نيويورك وأدب المهجر العربي
نيويورك،
مدينة الصخب والحياة المستمرة، مكان يفيض بالفرص والغرابة في آن واحد. كل زاوية فيها،
وكل شارع، يبدو وكأنه يحمل قصة تنتظر أن تُروى، وحلمًا يتوق من يزوره إلى تحقيقه. هنا،
العالم كله يتلاقى: لغات وثقافات وأفكار تتشابك، فتشعر بأنك في قلب الكون نفسه، حيث
لا أحد مجرد مراقب، بل كل شخص جزء من الحركة المستمرة.المدينة
تمنح شعورًا بالتحرر، لكنها تضعك أيضًا أمام صمتك الداخلي. بين ناطحات السحاب والزوايا
المظللة، يولد شعور بالغربة والضياع، كما لو أن المدينة نفسها تتحداك أن تجد مكانك
فيها. المشي في شوارعها يصبح رحلة، ليست فقط لاستكشاف المكان، بل لاستكشاف الذات، لمعرفة
ما يبقى منك حين يختلط كل شيء بالضوضاء والضوء والظل.
لكن رغم هذا
الارتباك، نيويورك تبهر بروحها المفتوحة، بطاقتها التي لا تنطفئ، وبإمكانياتها غير
المحدودة. هنا يمكن أن تلتقي الثقافات المختلفة في كنف واحد، ويجد كل زائر فرصة ليكون
جزءًا من شيء أكبر، أن يشهد على تلاقٍ بين الماضي والحاضر، بين الطموح والواقع، بين
الفرد والجماعة.نيويورك ليست مجرد مدينة؛ إنها
تجربة، اختبار دائم للخيال والقدرة على التكيف، مكان تعلمك أن الضياع قد يكون بداية
لاكتشاف نفسك، وأن الفرصة ليست مجرد هدف، بل شعور ينبض في كل شارع، في كل زاوية، في
كل نافذة تطل على المدينة.
نلحظ هذا
الاغتراب الوجودي عند الجيل الأول من
أدباء المهجر العربي،
الذين سكنوا المدينة في أواخر القرن
التاسع عشر، في الحي السوري أو "سوريا الصغرى"، لكنهم لم يعيشوا فيها
...أنما عاشوا في أوطانهم البعيدة .... كتبوا فيها عن الوطن المفقود وعن الروح
القلقة وعن الله والطبيعة والانبعاث الداخلي، لكنهم لك يكتبوا عن مدينة
نيويورك....ورغم سطوتها البصرية وانفتاحها الحداثي لم تكن ملهمة لهم، بل كانت
مثقلة بهموم الغربة والانفصال، لم تكن موضوعًا يُفتَنون به أو يرمزون له، بل كانت
كأنها مشهد جانبي في حكاية أعمق تُروى من الداخل. ظلّت المدينة غائبة عن نثرهم
وشعرهم وكأن نيويورك لم تكن قادرة بعد على اختراق ذاكرتهم الأدبية المعلّقة بين
الجبل والضيعة بين بيروت والشام لا بين برودواي ومانهاتن. كانوا هاربين من نوع آخر
من المتاهات، متاهة القمع وتكميم الحريات، في ظل الحكم العثماني التي طاولت
أجيالاً كثيرة، ومنظمة الرقابة والتجسس التي كانت تلاحق المفكرين والسياسيين،
وزعماء الإصلاح والصحافيين، وتراقب الجرائد، ومع بدء الاحتلال الفرنسي كان طريق
الخلاص أمام الناس عموماً آنذاك إما الثورة أو الهجرة التي لم تكن حقيقة هجرة
بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت فرارًا جماعيًا لمن استطاع سبيلاً.
أما
أعداد مجلة "كوكب أمريكا"، أول مجلة عربية في المهجر الأميركي التي
أسسها نجيب عربيلي من عام 1892، فهي غنية بالقدر الذي يعطينا فكرة وافية عن تلك
الحقبة، وقد تناولت شؤون المهاجرين العرب في الولايات المتحدة، وقضايا الدولة
العثمانية، كما ناقشت موضوعات الهوية والدين والإصلاح والنهضة، وسعت إلى أن تكون
جسرًا ثقافيًا بين المهجر والشرق العربي وقد حمل عربيلي فكرًا عروبيًا تنويريًا، مؤمنًا
بالحرية ومعارضًا للاستبداد العثماني، فدافع عبر صحيفته عن حقوق العرب وربطهم
بقضايا أوطانهم، مما جعله من أوائل من أسّسوا لخطاب الهوية العربية الحديثة في
المهجر.
وعند
تصفح أعداد الجريدة نجد أخبار السلطنة العثمانية والسفينة المنطلقة من بيروت
وأسماء ركابها وإعلانات وأحداث محلية عن المدينة وعن بقية المدن الأميركية وأحداث
وقعت في مصر ولبنان وسورية. توقّف صدور المجلة عام 1908، ومعه خفت صوت ذلك الجيل
الأول من المهاجرين العرب الذين حملوا همّ الكلمة والهوية في المنافي، بينما لم
يتمكّن الجيل التالي من الشباب العربي في المهجر، من إنتاج مشروع مماثل، بل لم يجد
نفسه حتى منخرطًا في أيّ من الصحف العربية التي ظهرت آنذاك، كان يعيش واقعًا
مختلفًا تمامًا عن آبائه، واقعًا طبعته الحرية لا القمع، والرخاء لا القسوة، جيلٌ
لم يرث معاناة المنفى، بل ورث آفاقه الجديدة، ولذلك لم يعد يكتب من موقع الدفاع أو
البحث عن هوية.
ولعلّ ما
بقي من تلك الحقبة الأدبية بامتياز هو محاولة استذكارها في المكان، ففي حديقة
إليزابيث برجر يجري تنفيذ مشروع فني دائم يُكرّم الإرث الأدبي لـ"سورية الصغرى"
بعد اثني عشر عامًا من الجهود المتواصلة، ليكون هذا أول نصب تذكاري في مدينة
نيويورك يُكرّم مجتمعًا تاريخيًا في حديقة عامة. صمّمت المشروع الفنانة الفرنسية
المغربية سارة أُحدّو بعنوان "القلم: شعراء في الحديقة"، بالقرب من موقع
الحي السوري قديمًا على شارع واشنطن،

تعليقات
إرسال تعليق