كيف تعينك الفلسفة في إختيار سيارتك المفضلة؟

 


هل تفضل سيارة رياضية أم عائلية؟ أن سؤالاً مثل هذا في كتاب فلسفي يثير الكثير من الإستغراب . لكن ما هو دور الفلسفة .؟ تساهم في حل المشاكل التي يواجهها البشر ... مهما كانت تلك المشاكل ... حتى لو كانت في سؤال بسيط عن سيارتك المفضلة ... ناهيك عن أسئلة وجودية مثل الهوية والحرية و الكلمة وغيرها الكثير .  هذه هي فائدة العلوم مهما أختلفت.

وتماماً كما فعل الفلاسفة سابقاً وقدّموا لنا العديد من الأفكار والحلول التي ساعدتنا على تجاوز مِحن الأزمنة وأزماتها، اليوم مع تغيّر العصر، وفي ظل تبدّل متطلّبات الحياة، وأسئلة الإنسان، وطبيعة علاقته مع الأشياء، ومع نفسه، ومع الآخرين من حوله، يقتضي من الفلاسفة والمفكّرين أن يُعيدوا توجيه الفلسفة كي تواكب هذا المتغيّرات، أو كي تقدّم أجوبة وحلولاً عن التساؤلات المعاصرة التي تدخل في صميم حياة الإنسان اليومية والتي لا يتوقّف هذا العصر عن طرحها.

هذا ما يحاول الكاتب البريطاني ماركوس ويكس فعله في كتابه "ماذا سيفعل نيتشه... كيف سيحلّ الفلاسفة العُظماء مشاكلك اليومية" ، إذ يُقرّب الفلسفة وأكثر من ثمانين فليسوفاً في الماضي والحاضر، من المشكلات اليومية التي يواجهها الإنسان المعاصر، عبر طرح أسئلة وقضايا معاصرة تلامس أي إنسان منّا في حياته اليومية. أسئلة من نوع: هل سيقدر شوبنهاور على أن يزيل اللوعة عن قلوب العاشقين ؟ وهل يعيننا هيراقليطس أن فقدنا هاتفنا المحمول ؟ وهل سيساعدني ديكارت في طلب وجبة عشاء من أحد المطاعم؟

 وفقاً للمؤلف البريطاني، أن هذه الأسئلة وغيرها ُليس إلّا استعارةً للوصول إلى أفكارٍ ونتائج أخرى.. فنحن عند الإجابة عن سؤال السيارة نكون عند مفترق طريق، وعلينا أن نختار المسار. أن فكرنا بالعائلة سيكون خيار السيارة العائلية الأفضل وإذا كان الهدف شيئاً أخر وراء أقتناء السيارة ، مثلاً المظاهر و جذب اإنتباة ستكون السيارة الرياصية هي الخيار الأفضل.

يطرح الكاتب البريطاني هذا السؤال على الفلاسفة، سنعرف أنَّ سقراط، مثلاً، الذي كان لديه زوجة وثلاثة أطفال، سيتوجّه نحو سيارة العائلة، لكنه لن يتوقف هناك فهو رجل يحب طرح الأسئلة لمعرفة السر الحقيقي وراء ذلك السؤال البسيط . هل نحن نتحدث فعلاً أم شيء ثان؟ لن يتوقف سقراط لكننا أن نجحنا في إحراج سيقول أن فكرة سيارة الأسرة كانت فكرة زوجته زنتيب".

كونفوشيوس، بدوره، سيذهب الى خيار السيارة العائلية  لأنّ الأسرة وقيمها، بالنسبة له، هي أساس المجتمع.

في القطب المقابل، سيذهب نيتشه، دون تردّد، نحو السيّارة الرياضية. مع نيتشه سنعيش لحظة الجموح، حيث لا قواعد ولا أعراف. إنها لحظة المستحيل. هكذا عاش نيتشه حياته، بطريقة مماثلة، دون أن يقلق بشأن ما يقوله الناس عنه، دون روابط عائلية. دون قيود. شوبنهاور واضح تماماً: سيجعلنا نشعر بخيبة أمل في أيٍّ من السيّارتين. في الواقع، سنصاب بخيبة أمل من السيارات كلّها. ومن كل شيء بشكل عام، لأنها وسائل ترفيه فارغة لا تجعل الحياة صالحة للعيش إلّا قليلاً.

سيمون دي بوفوار، بوصفها سابقة لعصرها في كلّ شيء، ستكتب دراسة مثيرة للاهتمام في مسألة "السيّارات المجازية"، ومن المؤكّد أنها كانت ستمتلك السيّارتين، تبعاً لحالتها، وكانت ستخرج في جولة بالسيّارة الرياضية لاكتشاف الظواهر الحيوية دون تعقيدات أو حواجز اجتماعية. وفي الحالة الثانية، ستكون متّفقة مع سارتر، إذ ليس هناك أفضل من سيّارة مركونة في كراج البيت لحالات الطوارئ التي قد تحدث.

حالة أُخرى غريبة هي حالة جان جاك روسو، الذي كان بارزاً حقّاً في مقولة "افعل ما أقول، ولكن ليس كما أفعل"، لأنّ ما فعله هو أنه كان لديه خمسة أطفال تركهم ليكتب رسالة في التربية، وهذا معناه أنّه عندما كان كلّ شيء يشير من حيث المبدأ إلى السيّارة العائلية، حدث أمر وجعله، على غرار تركه أطفاله والذهاب لكتابة رسالة في التربية، يُغيّر رأيه ويختار السيارة الرياضية ذات المقعد الواحد

وهكذا، عبر أسئلة معاصرة عن الهاتف الجوّال، أو عن السيارة، أو وجبة العشاء، أو الغداء وغيرها ، يجول ماركوس ويكس في أفكار الفلاسفة ويعرض مناهجهم في محاولة منه للبحث عن معنى جديد للفلسفة خارج الكتب الكلاسيكية والأفكار التنظيرية. إنها محاولة لإحداث تقاطع بين الفلسفة والجوانب الحيوية والواقعية والحميمية من حياتنا، وهي في الوقت نفسه محاولة لإحداث قطيعة مع الفكرة القديمة لجدّية الفلسفة وبالتالي وضعها في مستوى الحياة المعاصرة



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير