بين حالتين اجتماعيتين أو طقوسيتين. الحدّيّة عند ترنر هي حالة غموض وقلق لأن صاحبها يكون لا هنا ولا هناك، أي في منطقة وسطى لا تنتمي إلى أي تصنيف ثابت. ومن هذا المنطلق ينقل جيفري كوهين المفهوم إلى دراسة الأدب الرعب أو الوحشي، ويرى أن الكائن المتوحش في الأدب يقيم في مساحة بينية خارج التصنيفات، ما يجعله تهديدًا لكل نظام وضعي أو معرفي.

ترتبط هذه اللامكانية أيضًا بمفهوم الغرابة كما يطرحه فرويد[3]، والذي يحدده في ثلاث حالات: ظهور المألوف في سياق غير مألوف، ظهور الغريب في سياق مألوف، وعودة ما كان مكبوتًا. وبما أن الفضاء الحدّي هو فضاء عودة المكبوت، فإن الأدب الذي يستثمر الكائن الوحشي يستخدم هذه المساحة لإثارة القلق واللايقين في ذهن القارئ. هذا الأساس النظري يُستخدم لتحليل اللامكانية الوجودية للمسوخ في روايتين من جنسين مختلفين: بلدة سالم لستيفن كينغ، وهي رواية رعب، وما رأته ساني في اللهب لنيدي أوكورافور، وهي رواية فانتازيا موجهة لليافعين. ورغم اختلاف الهدف الشعوري والجمالي بين النوعين الأدبيين، فإن تمثيل الكائن الحدّي في كل منهما يُظهر تقاطعات لافتة.[4]

في بلدة سالم نرى بلدة صغيرة تقع تحت سيطرة مصاص دماء أسطوري يُدعى بارلو، ويبدأ السكان في التحوّل إلى غير أحياء. تسعى مجموعة من الأهالي بقيادة المؤلف بن ميرس للتصدي له، لكن الرواية تنتهي دون تأكيد الانتصار النهائي، وهو ما يراه كيفن مكاران[5] أنه جزء من تقاليد أدب الرعب الذي يتعمد ترك الباب مفتوحًا أمام المجهول. هذا الانفتاح يزيد من التوتر لأن البلدة نفسها تبقى منطقة حدّية مجهولة المصير.

مصاصو الدماء في الرواية يجسّدون الحديّة الأنطولوجية بأوضح صورها: فهم ليسوا أحياء تقليديين ولا أمواتًا تمامًا. كينغ يستخدم تعبير غير أحياء المتكرر للتأكيد على هذه الحالة المتوسطة التي تنتهك النظام الطبيعي للحياة والموت. هذه اللامكانية هي مصدر الغرابة في الرواية لأن القارئ، حسب فرويد، يشعر بالفزع حين يقف أمام كائن لا يمكن تحديده ضمن ثنائية الحياة/الموت. هذا يجعل العقل عاجزًا عن الفهم، ومن هنا يتولد الرعب.

يقدّم كينغ أمثلة حسّية على هذا الارتباك عبر وصف جثة الطفل داني غليك بعد تحوّله: عيون مفتوحة، جلد يشع بالحيوية رغم أنه ميت. العيون المفتوحة بالذات تُعد في العرف الجنائزي علامة غير طبيعية تُولد شعورًا باللايقين. الفزع ليس ناتجًا فقط عن الخوف، بل عن الاشمئزاز والانجذاب في آن واحد، كما يوضح كوهين.[6] فداني يبدو جميلًا وفي صحة جيدة  بعكس الصورة التقليدية للجثة المتحللة، ما يجعل القارئ يشعر بالرغبة والرفض في اللحظة نفسها.

ينتمي داني أيضًا إلى مرحلة مراهقة انتقاليّة، ما يضاعف حديّته: إنه ليس طفلًا كاملًا ولا بالغًا، وفي الوقت ذاته ليس حيًا ولا ميتًا. هذه الازدواجية ترتبط أيضًا بمفهوم القرين أو Doppelgänger عند فرويد وأوتو رانك[7]، إذ يصبح مصاص الدماء نسخة مشوهة من الإنسان الأصلي.

في المقابل، تقدم رواية أوكورافور نموذجًا حدّيًا آخر ينتمي إلى الفانتازيا. بطلتها ساني فتاة في الثانية عشرة، تعيش في نيجيريا، وتُعامل على أنها غريبة بسبب إصابتها بالمهق. هذا التهميش الاجتماعي يصبح جسرًا لدخولها عالم الناس الفهود ذوي القدرات السحرية. وهكذا تنتمي ساني إلى عالمين في وقت واحد: عالم البشر وعالم الماورائيات. إنها خارج الداخل وداخل الخارج كما يسميها غادوان ورامل، أي أنها جزء من المجتمعين دون أن تنتمي بالكامل لأي منهما.

يُوضح ذلك حين تشرح صديقتها تشي تشي أن لكل فرد وجهين: وجهًا بشريًا ووجهًا روحانيًا لا يكبر. هذه الازدواجية تجسد القرين بشكل إيجابي: ذات ثانية تعيش في المستوى الروحي وتستطيع التأثير في الجسد المادي. كما أن ساني تكتسب قدرات مثل الاختفاء والمرور عبر الجدران. هذا يوازي قدرة مصاصي الدماء عند كينغ على التحوّل بين الجسد والدخان، وكلاهما مثال على كائن قادر على التنقل بين المادة واللامادة.

غير أن الاستفادة الجمالية مختلفة بين الروايتين. ففي الرعب، الكائن الوحشي يُصوَّر باعتباره شرًا مطلقًا أو ميلًا جوهريًا نحو الفساد. أما في الفانتازيا، فإن الكائن الغريب ليس شريرًا بالضرورة؛ قيمته الأخلاقية تُحدد بالخيارات التي يتخذها. وهذا يتضح في مواجهة ساني مع بلاك هات أوتوكوتو وإكْونسو حيث تعتمد على طاقتها الوحشية لتنتصر، أي أنها تستغل الجانب الحدّي في ذاتها، لكنها تختار توظيفه للخير. هذا الدرس الأخلاقي هو جوهر أدب الفانتازيا وفق ميليسا توماس[8]: البطل ينتصر على الشر ليتعلم القارئ معنى المسؤولية الأخلاقية.

في رواية بلدة سالم غير التحوّل الوحشي داني غليك في علاقته الإنسانية بصديقه مارك. حين يراه مارك لأول مرة لا يعرفه، فهو شيء مرعب  لا إنسان. ملامحه، أسنانه الطويلة، حركته الحيوانية، كلها تؤكد أنه فقد إنسانيته بالكامل. وعندما يستخدم مارك صليبًا ضده، يحترق جسد داني ولم يعد أمامه سوى التبخر والاختفاء. هذا التبخر يرسخ قاعدة كوهين بأن الوحش لا يموت بل يعود في زمان آخر ومكان آخر، ما يضاعف الغرابة ويزرع الرعب المستمر في ذهن القارئ.

في الروايتين معًا تصبح الحديّة أداة لبناء الغرابة وخلخلة الثنائيات. في رعب كينغ، مصاصو الدماء يشكلون تهديدًا أنطولوجياً لأنهم يطعنون في نظام الحياة والموت ويجسدون الخوف من المجهول الذي قد يعود في أي لحظة. في فانتازيا أوكورافور، الازدواجية ذاتها تؤدي إلى درس أخلاقي: الكائن الحدّي قادر على أن يصبح منقذًا أو مدمرًا بحسب اختياره. وهكذا فإن تقاطع الرعب والفانتازيا في شكل الكائن بيني الهوية يثبت أن العتبية الأنطولوجية ليست مجرد بناء جمالي، بل أداة لاستكشاف حدود الإنسان ووعيه ومخاوفه.[9]



[1] العتبة الانتقالية هي حالة انتقالية Liminality ، وغموض، و"بين" مرحلتين مختلفتين من الحياة، وغالبًا ما ترتبط بطقس العبور. إنها فترة من عدم اليقين حيث لا يعود الأفراد ينتمون تمامًا إلى وضعهم القديم لكنهم لم يدخلوا بعد في وضع جديد، وقد تُحفّزها أحداث حياتية مهمة. يُستخدم هذا المفهوم في علم الأنثروبولوجيا وعلم النفس، ويمكن أن يصف أيضًا المساحات المادية الانتقالية، مثل ممر فارغ أو غرفة انتظار.

[2] Gennep, Arnold Van. The Rites of Passage. (Chicago: University of Chicago), 1960.

Turner, V. (1969). Liminality and Communitas. In: V. Turner, R. Abrahams, and A. Harris (Eds). The Ritual Process: Structure and Anti-Structure. Chicago, IL: Aldine Publishing.

[3] Freud, S. (1919). The Uncanny. MIT repository.

 

[4] في رواية بلدة سالم لستيفن كينغ  يستولي مصاصو الدماء على بلدة صغيرة عندما يستقر كورت بارلو وشريكه ريتشارد ستراكر في منزل مارستن المهجور. يعود الروائي بن ميرز إلى البلدة، ويكتشف مع مجموعة من حلفائه انتشار ظاهرة مصاصي الدماء ويحاول مواجهة هذه المخلوقات. تنتهي الرواية بغموض، مما يوحي بأن البلدة - وربما غيرها - لا تزال عرضة لخطر مصاصي الدماء

في رواية  ما رأته ساني في النيران لنيدي أوكورافور:تكتشف ساني، وهي فتاة بيضاء تبلغ من العمر 12 عامًا تعيش في نيجيريا، هويتها كشخصية النمر، وهو كائن سحري ذو وجهين بشري وروحي. وبإرشاد أصدقائها، تتعلم ساني تسخير قواها، بما في ذلك الاختفاء والقتال الروحي. تواجه ساني قوى الشر، بما في ذلك أوتوكوتو وإيكوينسو، مستخدمةً قدراتها في نهاية المطاف لحماية نفسها ومجتمعها، متعلمةً دروسًا أخلاقية حول الاختيار والمسؤولية واستخدام المواهب.

[5] McCarron, K. (1995). Freud’s ‘The Uncanny’ in Caroline B. Cooney’s ‘Vampire Trilogy’. Annual Conference of the International Association of School Librarianship. Worcester, UK, 

 

[6] Cohen, J. (1996). Monster Theory. Minneapolis, MN: University of Minnesota Press.

[7] Glenn, J. (1972). The Double. A Psychoanalytic Study: By Otto Rank. Translated and edited, with an Introduction by Harry Tucker, Jr. Chapel Hill: The University of North Carolina Press, 1971.

 

[8] Thomas, M. (2003). Teaching Fantasy: Overcoming the Stigma of Fluff. The English Journal, 92(5): 60-64.

[9] King, S. (2011 [1975]). ’Salem’s Lot. New York: Double Day.

Okorafor, N. (2011). What Sunny Saw In The Flames. London: Viking.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير