مرثية لأثار العراق ،مهد الحضارات

 



جاء في تقرير لرويترز    "يدق المسؤولون العراقيون ناقوس الخطر لإنقاذ آثار مهد الحضارات، إذ يواجه تاريخ يمتد لآلاف السنين خطر الاندثار بسبب التآكل الناتج عن تغير المناخ الذي يهدد المدن القديمة في جنوب العراق.وتزداد ملوحة التربة بسبب الطقس الجاف والقاسي، مما يُلحق الضرر بالآثار التاريخية في أطلال مدن مثل أور مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام، وبابل التي كانت في الماضي عاصمة لإمبراطوريات عظيمة....."

في قديم الزمان، في بلاد ما بين النهرين العظيمين، بنت البشرية أحلامها الأولى من الطين والنور. من هذه التربة، نشأت مدنٌ أصبحت أسماؤها أول موسيقى في التاريخ - أور، بابل، أريدو - حيث امتدت المعابد نحو القمر، وقاس الملوك الخلود بالطوب والأسفلت. اليوم، تنهار تلك الأحجار نفسها، حارسة فجر العالم الأول، تحت صمت شمس أشد قسوة.

الرياح التي كانت تحمل الصلوات تحمل الآن رمالًا. يتجمع الملح كصقيعٍ غير مرئي عبر الجدران العتيقة، يتسرب إلى أنفاسها، مُبددًا قرونًا من الصمود. الأرض، التي طالما آمنت بالذاكرة، انقلبت عليها. ما لم يمحه الزمن، قد يسترده انتقام الأرض البطيء.

في الجنوب، تشتد الحرارة بلا هوادة. الهواء رقيق من الجفاف، والتربة، بعد أن جُردت من اللطف، تُصبح مُرة من الملح. الزقورة التي كانت تستدعي إله القمر، تفقد الآن خطواتها بفعل التآكل - فقد تضاءل ارتفاعها، وانكسر تناسقها بفعل يد الغبار الصبورة. رياح الشمال، القلقة والباردة، تقضم جوانبها. تحت السطح، تنهار مقبرة أور الملكية - حيث نام الملوك يومًا بين الذهب والإيمان - بينما تتفتح الأملاح تحت عظامها.

هذا ليس خراب الحرب، مع أن الحرب عرفت هذه الأراضي جيدًا. هذا هو الانهيار البطيء الذي أحدثته سماء متغيرة - الشمس تحرق لفترة أطول، والأنهار تنحسر بعيدًا، والأرض تنسى لمسة المطر. حيث كان نهرا دجلة والفرات يضفران مياههما بغزارة، يتراجعان الآن، تاركين السهول عطشى جرداء.

وفي بابل أيضًا، تتكرر القصة: الطين الذي كان يحمل آثار الإمبراطوريات يتكسر الآن في صمت. تتلاشى نقوش الآلهة والوحوش المعقدة تحت وطأة الزمن، بينما تبدأ الأرض نفسها، المسمومة بالملوحة، في التهام آثارها.

 

لعصور، عانت هذه الآثار من الحصار والإهمال، والنار والهيمنة. صمدت في وجه طموحات الغزاة وغطرسة الحداثة. لكنها تقف عاجزة أمام حمى الكوكب نفسه - الحرارة الآخذة في الارتفاع، والأنهار المتلاشية، وعاصفة الملح الخفية.

ومع ذلك، في سكون الخراب، يبقى سؤال: من سيحفظ ذكرى الفجر الأول؟ من سيمنح الحجارة صوتًا عندما تخبو أصداءها؟ يقف مهد الحضارات الآن على أعتاب الزوال، لا ينشد المديح بل الرحمة - ينشد التفاني الهادئ من أولئك الذين سيحافظون برقة وخوف على ما تبقى.

في هذه الآثار، لا تزال قصة الإنسانية تهمس. لا تحمل أحجار أور وبابل ثقل التاريخ فحسب، بل مقياس نسياننا. إذا اختفى المهد، فلن يختفي الماضي فحسب، بل سيتلاشى أيضًا وعد فهم كيف أصبحنا ما نحن عليه.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير