الجغرافيا الجديدة للرواية

 



أصواتٌ فوق  الخريطة: الجغرافيا الجديدة للرواية

 

بين الحين والآخر، يُعيد الأدب رسم خريطته. لم تعد المراكز التي ادّعت يومًا ما السلطة - باريس، لندن، نيويورك - تُملي اتجاه رياح الرواية. تُروى قصص العالم الآن من لاغوس وسيول، بوغوتا وبيروت، وارسو وكيب تاون. نعيش في عصرٍ تنتشر فيه الترجمة أسرع من أي وقتٍ مضى، و"الرواية العالمية" ليست مجرد نزعة، بل واقع: حوارٌ حيّ لا يهدأ بين لغاتٍ وخيالاتٍ ترفض الصمت.

 

في الماضي، كانت الرواية تُعتبر شكلًا غربيًا، اختراعًا أوروبيًا صقله الواقعيون الإنجليز والأخلاقيون الروس. انبعثت سلطتها إلى الخارج، مُشكّلةً ما يُعتبر فنًا وبنيةً وجدية. ولكن مع تصدّع القرن العشرين تحت وطأة الحروب والهجرات والصحوات الجديدة، بدأت أصواتٌ أخرى بالصعود. بدأت الأطراف بالردّ - ليس كمُقلّدين بل كمُبدعين، موسّعين روح هذا الجنس الأدبي. في القرن الحادي والعشرين، تلاشى المركز. "الأدب العالمي" الذي نتحدث عنه الآن ليس مختارات من الترجمات، بل هو مجالٌ من الأضواء المتبادلة، حيث تُنير كل ثقافة أخرى.

هذا التحول ليس جغرافيًا فحسب، بل أخلاقي وعاطفي وشكليّ. يرث الكُتّاب اليوم تقاليدًا متعددة، لا تراثًا واحدًا. تكتب روائية نيجيرية مثل شيماماندا نغوزي أديتشي باللغة الإنجليزية، إلا أن إيقاعاتها تحمل موسيقى سرد القصص الإيغبو. تنطلق رحلات أولغا توكارتشوك الميتافيزيقية من بولندا، لكنها تجوب الأساطير والفلسفة التي تُخاطب البشرية جمعاء. يبني هاروكي موراكامي ممرات هادئة من الوحدة داخل مقاهي طوكيو، لكن صمته يتردد صداه عبر القارات. لا تتعلق الجغرافيا الجديدة للرواية بمكان ميلاد الكُتّاب، بل كيف يستمعون  - إلى الماضي، إلى الغريب، إلى اللامرئي.

 

أولًا: المركز المتغير

لطالما تبع تطور الرواية حركة الوعي. واليوم، أصبح هذا الوعي عالميًا. القصص التي كانت تكافح في السابق لعبور الحدود، تنتقل الآن رقميًا وفوريًا. تُذكرنا جوائز مثل جائزة البوكر الدولية أو جائزة نوبل بأن بوصلة الأدب قد اتجهت نحو الخارج. كما أن صعود المترجمين كوسطاء ثقافيين قد ولّد نوعًا جديدًا من القراءة - قراءة تُقدّر الاختلاف بدلًا من السلاسة.

ولكن ربما يكمن التغيير الأعمق ليس في التداول، بل في المنظور. لم يعد "المركز" يتحدث باسم "العالم". بل هناك عوالم متعددة، كل منها يكتب تاريخه الخاص من المشاعر. منحتنا أمريكا اللاتينية الواقعية السحرية لغارسيا ماركيز ومتاهات بورخيس؛ ومنحتنا أفريقيا العمق الأخلاقي لنغوجي وا ثيونغو وحميمية تسيتسي دانغارمبغا؛ ومنحتنا شرق آسيا حزن كاواباتا الرقيق ورشاقة هان كانغ السريالية. أصبحت أوروبا وأمريكا جزءًا من الجوقة، لا قائدًا لها. هذا التعدد الصوتي هو الدليل الحقيقي على النضج - لقد أصبحت الرواية أخيرًا "كوكبية". ومع ذلك، مع هذا التوسع، يأتي التعقيد. كيف نقرأ عبر هذه الاختلافات الشاسعة؟ ماذا يعني تقدير عمل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمكان قد لا نزوره أبدًا؟ تكمن الإجابة فيما وعد به الأدب دائمًا: التعاطف. الحدود الحقيقية للرواية ليست لغوية أو سياسية، بل عاطفية. القراءة العالمية هي تدريب القلب على إدراك ذاته في أشكال غير مألوفة.

 

ثانيًا: أشكال السرد

مع تحول الجغرافيا، يتغير الشكل أيضًا. تقاوم الرواية الجديدة التصنيف السهل. فهي تستقي من الأسطورة والتقارير والشعر والذاكرة على حد سواء. تتلاشى الحدود بين الخيال والشهادة. في أمريكا اللاتينية، حوّل أحفاد غارسيا ماركيز الواقعية السحرية إلى استعارة سياسية. في العالم العربي، ينسج كتّاب مثل هدى بركات وإلياس خوري الصدمة الجمعية في اعتراف شخصي. يمزج الأدب الأفريقي التقاليد الشفاهية مع سخرية ما بعد الحداثة، بينما تُحوّل أصوات أوروبا الشرقية، من توكارتشوك إلى كراسناهوركاي، الرواية إلى تحقيق روحي. ما يوحد هذه التجارب المتنوعة هو شعور بالقلق - رفضٌ لتصلب الشكل. الرواية المعاصرة لا تكتفي بالسرد؛ بل تريد أن تفكر، وأن تشعر، وأن تتساءل عن فعل السرد نفسه. إنها تعكس عصرنا الممزق، حيث تتداخل الهويات وتذوب الحقائق في بعضها البعض. يُفسح السرد الخطي المجال لفسيفساء متعددة الأصوات. يُستبدل الراوي العليم بآفاق متغيرة، باعتراف متواضع بأن لا أحد يستطيع رؤية الكل.

هذا الانفتاح الشكلي ليس فوضى - إنه صدق. إنه يعكس وعيًا أعمق بأن الحياة نفسها لم تعد تسير في خطوط مستقيمة. تُنصت الرواية الجديدة إلى الصمت بقدر ما تُنصت إلى الكلام، إلى المنفى بقدر ما تُنصت إلى الانتماء. إنها تُدرك أن أعمق القصص غالبًا ما تُهمس بين اللغات، بين الذكريات، بين ما يُقال وما نشعر به .

 

ثالثًا: ما معنى "العالمية" ؟

إن وصف رواية بأنها "عالمية" لا يعني تجريدها من مكانها أو لهجتها، بل على العكس، هو إدراكٌ لمدى محلية كل حقيقة كونية. الأدب العالمي ليس بوتقة انصهار، بل كوكبة من النجوم. كل صوت يحتفظ بنوره، ومع ذلك يُشكلون معًا سماءً مشتركة. عندما نقرأ عدنية شبلي من فلسطين، أو ليلى السليماني من المغرب، أو ييون لي من الصين، فإننا لا نبحث عن التشابه؛ بل نبحث عن التواصل من خلال الاختلاف. يكمن جمال هذه الجغرافيا الجديدة في مدى تميز لغاتها، وكيف تقاوم الاستيعاب.

في عالمنا اليوم سريع الخطى، حيثُ يُشعِرُك كلُّ شيءٍ بالتشابه تُصبح القراءة البطيئة عبر الحدود أمرًا مقدسًا تقريبًا. الترجمة، بهذا المعنى، ليست لغوية فحسب، بل أخلاقية. إنها تدعونا إلى الانغماس في إيقاع مختلف، والتخلي عن عاداتنا في الرؤية. يصبح قارئ اليوم مسافر وعي، يحمل في داخله أصداء حياة بعيدة. وكما هو الحال في كل رحلة، فإن ما يتغير أكثر ليس الخريطة، بل المسافر.

 

 رسامو الخرائط الجدد

لطالما كانت الرواية مرآةً للإمكانات الإنسانية. في الماضي، كانت تلك المرآة في أيدي قلّة، أما الآن فهي في أيدي الكثيرين. رواية القرن الحادي والعشرين لا تُعرّف بالجنسية أو الأسلوب، بل بشجاعتها في استكشاف الوجود في عالمٍ مُمزّق ومتشابك. جغرافيتها عاطفية قبل أن تكون مادية - مرسومة بالتعاطف والفضول والشوق لفهم كيف تبدو حياة أخرى من الداخل.

لعلّ القارئ المعاصر، الذي يتنقل بين القارات دون أن يغادر مقعده، يُشبه رسام خرائط الغيب. كل كتاب يُوسّع حدود تعاطفنا؛ وكل صوت يُضيف لونًا جديدًا إلى طيف تجربتنا المشتركة. "الجغرافيا الجديدة للرواية" ليست حُجة، بل هي كشفٌ: أن السرد القصصي كان، وسيظل، خريطة إنسانيتنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير