على حافة الخيال والذاكرة: قراءة شاعرية في «علاء الدين الواحد والمصباحان السحريان» لجانيت ونترسون
نوصي بقراءة
هذا الكتاب لأنه يمنح القارئ فرصة نادرة لرؤية حكاية عالمية بعيون جديدة. تستخرج ونترسون
من الأسطورة طبقات غير مرئية—عن الشهوة، والطموح، والعجز البشري عن إدراك ما يريده
حقًّا. أسلوبها الساحر يجمع بين بساطة الحكاية الأولى وعمق الأدب المعاصر الذي يوقظ
الأسئلة ولا يكتفي بالأجوبة.
جانيت ونترسون،
علاء الدين، الأدب الإنجليزي المعاصر، الخيال، السرد الرمزي، إعادة كتابة الحكايات،
تحليل كتب
يولد هذا
الكتاب من تلك المنطقة التي تتقاطع فيها الأسطورة بالذاكرة، حيث يصبح الخيال نافذة
نطل من خلالها على ما لم نقلْه قط، وما لم نعترف به لأنفسنا. في «علاء الدين واحد ومصباحان
سحريان»، تعود جانيت ونترسون إلى واحدة من أشهر الحكايات الموروثة، لكنها لا تعود إليها
مثل باحثة خلف الأصل أو شارحة للنص القديم؛ بل تعود إليها كمن يعثر على حجر صغير في
جيب معطف قديم، فيكتشف أن ذلك الحجر كان مفتاحًا لضمير كامل ظلّ مغلقًا.
منذ الجملة
الأولى، نتلمّس ذلك الهواء الشفيف الذي يميّز كتابة ونترسون، حيث تصبح اللغة أكثر من
جسرٍ نحو الحكاية؛ تصبح كائنًا يعيش بين السطور، يتنفس، يتهدّج، ويلمع أحيانًا كالزجاج
حين تعبره شطحة ضوء. إنها لا تحكي قصة علاء الدين كما تناقلتها الأزمنة، بل تحكي قصة
جديدة تولد من الفراغات، من هوامش الحكاية، من تلك الأسئلة التي تجاهلتْها المخيلة
الجمعية لأنها كانت مُحرجة أو عسيرة أو مظلمة.
في يد ونترسون،
لا يعود المصباح مجرد أداة تمنح الأمنيات؛ يصبح رمزًا للخيط الواهن بين الرغبة وتحقيقها،
بين ما نحلم به وما يقدر علينا حين يتحقق. إنها تُمسك بالحكاية مثلما يُمسك المرء بمرآة
صغيرة، ثم تميلها قليلًا لترى وجهًا آخر، مقطعًا آخر من الضوء، ظلالًا لم تكن ظاهرة
من قبل. وهكذا يُولد «مصباحان»: أحدهما لنا، والآخر ضدّنا—مصباح يضيء الطريق، ومصباح
يكشف هشاشتنا.
علاء الدين
عند ونترسون ليس بطلًا ولا محتالًا فقط؛ إنه كائن يتعلم على مهل معنى أن تكون الرغبة
أثقل من الجسد، وأن يكون الطموح أوسع من المساحة التي يسمح بها القلب. كل خطوة يخطوها
في الحكاية تتحول إلى درس خفي عن الفقدان، وعن الحيرة التي تولد حين يتقاطع الحلم بالواقع.
إن ونترسون، بلمستها الشاعرية، تجعل من كل فعل بسيط حدثًا وجوديًا: فتح صندوق، لمس
مصباح، اختيار كلمة، النظر في العيون—كلها تتحول إلى طقوس صغيرة تؤسس لمصيره.
ومن خلال
هذه الحكاية، تتأمل ونترسون طبيعة السلطة: سلطة الحكاية على الشخصيات، وسلطة الذاكرة
على الحاضر، وسلطة الرغبة على العقل. المصباح في نسختها ليس آلة سحرية بل استعارة للقدرة
على تغيير العالم، أو الأوهام التي نعتقد أنها ستمكننا من ذلك. لذا يصبح وجود «مصباحين»
إعلانًا عن انقسام داخلي، عن ذلك الصوت الآخر في داخل الإنسان الذي يريد شيئًا مختلفًا
عن الذي نطلبه بوعي. كأن المصباح الثاني هو ظلالنا، رغباتنا غير المعلنة، أو مستقبلٌ
يتشكل رغماً عنّا.
ووسط ذلك
كله، لا تغيب روح الدعابة الرقيقة التي تميز ونترسون، تلك القدرة على خلط السخرية بالجدية،
كما لو أن الحكايات لن تكتمل إلا إذا ضحكنا قليلًا ونحن نرتجف. وهذا ما يجعل كتابها
حيًا، نابضًا، غير قابل للاختزال في ملخص أو حبكة. فالحكاية هنا ليست سوى إطار؛ أما
الجوهر فهو في الطريقة التي تُنصت بها ونترسون لعالمها الداخلي، وفي الطريقة التي تجعلنا
نُصغي نحن أيضًا.
إن ما يدهش
في هذا الكتاب ليس فقط ثقله الرمزي، بل خفته. فهو كتاب يتكلم عن أشياء عظيمة—الرغبة،
والسحر، والارتحال، والمصير—لكنه يفعل ذلك بنبرة هامسة، كأننا نجلس قرب نافذة ونسمع
الريح وهي تتردد بين الغصون. ولأنها تفهم قوة الإيحاء، لا تفسر ونترسون شيئًا تفسيرًا
مباشرًا، بل تضع أمامنا صورًا وإيقاعات وومضات تستدعي القراءة البطيئة. إن لغتها أشبه
بخطوات على الرمل: واضحة، لكنها قابلة للذوبان في أي لحظة.
في نهاية
المطاف، لا يخرج علاء الدين من الحكاية كما دخلها. ولا يخرج القارئ كما دخل. فالحكاية
التي بدت يومًا بسيطة عن فتى ومصباح تتحول عند ونترسون إلى درس في كيفية قراءة أنفسنا.
المصباح ليس ما سيعطينا ما نريد؛ بل هو الضوء الذي يكشف ما أخفيناه. والسحر ليس في
الجنّي، بل في رغبتنا في أن يغيّر أحدٌ حياتنا نيابة عنا. أمّا الحكاية فهي وسيلة لفهم
ذلك: أنّ كل مصباح نحمله يحمل مصباحًا آخر في داخله، مصباحًا يضيء على ما حاولنا التغاضي
عنه.
بهذه اللمسة
الدقيقة، وبذلك الحس الوجودي الذي يدقّ أبواب القلب دون أن يوقظه بعنف، تمنحنا ونترسون
كتابًا يذكّرنا بأن الحكايات لا تزال تمسك بأيدينا، وأن الخيال ليس هروبًا بل شكل من
أشكال العُبور. وفي ظل عالمٍ يميل إلى الضجيج، يأتي هذا الكتاب مثل نسمة بعيدة، كأن
فتىً ما—ربما علاء الدين نفسه—مرّ بالقرب من نافذتنا في الليل، وترك خلفه أثرًا صغيرًا
من الضوء.
A lyrical reflection on Jeannette Winterson’s enchanting
re-imagining of the Aladdin myth, tracing how she transforms a familiar tale
into a meditation on desire, imagination, and the fragile architecture of hope. This essay explores Winterson’s poetic
style, symbolic depth, and her bold reshaping of a story that has lived for
centuries.
#جانيت_ونترسون
#علاء_الدين #كتب_أدبية #مراجعة_كتب #تحليل_أدبي #الأدب_الإنجليزي #روايات_معاصرة
#خيال #سرد_رمزي

تعليقات
إرسال تعليق