فيلم كلشي ماكو - الصمت الباقي

 



في فيلم " كلشي ماكو" (2021)، تُحوّل ميسون الباجه جي حطام بغداد إلى نسيج هشّ من صمود الإنسان. تدور أحداث الفيلم عام 2006، في ذروة الانقسام الطائفي الذي عصف بالعراق ، ولا يُصدر فيلمها صرخة؛ بل يُنصت. يقف الفيلم على مسافة من السياسة، تاركًا الصمت بين طلقات الرصاص يتحدث بصوت أعلى من أي أيديولوجية. لا يُصوّر السيناريو، الذي شاركت في كتابته إرادة الجبوري، ضجيج الحرب، بل طنينها المُستمر - ذلك الاهتزاز الأجوف الذي يسكن من نجوا.

 

من خلال هذا السكون، تكشف الباجه جي عن الحقيقة المُرّة للحياة العراقية في ذلك الوقت: أن الوجود نفسه أصبح فعلًا مُكلفًا - روحيًا ونفسيًا وجسديًا. كل روح في فيلمها مُجروحة، تنزف داخليًا، لكنها لا تزال تتنفس. تتكشف القصص كشظايا مُتناثرة من نفس المرآة المُحطمة، تعكس وجوه الخسارة المُتعددة. شكل الفيلم، كما المدينة التي يصوّرها، مُشرذم - ولكن عن قصد. يصبح التشرذم لغته، السبيل الصادق الوحيد للحديث عن قلب بغداد المُقطّع.

نهج الباجه جي رقيق، لا يُوجّه اتهامات. إنها تمنح شخصياتها كرامة الغموض. لا أحد يُدان، ولا أحد يُخلّص. يتحركون في المدينة كأشباح تُطاردها حيوات لم تُكتمل. فوقهم، ثمة شعور بالقدر - بارد وبعيد – قدر قاسٍ غير مرئي يُراقب ، كما في مأساة إغريقية. في هذا المشهد الأخلاقي، لا يتصرف الناس باختيارهم، بل بدافع الإرهاق، مُتشبثين بأبسط لفتات الإنسانية كما لو كانت شريان حياة.

 

يتجاوز فيلم كلشي ماكو حدود سرده، جامعاً قصصًا عديدة تتداخل لكنها لا تندمج تمامًا. تحاول سارة، الكاتبة والمترجمة (التي تجسدها دارينا الجندي)، حماية ابنتها ريما (زينة جودة) من الفوضى العارمة خارج منزلهما. حيدر، شابٌّ عاطلٌ عن العمل ولا أمل له، يعيش في كنف والده المتعطش للانتقام. كمال، الذي ينتظر مولودًا جديدًا، يُصارع أشباح عائلة زوجته السابقة. من حولهم، تحترق بغداد، ومع ذلك، تبقى هذه الحياة الهادئة والعادية قائمة - أفعال إيمان هشة في وجه اليأس.

 

ترفض الباجه جي الدراما. تلتقط عدستها، بقيادة جوناثان بلوم ، المدينة المدمرة ببساطةٍ مُشرقة - وجوهٌ في ضوء الشموع، ودخانٌ يتصاعد من النوافذ المُحطمة، ولعبة طفلٍ ملقاةٌ في الغبار سليمةً. حتى الصوت يُصبح شعرًا هنا: هدير المولد، والأذان، والصمت بعد الانفجار. تتردّد موسيقى ماريو شنايدر، وإحسان الإمام، وخيام اللامي بهدوء تحت الصور، حاملةً حزنًا كنبضة قلب خافتة.

 

عنوان الفيلم، "كلشي ماكو" – وهي عبارة سومرية قديمة، أفيها بعض السخرية و القدسية في آنٍ واحد. يتحدث عن الفراغ، لكن في هذا الفراغ، يجد الفيلم معنى. في بغداد، حيث قد يصل الموت من أي مكان - رصاصة طائشة، سيارة مفخخة، خطأ - يصبح "اللا شيء" ذلك الفضاء الهشّ الذي يتعايش فيه الحب والذاكرة والفقد.

مشهد واحد يبقى لا يُنسى: أمٌّ محجبةٌ بالسواد، تكتشف اسم ابنها المفقود في قائمة. لا تقول شيئًا. ينهار الزمن. صمتها لا ينتهي - صمتٌ يحمل وطأة حزن أمة بأكملها. هذه، أكثر من أي حوار، حقيقة الباجه جي.

 

يختتم الفيلم بأغنية لفيروز: "صباح ومساء، شيء لا يُنسى، تركتُ الحبّ وأخذتُ الاسى ."

 

في تلك اللحظة، يتجاوز فيلم "كلشي ماكو" حدود السينما. يصبح مرثيةً لبغداد، للموتى، لمن ما زالوا يعيشون بين الأنقاض. لا تسعى كاميرا ميسون الباجه جي لشرح المعاناة، بل تشهدها ببساطة، بشفقة هادئة تُشعرك بالدعاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير