وداعاً مكي حسين : الفنان الذي ظلّ ينحت نفسه والعالم حتى اللحظة الأخيرة

 

النحات مكي حسين





لم يكن مكي حسين ينحت أشكالاً، بل كان يحرّر أجساداً من الأسر، ويترك للبرونز أن ينطق بما عجزت اللغة عن احتماله: خوف الإنسان، وحنينه، وصرخته المؤجلة في وجه عالم مختلّ.

 

مات مكي حسين وحيداً، كما يموت الفنّ حين يُترك بلا شهود.
في شقةٍ صامتةٍ في الملجأ الألماني، تمدّد الجسد الذي طالما حرّر الأجساد،
وبقي البرونز يقظاً أكثر من البشر.
أربعة أيامٍ كاملة، كان الزمن يمرّ على الباب ولا يطرق،
وكانت منحوتاته، لو استطاعت، لصرخت بدلًا عنه.

لم يمت فجأة،
بل انسحب بهدوءٍ يشبه انسحاب الوطن من ذاكرة المنفى،
كأنّه أراد أن يختبر مصير الجسد حين يُحاصر حتى النهاية،
وحين لا يبقى سوى الصمت،
ذلك الصمت الذي طالما حوّله إلى شكل، وإلى كتلة، وإلى معنى.

وحده،
كما عاش في المنافي،
وكما نحت الإنسان خارج الاحتفالات،
خارج الضجيج،
خارج الأضواء.
لكن موته لم يكن عزلة،
كان بياناً أخيراً:
أن الفنّ الحقيقي لا يُشيَّع،
بل يُكتشف
متأخراً دائماً،
كما اكتُشف جسده بعد أربعة أيام.

من هنا يبدأ الحديث عن مكي حسين،
لا بوصفه نحّاتاً راح،
بل كإنسانٍ ظلّ ينحت نفسه والعالم حتى اللحظة الأخيرة.

 


في تجربة مكي حسين، لا يبدو النحت فعلاً شكلياً أو استجابة جمالية لمحيط التأثر، بل كأنّه قدرٌ وجوديّ، انبثق من جرح مفتوح، وسار مع صاحبه عبر المنافي، حاملاً ذاكرة وطنٍ لم تهدأ. منحوتاته لا تستمد ديمومتها من الاقتباس أو التكرار، بل من قدرتها العميقة على إعادة التوازن بين الإنسان والعالم، ومن تلك الألفة الحميمة التي تجعل البرونز، وهو أقسى الخامات، نابضاً بحرارة الجسد والروح. هنا يكمن سرّ بقاء فن مكي حسين: إنه فنّ يحمل روح الزمن الراهن، ويستشرف، في الوقت نفسه، ملامح الزمن الآتي.

حين غاب الوطن، وتغوّل الكابوس، وبدأ الموت يتكدّس على الأبواب، كانت المنافي أول اختبارٍ حقيقيّ للفنان. هناك، في البعد القاسي، عاد مكي حسين إلى ينابيع الرافدين الأولى، إلى الأنهار التي كوّنت الذاكرة العراقية، واستعاد التجارب التشكيلية الرائدة، لا بوصفها تراثاً منجزاً، بل باعتبارها طاقة حيّة قابلة للتحوّل. كانت تلك اللحظة الفارقة التي شهدت تحوّلاته الثقافية والفنية، حيث حاول أن ينفذ بتجربته الشخصية إلى أعماق الحياة العراقية، وأن يستوعب صورة الإنسان في تقلّباته الوجدانية والفكرية.

منذ عمله البرونزي الأول الرجل صاحب الجناح، بدا مكي حسين قلقاً في بحثه عن الشكل الرامز، عن هيئة قادرة على احتضان طموحه في خلق شخصية تنسجم مع روح العصر. استعار الرموز، وفتح أبواب الخيال، واستنطق الأفكار المكبوتة، ليعبّر عن حقيقة زمنية نعيش داخل أسوارها الثقيلة. كان النحت لديه رحلة مضنية، غايتها الحرية، ووسيلتها الجسد المحاصر، المقيّد، الذي يصارع من أجل الإفلات وتفجير طاقاته الحبيسة.

اعتماده شبه المطلق على البرونز لم يكن اختياراً تقنياً فحسب، بل موقفاً وجودياً. لقد طوّع هذه الخامة الصلبة لتقول ما لا يُقال: عن إنسان يواجه جبريات الحياة، عن عالم مختلّ التوازن، وعن حاجة دائمة إلى معينٍ متجدّد من طاقة الحياة. منحوتاته تضعنا دائماً أمام عالم لا يُحتمل أكثر، لكنها، في الوقت نفسه، تكشف ما سيبقى من الإنسان بعد زوال الأعذار الكاذبة، وبعد انكشاف الأخلاق المطعونة.

في أعماله، يبدو الحنين إلى الوطن طاقةً خفيّة، لا تتحوّل إلى بكاء، بل إلى فعل بحثٍ مستمر، لا يتناول الإنسان وحده، بل يمتدّ إلى الأشياء، إلى الجروح السرّية الكامنة في الكائنات، ليضيئها. منحوتاته مألوفة وغريبة في آنٍ واحد؛ تقترب وتتراجع، تبوح وتتحفّظ، وحين نقترب منها، نجدها أليفة، صادرة عن جسارة رجلٍ لم يكفّ عن المواجهة.

لم يكن مكي حسين فناناً محايداً. انحاز للإنسان انحيازاً مطلقاً، والتزم قضاياه حتى النهاية. جسّد في أعماله رفض الاحتلال، وإدانة العنف، واستعادة الكرامة، فجاءت تماثيله أجساداً منتزعة من عذابات الضحايا، لا ترقص للفرح، بل تقف شاهدة على عصرٍ مخترق من الأعماق. وحين رحل وحيداً في منفاه الألماني، ترك وراءه إرثاً إبداعياً يواجه مصيراً مجهولاً، لكنه، في الحقيقة، ترك فناً لا يموت، لأن فعله الفني كان متطابقاً تماماً مع أفكاره، ومع حياته، ومع جرحه الذي لم يندمل.

ولد الراحل في مدينة البصرة عام 1947، ودرس فن النحت في معهد الفنون الجميلة، الذي تخرج فيه عام 1968. وأصبح عضواً في جمعية التشكيلين العراقيين منذ سنة تخرجه، ثم عضواً في هيئتها الإدارية في عام 1971. غادر العراق، مثل مئات المثقفين العراقيين، بعد حملة النظام العراقي السابق على معارضيه، ثم التحق بحركة الأنصار اليسارية المسلحة في كردستان العراق، وبعدها رحل إلى سوريا ثم إلى منفاه الأخير في ألمانيا. في عقد السبعينات من القرن الماضي، شارك مكي حسين مع فنانين عراقيين في معارض عديدة، وواصل نشاطه بعد مغادرته العراق عام 1979، وكان آخر معرض شخصي له في مدينة لاهاي الهولندية، عرض فيه تمثاله «صرخة من عمق الجبال» الذي أدان فيه مجزرة بشتاشان ضد فصائل الأنصار في كردستان.

يرى غالبية النقاد المتابعين لمسيرة مكي حسين الفنية انه كان يمتلك ـقدرة استثنائية على تحويل البرونز الى قناة تواصل إنسانية. فمنذ البدايات دخل في صراع فني لتطويع البرونز لتسليط الضوء على موضوعة الجسد المحاصر. إن منحوتاته، كما يرى النقاد " لا تقدم احتفاءً جمالياً مجرداً، بل هي «أجساد منتزعة من عذابات الضحايا، حيث تعكس حالة اللاتوازن مع عالم مضطرب ومطعون في أخلاقياته"

ويقول الناقد العراقي عادل كامل عن أعماله: " علاوة على قراءة كنوز وادي الرافدين، بدءاً بتماثيل الأسس، والأختام، وتماثيل بوابات المدن، والآلهة ، اشتغل مكي حسين على استنطاقها لتتبع مساراتها الداخلية المخبأة، وقدراتها على منح (التعبير) المكانة ذاتها للفنون المتكاملة. فلم يعزل النحت عن حقائق التقدم العلمي لتلك المجتمعات عند فجر السلالات في سومر، مع اختراع الكتابة، نظام الري، سبك المعادن، التعليم، الطب، الفلك، مجلس الشيوخ بجوار مجلس الشباب، حقوق المرأة... إلخ، كما ذكرها صموئيل كريمر بتدشينات مبكرة للحضارة العراقية، ولها أسبقية، مقارنة بما كانت تنتجه الحضارات الأولى، قبل ستة آلاف عام. فلقد وجد مكي حسين نفسه يتلقى المعارف في المتحف العراقي، ذاكرته الجمعية، كي يواصل إكمال مشروعات جيل الرواد: جواد سليم ومحمد الحسني وخالد الرحال والكيلاني. "

 


#مكي_حسين #النحت_العراقي#الفن_والإنسان#البرونز#الجسد_المحاصر#المنفى#الذاكرة_العراقية #الفن_المقاوم# التشكيل_العراقي   #ثقافة#فن#نقد_فني#فن_معاصر

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أسرار الجازي وماثيو: رواية التاريخ والحكاية في قلب السعودية

حين يتكلّم الصمت: رحلة ابراهيم فرغلي بين الذاكرة والخيال

أصوات مصر: كيف كتب الكاسيت تاريخ الجماهير