مدافعاً عن فلسطين : صوت يهودي يحاول إيقاظ الضمير الأوروبي
حين يتمرّد الضمير: كاتب يهودي يعيد طرح قضية فلسطين من قلب أوروبا
ليس هذا كتاباً عن السياسة… بل عن اللحظة التي
يختار فيها الضمير أن يقول “لا”،
حتى لو كان الثمن مواجهة التاريخ والهوية معاً. ليس هذا صوتاً ضد أحد، بل صوتٌ ضد الصمت… كاتب
يهودي يضع أوروبا أمام مرآتها الأخلاقية ويسألها: كيف فقد الضمير طريقه إلى
فلسطين؟
قدّم الكاتب الهولندي موريتس
دي براوين في كتابه "الضمير: عن إسرائيل وفلسطين" عملاً فكرياً وأدبياً شجاعاً، يتناول فيه
واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً في عالمنا المعاصر: إسرائيل
وفلسطين، لا بوصفها صراعاً سياسياً مجرداً، بل كجرح
أخلاقي مفتوح داخل الذات الأوروبية، واليهودية على وجه الخصوص. العنوان نفسه، الضمير،
ليس زخرفة لغوية، بل مفتاح قراءة للنص كله؛ إذ يضع القارئ منذ الصفحة الأولى أمام
سؤال أخلاقي ملحّ: كيف
يمكن للإنسان أن يوفّق بين التاريخ، والهوية، والعدالة؟
الكتاب ليس دراسة تاريخية ولا
تحليلاً سياسياً تقليدياً، بل هو نص هجين يجمع بين السيرة الذاتية، والتأمل
الفلسفي، والنقد الثقافي. ينطلق دي براوين من موقعه كيهودي أوروبي مثقف، مدركٍ
لثقل الهولوكوست في الوعي الغربي، لكنه في الوقت ذاته غير مستعد لتحويل هذا الإرث
المأساوي إلى درع أخلاقي يبرر الظلم الواقع على الفلسطينيين. هنا تكمن قوة الكتاب: في رفضه للثنائيات
الجاهزة، وفي مقاومته لفكرة أن التعاطف مع اليهود تاريخياً يجب أن يعني الصمت تجاه
معاناة الفلسطينيين حاضراً.
يمارس الكاتب نوعاً من المحاسبة
الذاتية القاسية. يسائل اللغة التي تُستخدم لتبرير العنف، ويسائل الإعلام
الغربي الذي غالباً ما يختزل الفلسطيني في صورة رقم أو تهديد أمني، ويضع القارئ
أمام حقيقة مؤلمة: أن كثيراً من الخطابات الأخلاقية في أوروبا انتقائية،
تتحرك وفق الذاكرة والهوية، لا وفق المبادئ الكونية للعدالة وحقوق الإنسان. في هذا
السياق، لا يهاجم دي براوين اليهودية كدين أو كهوية، بل ينتقد توظيفها السياسي حين
تتحول إلى أداة لإسكات أي نقد لإسرائيل.
أسلوب الكتاب هادئ، لكنه
نافذ. لا يعتمد الكاتب على الصدمة أو الشعارات، بل على تفكيك بطيء ومدروس للمفاهيم:
الذنب، الضحية، المسؤولية، والحياد. وهو يدرك أن الحديث عن فلسطين داخل السياق
الأوروبي، وخصوصاً من كاتب يهودي، ليس مجرد موقف فكري، بل مخاطرة شخصية
وأخلاقية. لذلك يبدو النص
أحياناً كاعتراف طويل، وأحياناً كرسالة احتجاج، وأحياناً أخرى كتأمل حزين في عجز
الضمير الغربي عن رؤية الإنسان الفلسطيني كإنسان كامل.
ما يميّز كتاب "الضمير:
عن إسرائيل وفلسطين" أيضاً هو أنه لا يدّعي
امتلاك الحقيقة النهائية. دي براوين لا يقدّم حلولاً سياسية، ولا يزعم أنه فوق
الصراع، بل يعترف بتردده وتناقضاته. هذا الاعتراف يمنح الكتاب صدقيته؛ إذ يشعر
القارئ أن الكاتب لا يخاطبه من برج أخلاقي عالٍ، بل من مساحة إنسانية مشتركة،
حيث الأسئلة أهم من الأجوبة.
من الناحية الأدبية، يتسم
النص بلغة مكثفة وواضحة، تخلو من الزخرفة، لكنها محمّلة بدلالات فكرية عميقة.
الجمل قصيرة غالباً، وكأن الكاتب يتعمّد ترك فراغات للقارئ كي يملأها بتأملاته
الخاصة. وهذا ما يجعل الكتاب تجربة قراءة فكرية بقدر ما هو تجربة أخلاقية.
في المحصلة، يُعدّ كتاب "الضمير:
عن إسرائيل وفلسطين" كتاباً مهماً في الأدب
الأوروبي المعاصر، لأنه يجرؤ على كسر الصمت، ويعيد طرح القضية الفلسطينية ضمن
إطارها الإنساني والأخلاقي، بعيداً عن التبريرات السياسية الجاهزة. إنه كتاب عن
الضمير حين يرفض الطاعة العمياء للتاريخ، وعن المثقف حين يختار أن يكون وفياً
للعدالة، لا للهوية فقط.
هذا العمل لا يرضي الجميع،
وربما لا يسعى إلى ذلك أصلاً، لكنه ينجح في أمر أكثر أهمية: إجبار
القارئ على التفكير، وعلى مساءلة مواقفه الخاصة. وفي
زمن تزداد فيه الاستقطابات، يبدو "الضمير: عن إسرائيل وفلسطين" صوتاً نادراً يدعو إلى الشجاعة الأخلاقية،
وإلى إعادة الاعتبار للإنسان، أياً كانت هويته.
وموريتس دي براوين كاتب
وصحافي ومفكّر هولندي معاصر، يُعرف بأعماله الأدبية والفكرية التي تتقاطع فيها الهوية،
والأخلاق، والسياسة، والذاكرة التاريخية. وُلد
في هولندا، وينتمي إلى جيل من الكتّاب الأوروبيين الذين لا يكتفون بالسرد الأدبي،
بل يستخدمون الكتابة كأداة نقدية لمساءلة المسلّمات الثقافية والأخلاقية السائدة
في المجتمع الغربي.
بدأ دي براوين مسيرته في مجال
الصحافة الثقافية، حيث كتب مقالات نقدية وتحليلية في عدد من الصحف والمجلات
الهولندية، مركّزاً على قضايا الهوية اليهودية، والتمييز، والعنصرية، والعلاقة
الإشكالية بين أوروبا وإرثها الاستعماري. لاحقاً، اتجه إلى الكتابة الأدبية، فأصدر
روايات وأعمالاً غير روائية اتسمت بطابع تأملي جريء، وبأسلوب يجمع بين السيرة
الذاتية والتفكير الفلسفي.
يُعدّ كتابه "الضمير: عن إسرائيل وفلسطين" من
أبرز أعماله وأكثرها إثارة للنقاش، إذ يتناول فيه موقفه الأخلاقي من الصراع
الإسرائيلي–الفلسطيني، منطلقاً من كونه كاتباً يهودياً أوروبياً يرفض توظيف
الذاكرة التاريخية لليهود لتبرير الظلم أو إسكات النقد. وقد أثار الكتاب جدلاً
واسعاً في الأوساط الثقافية الهولندية، واعتُبر مثالاً على الأدب الأخلاقي
الملتزم الذي يضع الضمير الفردي في مواجهة الخطاب السياسي السائد.
إلى جانب الكتابة، يُعرف دي
براوين بنشاطه في النقاشات العامة والمحاضرات، حيث يشارك بانتظام في حوارات
فكرية حول حرية التعبير، وحدود التضامن، ودور المثقف في زمن الأزمات. يتميّز صوته
بالهدوء والعمق، وبسعيه الدائم إلى تفكيك الثنائيات الحادة، والدفاع عن القيم
الإنسانية الكونية بعيداً عن الاصطفافات الأيديولوجية.
باختصار، يمثّل موريتس دي
براوين نموذجاً للكاتب الذي يرى في الأدب مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون
إنجازاً فنياً، ويجعل من الكتابة مساحة للمساءلة، لا للتبرير، ومن الضمير بوصلةً
لا يمكن تجاهلها.
#موريتس_دي_براوين# #Geweten #الضمير#فلسطين#إسرائيل#أدب_سياسي#أدب_الضمير#الهوية#العدالة
#الأدب_الأوروبي#صوت_أخلاقي#كتب_تستحق_القراءة


تعليقات
إرسال تعليق